page contents
نقاشات الدستور

أزمة السيادة في المشروع التمهيدي لتعديل الدستور

بقلم الدكتور زوبير بوزرزور

يكاد يتفق فقهاء القانون الدستوري أن السيادة هي أساس القانون، أي أن القانون يكتسب شرعيته التي يضفيها لاحقاً على الإجراءات من خلال صدوره من قبل السلطة السيادية، فالسيادة هنا مصدر الشرعية. وصاحب السيادة في النظم الديمقراطية الحديثة هو الشعب. ونعرف السيادة: قدرة الشعب على احتكار صلاحية اتخاذ القرارات التشريعية والتنفيذية، واللتان يشكّل اجتماعهما ما نسميه اختصاراً بالحكم.  وتتجسد شرعية نظام الحكم بقبول الشعب بالقرارات التي اتخذها من خلال سيادته، أي عبر ممثليه، والانصياع لها، دون الحاجة إلى وصاية أو قوة قاهرة.

لكن التماهي بين الشعب وتمثيله، بشقيه التشريعي والتنفيذي، أساسي لاستمرار صلاحية مفهوم الشرعية. فالشعب لا يقبل إلا بقراراته هو التي تعبر عن مصالحه وتطلعاته، وبالتالي فعلى ممثليه أن يعكسوا هذه المصالح والتطلعات بحرفية وفي كل لحظة. أي أن الدولة الديمقراطية هي مجرد مجموعة سلطات ووظائف وإجراءات مفروض عليها أن تثبت أنها تنبع من الشعب وتمثله وتسعى لخدمته، وبالتالي تحقق سيادته على نفسه، مما يدفعه حتماً لإعطاء الدولة الشرعية، التي هو المالك الوحيد لها، من خلال قبول القرارات والانصياع الاختياري لها.

وقد أكدت المواد 7 و8 و9 من الدستور الجزائري هذا المعنى، حيث تنص المادة السابعة من الفصل الثاني:

1- الشعب مصدر كل سلطة.

2- السيادة الوطنية ملك للشعب وحده.

   ” أما المادة الثامنة فتصرح:

1- السلطة التأسيسية ملك للشعب

2- يمارس الشعب سيادته بواسطة المؤسسات الدستورية التي يختارها..

وبالنسبة للمادة التاسعة فهي توضح ما ذكرناه:

يختار الشعب لنفسه مؤسسات، غايتها ما يأتي:

–         المحافظة على السيادة والاستقلال الوطنيين، ودعمهما

–         المحافظة على الهوية والوحدة الوطنية، ودعمهما

–         حماية الحريات الأساسية للمواطن، والازدهار الاجتماعي والثقافي للأمة

–         ترقية العدالة الاجتماعية…

أما المادة 15 فتؤكد في الفقرة الأولى: “تقوم الدولة على مبادئ التمثيل الديمقراطي، الفصل بين السلطات، وضمان الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية.

الفقرة الثانية: المجلس المنتخب هو الإطار الذي يعبّر فيه الشعب عن إرادته، ويراقب عمل السلطات العمومية.

إن توضيح أهمية السيادة الشعبية في مقدمة هذا العرض ضرورية لمناقشة مسألة أراها جد مهمة وشائكة تطرق إليها مشروع الدستور الجديد تتعلق ببعض صلاحيات الرئيس والتي قد تتجاوز سيادة الشعب ومن يمثل الشعب وهو البرلمان. وتعود على الكثير من المواد بالبطلان أو التناقض.

حيث أن المتصفح لمسودة تعديل الدستور يلاحظ أن رئيس الجمهورية لا يزال يتمتع بصلاحيات كبيرة، وحساسة، وقد نُسلم بالكثير منها بحكم أننا نثق ونحترم مقامه وتوضع الثقة فيه حينما يتم انتخابه من قبل الشعب، ولكن أن تتجاوز بعض الصلاحيات سيادة الشعب أو تهدد أمننا القومي واقتصادنا فإننا يجب إعادة النظر فيها، والمشرع في الغالب يسعى دائما لدرء المفسدة قبل وقوعها.

فالفقرة 13 من المادة 95 والتي تتحدث عن صلاحيات الرئيس تنص:

“يبرم المعاهدات الدولية ويصادق عليها”.

المادة 159 (150 سابقا) تنص أن:

” المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية، حسب الشروط المنصوص عليها في الدستور، تسمو على القانون.”

هذه المادة وإن كانت مرتبطة بوجه من الوجوه بالمادة التي قبلها أي المادة 158 (149 سابقا) والتي تنص على أن رئيس الجمهورية: “يصادق على اتفاقيات الهدنة، ومعاهدات السلم، والتحالف والاتحاد، والمعاهدات المتعلقة بحدود الدولة والمعاهدات المتعلقة بقانون الأشخاص، والمعاهدات التي تترتب عليها نفقات غير واردة في ميزانية الدولة، والاتفاقيات الثنائية أو المتعددة الأطراف المتعلقة بمناطق التبادل الحر والشراكة وبالتكامل الاقتصادي، بعد أن توافق عليها كل غرفة من البرلمان صراحة”. لكن تطرح إشكالات يجب التنبيه عليها.

أولا: المادة 159 تعطي لرئيس الجمهورية التصديق بصورة انفرادية فيما عدا الحالات التي نصت عليها المادة 158. أي أن له الانفراد بالتشريع. دون قيد أو شرط. مما يعود على المادة 158 بالنقض أو بالضعف عند الاستدلال. لأن كلما تطرق الاحتمال للدليل ضعف عند المحاجة.ثم إن الاكتفاء بالمادة 158 يؤدي الغرض وزيادة مع ضرورة اقتراح إضافة مهمة وهي أن موافقة غرفتي البرلمان تكون بالأغلبية المطلقة. وألاّ تعود هذه الاتفاقات والمعاهدات بالضرر على أمننا واقتصادنا بأي وجه من الوجوه.

ثانيا: إن الإشارة إلى أن مثل هذه المعاهدات تسمو على القانون، وفيه امتهان وتهميش لقوانين الجمهورية بل وحتى قرارات المحكمة الدستورية أمام ما يمكن أن يصدره رئيس الجمهورية مع أي جهة أجنبية. وهو ما تؤكده المادة 177 (165 سابقا): حيث تنص صراحة “يلتزم القاضي في ممارسة وظيفته بتطبيق المعاهدات المصادق عليها، وقوانين الجمهورية وكذا قرارات المحكمة الدستورية”.

فالمادة 177 جعلت المعاهدات الدولية في المرتبة الأولى في التشريع وقبل قرارات البرلمان، أي قبل المشرَع الأول للقوانين، وصاحب السيادة الذي خولها له الشعب. وبتحليل بسيط نصل أن سمو الاتفاقات الدولية على قوانين الجمهورية يتناقض مع سيادة الشعب وبالتالي يتعارض بشكل صارخ مع المواد 7و 8 و9 كما بينا في مقدمة حديثنا.ولذلك نقترح أن تكون الاتفاقات والمعاهدات الدولية في الترتيب الأخير، وتعطى الأولوية لقوانين الجمهورية وما يشرعه البرلمان ممثل صاحب السيادة وهو الشعب.

ثالثا: أن مثل هذه الاتفاقات ذات الطابع السيادي لا تخلو من شبهة الضرر الذي قد يلحق أمننا الوطني والاقتصادي، وسيادة قراراتنا.

حيث لا يمكن أن نغض الطرف أو نتجاهل أطماع الدول الكبرى في خيرات الجزائر وسحر موقعها الجيوستراتيجي بين البحر المتوسط شمالا ومنطقة الساحل جنوبا، فالجزائر تمثل بوابة إفريقيا، كما تحوي على موارد طاقوية حيوية وتتربع على تضاريس متنوعة من خلال مساحة هائلة مقارنة بوضع دول أوروبية أو مغاربية محيطة بها، وتمتلك قوة عسكرية وأمنية محترفة.لكن كل هذه العناصر المشكلة للقوة الجزائرية هي بحاجة إلى قوة قانونية لحمايتها من ابتزازات محيطها الخارجي.

فلا يمكن أن نسمح نحن الشعب أن تستأثر السلطة التنفيذية بالسيادة وتهيمن على قرارات الشعب واختياراته بمجرد أنها فازت بالانتخابات وحظيت برضاه المؤقت.

إذن فلا معنى لسيادة الشعب على الدولة، إلا كل فترة محددة ولساعات قليلة حين يضطر، مختارا لنقل اعترافه من مجموعة قائمين على الدولة إلى مجموعة أخرى، من خلال صناديق الاقتراع. وبعد ذلك تحاك دون علم منه المؤامرات وتباع خيرات البلاد، عبر اتفاقات مشبوهة كما فعلت الحكومات السابقة دون ردع ولا تأنيب ضمير.

فمثل هذا السلوك أو الخنوع لمن تعوَد عبادة الدكتاتوريات قد اندحر وذهب بلا رجعة. فجزائر ما بعد حراك 22 فيفري والتي يحلم بها كل شاب وشابة، وكل طفل وطفلة خرج يصرح للحرية والعدالة واستعادة الحقوق المسلوبة لن يستسلم لمن يريد أن ينال من سيادته واختياراته وهو مستمر في نضاله حتى تتحقق الجزائر التي يحلم بها. ولا ينبغي أبدا أن يلدغ الشعب من جحر مرتين.

د. زوبير بوزرزور

دكتور في جامعة العلوم ماليزيا تخصص قانون عام

حاليا: أستاذ متعاقد مع كليه الدراسات الإسلامية (الخروبة) – جامعة الجزائر 1

عضو مجلس الشورى الوطني لجبهة العدالة والتنمية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق