page contents
أقلام الوطن

أنا أكره البشر..!

بقلم الدكتور السّعيد بوطاجين

هناك جوائز تمنحها هيئات قد لا تكون مؤهلة لذلك، ومنها جائزة “نوبل”، صاحب مقولة:” أنا أكره البشر، لكني خيّر جدا، كما أني مثالي وغريب الأطوار.”هذه الجائزة تشوبها أمراض لا علاقة لها أحيانا بالجانبين العلمي والأدبي بالنظر إلى عدة مضمرات مسيئة للِجان والهيئات التي تقف وراءها، وللحاصلين عليها دون أن يستحقوها، مقارنة بما ينجزه الآخرون.

لقد منحت هذه الجائزة للشاعر الروسي “بوريس باسترناك” نظير روايته “الدكتور جيفاغو” المناوئة للنظام الشيوعي، علما أن المخابرات الأمريكية والبريطانية تدخلت لحصوله على الجائزة خدمة للقطب الرأسمالي الذي كان في مواجهة الشيوعية. الشيء ذاته بالنسبة إلى الرئيس “تشرشل”الذي حصل عليها عن مذكراته حول الحرب العالمية الثانية، رغم أنها لا تحمل أية قيمة أدبية، لكنه فاز بها بسبب منصبه.

هذه الجائزة، كغيرها من الجوائز الأوروبية والعربية، ليست بالضرورة امتيازا يقدّم لمن يخدم الإنسان والأدب والعلم والسلام، وليس مستبعدا أن تصبح تهمة بالنظر إلى الشبهات التي تحوم حولها في السنين الأخيرة، بداية من مصادر التمويل، مرورا بمؤهلات لجان التحكيم ومرجعياتها، وصولا إلى الضغوط والكواليس والتحيّز لأطراف وقوميات ومركزيات وأشخاص ذوي ارتباط بمؤسسات لا علاقة لها بالعلم والإبداع.

وبالمقابل، هناك من رفضها، ومن هؤلاء: الكاتب الإنجليزي الساخر “برنارد شو” الذي قال بسخريته السوداء: “إنني أغفر لنوبل أنه اخترع الديناميت، لكنني لا أغفر له أنه اخترع جائزة نوبل”، إضافة إلى الفيلسوف والأديب والفيلسوف الفرنسي “جان بول سارتر” الذي قال بدوره: “على الكاتب أن لا يسمح لنفسه بأن يتحول إلى مؤسسة…إنني لا أستطيع أن أتخلى عن مبادئي مقابل المال”، وهناك السياسي الفيتنامي الذي حصل عليها مناصفة مع وزير الخارجية الأمريكي “هنري كيسنجر”، وقد رفض تسلمها تأسيسا على موقفه من وضع بلاده. كما رفضها الكيميائي “ريتشارد كوهن”،  والكاتب المسرحي النرويجي “هنريك إبسن”.

شعر هؤلاء بالخجل من جائزة تغذيها حكومات وجماعات غامضةتتحكم فيها السياسات والأموال.أصبحت ملايين الدولارات تقدم في حفلات أسطورية لبشر يرتدون ثيابا ملطخة بالخيانات والدم. للإشارة، فإن “إسرائيل” حصلت على 167 جائزة، ثم علينا إحصاء عدد الجوائز التي حصل عليها ثلاثة ملايير يشكلون العرب والمسلمين والأفارقة والآسيويين، مقابل تسعة ملايين (إسرائيلي).

صحيح أن الكيان العبري يخصص قرابة 4٪ من ميزانيته خدمة للبحث والإبداع والثقافة والعلوم، وأنّ الدول العربية مجتمعة تخصص للعلم فتاتا، أي أقل بعشرات المرات من “إسرائيل”. لكن ذلك لا ينفي الجهود العلمية والسلمية المبذولة في كرة أرضية أصبحت حكرا على أمم تعتبر نفسها فوق الشعوب، وعلينا أن نتذكر الرسالة التي بعثتها مدام “دو ستايل” إلى “نابوليون” تذكره فيها بقيمة الشعوب وآدابها خارج الفهم المركزي الفرنسي الذي اتبع النظرة الاستشراقية التي نادت بالأدب العالمي، بمفهومه العنصري.

أمّا عندما يتم التمييز انطلاقا من مصالح محدودة بالتخندق مع فئات لها الأولوية بفعل عوامل حضارية واستعمارية، فإن ذلك سيلحق ضررا بالجهد والحضارة بسبب الأحادية القطبية التيفي قبضة الأموال، رغم مظهرها الحيادي الذي يمكن أن يتسبب في الاخلال بمقومات الفنّ والبحثتلبية لرغبات الأيديولوجيات الظرفية.

لقد منحت هذه الجائزة لشخصيات لعبت دورا في التطهير العرقي، وفي صناعة الإرهاب وتغذيته، ولشخصيات سكتت عن الجريمة المنظمة على المستوى الدولي، أو ساندت حكومات نشطت في حقل إنتاج الأسلحة والمتاجرة بها، ومع ذلك سكت المثقفون واللجان عن ذلك كتقوية ضمنية لخطيئة “ألفريد نوبل”، وبدل أن يتطهر الرجل، راح يتسخ أكثر فأكثر بسبب هذه التحويلات التي مست جوهر الجائزة.

هذا ما يحصل حاليا في أغلب الجوائز التي تؤسس على خلفيات ضيقة، بما في ذلك بعض الجوائز العربية التي تستدعي عدة مساءلات من حيث إنها غير بريئة، كمنطلق وكمقصد، خاصة عندما تبني على مرجعيات سياسية تخدم التموقعات والأشخاص، أو تخدم التطبيع مع الكيان الصهيوني.

هل يجب تقديم أمثلة؟ هناك جوائز منحت لإبداعات هشة سرديا وبنائيا ورؤيويا وفلسفيا. لقد حصل أصحابها على تكريمات لمقاصد أخرى ليست ذات علاقة بتفوق النص فنيا، بل لأنه موالٍ، ولأنه يخدم جهات لها منطقها في التعامل مع الإبداع.هكذا يقوم الكاتب مقام الحاكم ويمرر خططا بالوكالة، كما لو أنه وريث شرعي له.

الشيء نفسه بالنسبة إلى الجوائز التي تمنحها فرنسا لبعض الجزائريين الذين يخدمون توجهها ولغتها، أو لأولئك الذين ينقلبون على ذواتهم وقناعاتهم وشعوبهم، في حين يتم إقصاء هالات أدبية لأن أصحابها ظلوا محافظين على شخصياتهم، دون أن يتنكروا لبلدانهم، ولاهتماماتهم الأدبية: محمد ذيب ومالك حداد مثلا، وهما كاتبان مكرّسان عالميا، غير أنّ هذه الدولة كرّمت أدباء أقلّ منهما شأنا، وأقلّ إنتاجا ورقيّا فنيا خدمة لأجندة معينة.

هؤلاء يعرفون أنفسهم، كما أنهم يدركون حجم تنازلاتهم عن شخصيتهم، وقد أشار رشيد بوجدرة إلى ذلك بوضوح كبير، في كتابه”زناة التاريخ”، بمن فيهم بعض السينمائيين، وهم كثر في هذا السياق الذي يقوم بتصدير القارئ إلى المنظور الغيري بحثا عن تموقع ما في طابور الجوائز التي على المقاس، وسيفلحون مؤقتا لأن القراء والجامعات والدراسات والصحف منسحبة، أو متورطة، مع ذلك فإنّ هناك أعمالا تستحق الإشادة بها، وهي التي وجب تكريمها من حيث إنها حرة، وبعيدة عن المؤسسات التي تريد إبداعا يخدم منظوراتها إلى الأشياء، بصرف النظر عن الفنّ الخالص والانتاج العلمي المحايد.

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. اكيد ان تلك الجوائز لا تعكس حقيقة جوهر الابداع او البحث العلمي الا نادرا..هي اساسا تخطيط لتعطيل قدرة الابداع و العقل على تجاوز الايديولجيات. جوائز ظرفية تخدم مخطط بني قينقاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى