page contents
أقلام الوطن

“آليس” و”علاء الدين” يعودان هذا الأسبوع !

استبشرت البشرية بشائر الخير عندما اهتدت إلى مسك خيوط التكنولوجيا وبدأت تنسج بها زرابي الرقي وتصنع منها فُرش الرفعة، وبات العالم كله يلهج بحمدها ويصبح ثم يمسي ذاكرا فضلها، لما أعطته له من سهولة عيش وما وفرته من أسباب الرفاهية ويُسر المعيشة، حتى أضحي الإنسان مع الوقت وقد سكنته “فوبيا” التكنولوجيا التي أراحته حتى كاد قلبه ينخلع من تأثير طاعتها له وكيف أنها لا تعصي له أمرا وتفعل ما يأمرها وتمتثل طائعة.

التكنولوجيا والتقانة والتطور العلمي الحاصل في نمط المعيشة لدى الفرد في المجتمع الإنساني وركونه إلى الراحة واعتماده على ما تنتجه له عقول الآلة التي صنعها بعقله، جعلته قاصرا على إعمال الفكر وباتت عضلاته قاصرة إلا على بعض التدريبات في قاعات كمال الأجسام يحسّن فيها مظهره ويجمّل خِلقَته، فالسهولة التي قيّضها الله لبني البشر في تدبير شؤون حياتهم المعيشية انعكست على آمالهم وتمنياتهم عندما (تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم)، فيركنون إلى الأماني والأحلام وما سَهُلَ من الأفكار بأن يغمضوا أعينهم فيفتحوها على “فتح الله” وقد أذهب عنهم “الحَزَنَ” والرجس مما ألّم بهم، فأضحى الإنسان وغاية ما يطلبه أن (يكسب) من دون عمل، و(يحصل) من دون جهد، و(يربح) من دون تعب، و(ينال) من دون نصب.

الكوفيد ورفع الحجر.. رحلة من رحلات آليس في بلاد العجائب

منذ أن استشرى الوباء في بلادنا في الثلث الأخير من شهر فبراير، ظهر الشعب كله وقد أهمّه أمره وراع له وارتاع منه، والتفّ المجتمع بدِثَار من الخوف والهلع وسكنت أرجاءه الرهبة وغشيته السكينة، وبات المواطن يرتحل بين (الصباح) و(المساء) رحلتين كرحلتي (آليس في بلاد العجائب)، فيغيّر في الأولى موطئ القدم ثم يبّدل في الثانية ممسك القلم. فترى ذاك المواطن ولا شيء يشغله (مساءً) إلا تتبُّع أخبار الوباء وأي المناطق ضرب، وعدد الضحايا وأرقام الإصابات ويقارن النسب، ويهتم بخريطة مناطق انتشار الداء، ويحسب ساعات الحجر ويتـأسف على ما أصاب الناس من هم وغم وغلاء، ثم تجده مواطنا من نوع آخر (صباحا)، مواطن يتسّمع أخبار الطوابير وجديد الحوانيت فيلهث خلفها، فمن طابور السميد إلى طابور الحليب، ومن حانوت البقالة إلى دكان الجزارة، ولا يترك ناديا فيه لمّة من الناس إلا حنا فيه ظهره وجالسهم، ولا مرّ باجتماع رجال إلى قصعة طعام إلى ثنا فيها ركبته وآكلهم، ولا مجلسا فيه قوم يتناقشون في الكرة أو السياسة إلا عقف فيه لسانه معهم وناقشهم، فتجده وقد كشف وجهه بلا أي كمامة ولم يرتدي قط قفازا ولا اعتم يوما بعمامة. لكنه يتمنى أن يزول الغم سريعا وأن تعود الحياة سيرتها الأولى قريبا.

رحلة المواطن الجزائري بين (الصباح) و(المساء) تشبه رحلة (آليس) التي تعيش صباحها في أقسام المدرسة الواقعية بما فيها من كدر وظنك عيش، ثم ترتاد دهاليز الخيال مساء لتستمتع بما فيها من يسر وسهولة ودعة، وما تجده في رحلتها من أصدقاء ظرفاء وحدائق غنّاء وكثير من الألوان الزاهية والموسيقى والغناء، فهي تجد في دهاليز الخيال مساء ما كانت تتمناه في فصول الواقع صباحا فلا تعي ولا تتعب ولا هي تشقى ولا تنصب.

الآمال من التعديل الدستوري

أمل “ابن سلول” أو الداعك على إبريق علاء الدين

علينا أن نقر بلا وجل أن الدستور على قداسة سرّه وعلّو كعبه ليس بذلك الجهد القار الذي تتآلف عليه الناس كل ساعة ويتحالفون له السمع والطاعة، فقط جرت المقادير أن لكل حقبة دستورها ولكل دستور رئيسه، ولأن الدستور هو خريطة القانون في كل بلد وهو الضامن للحريات والحقوق وعدم الجور على الضعفاء، فإن أغلب أفراد المجتمع السياسي في جل الدول ومعهم خبراء القانون وعلماء الاجتماع والصحفيون والأكاديميون يبذلون قصارى الجهود من أجل رسمه أحسن رسم ويبذلون له الوقت والفكر، ويعتقدون أنهم شركاء (في المغنم) مشتركون (في المغرم)، لكن الأمر عندنا فيه بعض الاختلاف.

فنحن نريده دستورا جيدا وسَمحًا ونحبِّذه كاملا مكتملا، فلا نرضى أن يكون فيه عيب أو أن يصيبه عوار، وتجدنا جميعا خبراء في فن النقد ونتجاسر على الفهم حتى يخيّل لمن يرانا من بعيد أننا (عصبة) سياسيين وخبراء قانون لم يأت الزمان بمثلنا، لكننا في حقيقة الأمر “غثاء كغثاء السيل” إلا من رحم ربي.

فالأصل في الأمر أن لا يحظى بوصف السياسي الممارس إلا من درس السياسة ومارسها حقا وصدقا وناضل في ساحاتها وتربى في حاراتها وعَلِم ما لها وأتقن ما عليها، فيكون قد تعب وأبيض شعره وهو يجوب أدناها وأقصاها، أما أن تجده وقد حشر أنفه في السياسة والقانون فمثله كمثل الداعك على إبريق (علاء الدين) ليستجلب الجني الذي يسكنه ويأمره بأن يغيّر (الصعب) فيجعله (سهلا)، ولم يكن يوما إلا مراهقا متصابيا من “أطفال” السياسة، فلم ينتسب يوما إلى حزب إلا انتسابا بالاسم (السياسة عن بعد) ولا ناضل لأجل فكرة أو مبدأ أو عقيدة إلا ما كان نضال نصرة الأخ لأخيه أو ابن عشيرته التي تؤويه، ولا سمعناه يوما وقد قام في مقام خطيبا إلا ما أصاب الناس من لسانه من قيء فتنة مستعرة أو بخار قطيعة مشتعلة، لا ينتسب إلا لجهوية مقيتة ولا يركن إلا لعروشية مميتة، فحاله كحال جلّنا وأكثرنا وقد أعمت الراحة بصائرنا وطمست الدعة بصيرتنا، ثم تحدثنا أنفسنا أننا عاملون من أجل رفعة الوطن وعلو شأنه، ونتمنى على الله الأماني أن يصبح حالنا أحسن حال وأن يكون مكاننا أرقى مكان.

إن حالنا هذا كنقلات المنافقين بين الصباح والمساء، فقد كانوا يشتركون في جلسات الوعظ مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صباحا، فيأخذون دروسا في الفقه والعقيدة ويتسلون بأخبار الأمم السالفة والأقوام والرسل، ويستمتعون باجتماعهم وقد حُطّت الحروب عن كواهلهم، لكنهم يتحولون من الإيمان إلى الكفر مساء، فمتى اختلى الواحد بنفسه ركن إلى الراحة والنوم فلا عبادة فيها نصب ولا صيام، ولا صلاة فيها تعب ولا قيام، ثم تجدهم وقد صدّقوا أنفسهم أنهم باتوا من جماعة المسلمين إذ أسلموا بالقول، وأضحوا مؤمنين ولم تؤمن قلوبهم، ولا أمسوا إلا وقد تمنوا الجنة ونعيمها واشتاقت أنفسهم إلى الخلد فيها والتلذذ بنسيمها.

د. جيدور حاج بشير

أستاذ العلوم السياسية بجامعة غرداية

bachir2001@gmail.com

الوسوم
اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. قراءة ولا اروع للواقع الذي نعيشه اليوم ، لقد شخصت العلة وسلةت بنا دروبا مضيئة فشكرا لك صديقي العزيز ونفع الله بعلمك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق