page contents
أقلام الوطن

أمة تقرأ ولا تعي أنها تقرأ!

بقلم: د. جمال بلعربي

نحن أمة تقرأ إلى درجة التخمة. لكن قادة الرأي عندنا وصناع المحتوى لا يرون ذلك. للأسف، أو ربما لحسن الحظ، هذه الحقيقة سوف تصدم الكثير من المعلقين التقليديين الذين “يشكلون” وعيهم ومواقفهم وتعليقاتهم بالمنعكسات الشرطية البافلوفية وليس بالإدراك وإعمال العقل الذي كرم به الإنسان. فهؤلاء لا يتفكرون ولا يحللون. وبعبارة أبسط وأوضح هم قوم لا يعقلون. ومن أجلهم سوف أحاول أن أبين في هذه السطور كم نحن نقرأ، بل نتيه فيما نقرأ، لكن شكل القراءة هو الذي تغير بفعل التطورات التكنولوجية، ومعه يجب أن يتغير شكل الكتابة وشكل الكتاب أيضا.

يرتبط فعل القراءة بفعل الكتابة ولكنه لا يرتبط ضرورة بشكل الكتاب، وعلى وجه الخصوص بشكل معين من الكتب، أو مادة التدوين. القراءة درجة من درجات تطور التواصل اللغوي ظهرت مع ظهور الأبجدية. اخترعها أجدادنا الفينيقيون عندما احتاجوا إليها لتدبير شؤونهم التجارية. فهم اخترعوا أيضا التجارة الدولية وأبدعوا في صناعة السفن والملاحة البحرية ودباغة الجلود والصناعات الغذائية وصناعة الأصباغ بما فيها أصباغ الزينة. كانوا في حاجة إلى تقييد معاملاتهم التجارية والنقدية. كان ذلك تطويرا للخطوط قبل الأبجدية التي استعملت في تدوين القوانين والعقود (ألواح حامورابي وتل العمارنة). في هذا السياق الحضاري الخلاق ظهرت الحاجة إلى تدوين المعرفة بهدف تخزينها ونقلها عبر الزمن وعبر المكان. فكان الكتاب. وتطورت مادة التدوين من الصخور وألواح الصلصال وجلود الحيوان والبردى والقماش إلى أن ظهر ورق السيلولوز وظهرت الطباعة فكانت الثورة. بل ربما نتيجة لذلك ظهرت الثورات التاريخية الكبرى المعروفة. وأثناء هذه الرحلة ظهرت القراءة أو ما نسميه الآن المطالعة. لكن يجب أن ننتبه إلى أن المطالعة ظهرت كممارسة أرسطوقراطية خاصة بطبقة الملاك والرهبان والإقطاعيين. كان يجب أن ننتظر جيلا جديدا من الثورات الشعبية التي سوف تصنع الكيانات السياسية الديمقراطية ووسائل الاتصال الجماهيري في القرنين التاسع عشر والعشرين لتنتشر الثقافة السيلولوزية الشعبية ويظهر كتاب الجيب، بأثمان رخيصة جدا وتظهر المجلة والجريدة.

هنا يمكن تنبيه المعلقين التقليديين إلى أنه من غير المعقول الرهان على توقيف حركة التاريخ ومنع التواصل الكتابي من التطور والتحرر من الطبيعة السيلولوزية للثقافة والانتقال إلى مرحلة أرقى. بمعنى أن السعادة التي كنا نجدها عندما نرى شخصا يقرأ كتابا في مقهى أو محطة قطار أو داخل الحافلة أصبحت الآن مجرد ذكرى من الزمن الرومانسي. ويجب أن ننتبه إلى سعادة أخرى بدأت تتشكل منذ ثلاث عشريات مع انتشار الثقافة الرقمية والوسائط الذكية. سعادة امتلاك آخر “طبعات” الهواتف والألواح الذكية وأحدث التطبيقات. وعندما نعتبر المادة التي تنتشر عبر الوسائط الجديدة كتابة يجب أن ننتبه إلى أن استهلاكنا وتلقينا لها يسمى قراءة. نعم، نحن أمة عيونها لم تعد تفارق الشاشات الرقمية. نحن أمة تقرأ كثيرا. وحتى عند مشاهدة الصور والفيديوهات، يجب أن ننتبه إلى أنها تنقل في بعض الثواني أضعاف المعلومات التي كان الكاتب يعذب نفسه خلال عشرات الصفحات ليقدمها ناقصة ومعقدة. ففعل المشاهدة يحقق الهدف الأعمق لفعل القراءة.

إن الكتاب الآن بصدد الخروج من المرحلة الانتقالية بين الثقافتين السيلولوزية والرقمية. فقد جرت محاولات عديدة لإيجاد صيغة إلكترونية لنشر الكتاب الورقي. وكانت كلها محاولات سجينة التصور السيلولوزي الورقي للكتاب حيث سعى التقنيون للمحافظة على الشكل التقليدي للصفحة والغلاف وتقسيم الفصول عند تصميم الكتاب الإلكتروني. وكأن الكتاب التقليدي لا يريد أن يتركنا نواكب عجلة الوسائط الجديدة.

إن مفهوم الكاتب هو الآخر يعيش تحولا جذريا. فهو يتحول من كاتب تقليدي إلى صانع محتوى. ومن مؤلف نصوص تنشر في حزمة من الصفحات الورقية تخضع لشروط تكنولوجيا الطباعة إلى مؤلف نصوص تنشر عبر التطبيقات وتتمتع بما تتيحه تقنيات تصميم التطبيقات الرقمية من ابتكار وسرعة في الانتشار ومرونة في التلقي وقابلية للتحسين المستمر والتفاعلية وتعدد الأنواع من نصوص مكتوبة وتسجيلات صور وفيديوهات ومؤثرات صوتية وروابط. لذلك يجب أن ينتبه كاتب المستقبل إلى المميزات الجديدة لمهنته. ويستوعب شخصية صانع المحتوى. وبالنتيجة سوف ينتبه المعلقون إلى المميزات الجديدة للقراءة.

القراءة في الزمن الرقمي والافتراضي والتفاعلي، بطبيعة الحال، يجب أن تكون ذات طبيعة رقمية وافتراضية وتفاعلية قابلة للتحيين الآني. فلم يعد القارئ في حاجة إلى أن يضع بعض اللعاب على أصبعه كي يقلب الورقة. ولم يعد يقرأ الكتاب “من الجلدة إلى الجلدة” بحثا عن معلومة قد لا يجدها. ولم يعد يخضع لعراقيل أجهزة الرقابة في المطارات والموانئ وداخل المطابع، ولا لبطء تكنولوجيا الطباعة وشحن الورق والحبر بين القارات. ولم يعد في حاجة إلى قضاء الساعات الطويلة داخل قاعة المكتبة. بل أصبح يحمل المكتبة في هاتفه، بل يحمل فقط كلمات المرور إلى مكتبات الدنيا ليقرأ الكتب التقليدية المصورة ويقرأ آخر الإصدارات وآخر ما كتب عنها من نقد وانطباعات ومنشورات تفاعلية، ويقرأ مادة مصممة بأشكال تقنية جديدة وفي تطبيقات توفر له مختلف أنواع التسجيلات وتتيح له التنقل بين الكلمات والفقرات والصفحات والفصول والمواد الأخرى، والمعاجم، وكل ما تحتوي عليه المدونات الكبرى في نفس اللحظة.

لقد تغيرت القراءة، وبعضنا ما زال يدفن رأسه بين صفحات الكتب الصفراء مع الأردة. بالتأكيد هو لا يقرأ ولكنه يتقمص دور القارئ التقليدي ليتمتع بالحنين إلى ممارسات مسحها الزمن من الذاكرة الرقمية. إنها المفارقات التي تنتج عن ملاعبة الواقعي والافتراضي. فعندما ظهرت القراءة عبر الوسائط الرقمية اعتبرها التقليديون ممارسة افتراضية مقارنة بقراءة الكتاب الورقي الملموس. لكن يتبين الآن أن تلك القراءة الافتراضية هي التي تستحق صفة الواقعية بما هو متاح فيها من مادة خبرية وعلمية لصيقة باللحظة. بينما أصبحت القراءة التقليدية قراءة وهمية لأنها “تتعاطى” كتبا تمت طباعتها منذ سنوات وتم تأليفها قبل ذلك بسنوات أخرى وهي تقدم معلومات وأفكارا تتعلق بزمن لم يعد موجودا.

في هذا الخضم ارتفع عدد القراء في مجتمعنا ارتفاعا صاروخيا. أصبح عدد القراء يساوي ملايين الهواتف والألواح. بعدما كان مقتصرا على عشرات المكتبات التي يزورها عشرات القراء. وتقلص الزمن بين الكتابة والقراءة، أو ربما تحرر ليغطي ما كتب منذ أقدم العصور إلى ما هو بصدد الكتابة الآن. فقارئ هذا الأسطر في إمكانه، في هذه اللحظة نفسها، أن يتابع ما يصله من رسائل نصية على هاتفه، ويمكنه أن يتفاعل مع ما يقرأ ويمكنه حذف المنشور كما يمكنه إعادة نشره. كما يمكنه متابعة آخر الإصدارات عبر العالم.

بعد كل هذا، تجد من يجتر عبارات حمقاء يتم نشرها في إطار حملات دعائية لزرع ثقافة الإحباط وجلد الذات مثل “أمة اقرأ لا تقرأ” أو المواطن في إسرائيل يقرأ كذا كتابا في السنة بينما المواطن في الأقطار العربية يقرأ نصف صفحة سنويا. إن المواطن في الأقطار العربية في هذه اللحظة فقط يقرأ ملايين الصفحات بعدد ملايين الهواتف الذكية المنتشرة في مجتمعاتنا. وإلى جانبها يقرأ الناس في أقطارنا مكتبات كاملة كل سنة بفضل التكنولوجيات الرقمية والإلكترونية. نحن في حاجة إلى التخلص من النظارات المغشوشة التي تباع في الشوارع بأثمان بخسة لكي ننظر بأعين صافية حتى نرى أشياءنا بجمالها الطبيعي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى