page contents
أقلام الوطن

أي الأعمال أولى بالتسبيق من “عملية التدقيق” ؟

بخصوص بناء ”نموذج عصري للأعمال التجارية“ لسوناطراك

في سياق المعالجات .. ينبغي لنا التفرقة بين “اجتثاث الفساد” و “اجتثاث المؤسسة ذاتها” بل و احتمال إيصالها إلى حدّ “الاختناق” تحت ذريعة تنقية البيئة من الهواء الملوث .. ينبغي معالجة الهواء وإيقاف التلوث، وليس حجب الأكسوجين عن “المؤسسة” ..

للقيام بعملية “تدقيق معمق” (audit profond) ذي معنى ومبنى، ويحقق أثرا إيجابيا مرجواً على مستوى المؤسسة الوطنية سوناطراك، سواء بإجتثاث جذور الفساد وتجفيف مستنقعاته الآسنة، أو بتجويد سلاسل العمل داخل هياكل هذه المؤسسة ومنظومتها، ينبغي توفر عشرة (10) عناصر أساسية، تعدّ ضرورية ولازمة، وإلا ستؤول أية معالجة غير منهجية، وغير مؤطرة بقواعد عمل مسؤولة، وغير منضبطة بـ “مرجعية من المعايير العالمية المهنية والتقنية” إلى الإضرار بهذه المؤسسة الحيوية، التي تعد القاطرة الوحيدة للإقتصاد الوطني في الوقت الحالي، بل والمغذيّة له ولكل روافده، هذه العناصر العشرة أساسية هي :

  1. تثمين “النظام الإحصائي” المتوفر حاليا لدى منظومة التشغيل لسوناطراك،
  1. الإرتقاء بالنظام الإحصائي القائم إلى مستوى “النظام المعلوماتي الإستراتيجي”، هذا النظام الذي يشمل كلّ مستويات المؤسسة الإدارية والوظيفية، والذي يحمل تغييرات ديناميكية جوهرية في الأهداف، والعمليات، والإنتاج، والخدمات، والعلاقات البيئية للمؤسسة، ويُمكّن من تحسين سلسلة القيمة لوظائف وأنشطة وعمليات المنظومة. كما أن هذا “النظام المعلوماتي الإستراتيجي” ينبغي أن يستوعب تسيير “المنظومة الطاقوية” ككل، ففي غياب هذا “الغمر المنظومي” فلا يمكن القيام بعملية “تدقيق معمق” فقط في “المنظومة الجزئية للمحروقات” لمعرفة مدى “أمثليتها” (optimisation)، بينما بقية المنظومة الطاقوية هي تتغذى من تدفقات منظومة المحروقات، بينما لا يشملها هذا “التدقيق المعمق”، لنأخذ على سبيل المثال “منظومة الكهرباء” التي تتغذى على الغاز الطبيعي الذي يتدفق إلى تربينات الغاز بثمن بخس لا يغطي حتى كلفة نقله عبر الأنابيب التي هي تحت مسؤولية “سوناطراك” .. !!!
  1. الوصول إلى تحقيق الكفاءة العالية في رقمنة منظومة الطاقة، بدءً بتحقيق “نهج الأمثلية الرقمية (Digital Optimization)” من خلال تحسين رقمنة “دورة الحياة” في صناعة النفط والغاز من المنبع إلى المصب. حقيقة قطاع الطاقة الجزائري، هو أكثر القطاعات الوطنية تقدما في مجال الرقمنة، لكنه لا يزال هناك الكثير مما يتعين القيام به لمواصلة أعمال التطوير في مجالات رقمنة المنظومة ككل ونمذجة عناصرها الأساسية، بما فيها “النموذج الطاقوي الوطني للإستهلاك”، فالرقمنة الديناميكية الشاملة لقطاع الطاقة، يتطلب الوصول إلى صياغة النموذج الطاقوي، الذي تكون فيه المسارات المعلوماتية تتدفق بسلاسة وبسلامة تامة، وتكون لها قيمة حقيقية في المنظومة الطاقوية وأثر واضح على النشاط الإقتصادي الوطني.

ينبغي الإشارة أن الخطوات الهامة التي قطعتها المؤسسة الوطنية سوناطراك، تشكل دعامة قوية وأساسية لمسارات النجاحات المستقبلية المرجوة، خاصة حين نستحضر عديد النجاحات التي حققتها، بكل تأكيد، سنجد على وجه الخصوص، المسح الزلزالي الثلاثي الأبعاد، واستقبال المعطيات المستخلصة ومعالجتها، والحفر الأفقي، ونمذجة المكامن والخزانات الأرضية، والتحكم في المنشآت. لكنه مع كلّ ذلك، لا يزال الكثير من عمليات التجويد الرقمية التي ينبغي القيام بها، خاصة فيما يتعلق بتحسين معدلات النجاح في نشاط الاستكشاف وتجويد التنقيب، عن طريق الأنظمة والمعدات المتطورة للتصوير تحت الأرضي والتحكم عن بعد في ذلك، والرفع من حجم التقديرات للاحتياطيات القابلة للاستغلال والإسترجاع، والرفع من كفاءة الصيانة الوقائية والتدخل عن بعد وتحسين العمليات الصناعية، خاصة تحسين الجودة التشغيلية لسلاسل الغاز والنفط وخفض التكاليف قدر الإمكان من المنبع إلى المصب، والمساهمة في الرفع من كفاءة العمليات الإدارية والبيئة.

  1. تجنيد مختلف القدرات البشرية التنظيمية والهيكلية والمنظوماتية التي تحوزها مؤسسة سوناطراك في سياقات “التدقيق الداخلي”، لجعلها أكثر جاهزية، ولتجنيدها لمرافقة أية عملية “تدقيق معمق” ولإسناد متطلبات نجاح مثل هذه العملية الهامة والمعقدة،
  1. توفر مكاتب دراسات وطنية مؤهلة وفقاً للمعايير الدولية، وذات خبرة مسلم بها لا تقبل الجدل، للقيام بمهمة تدقيق داخل منظومة معقدة لمؤسسة بمواصفات عالمية، كمثل سوناطراك. مكاتب دراسات تمتلك الإمكانات والمقدرة الكاملة لتغطية مختلف أنشطة هذه المؤسسة، التي تجري بداخلها عمليات معقدة متعددة ومختلفة ومتنوعة من المنبع إلى المصب وصولا إلى التموقع في الأسواق الخارجية،
  1. وجود خبراء على المستوى الوطني، يتمتعون بتأهيل دولي، بإمكانهم القيام بأعمال “تدقيق معمق”، ويمكننا الإعتماد على خبراتهم وكفاءاتهم الوطنية والإستناد عليها للحكم على “جودة” آداء سوناطراك من عدم ذلك، بعيدا على الأحكام الذاتية والإنطباعية وقراءة الخواطر في حقول مليئة بالمخاطر،
  1. حيازة منظومة مرجعية “referential” من المعايير العالمية للتشغيل والآداء والتقييم والتقويم، ينبغي أن يكون “المرجع” متوفرا وموجودا فعلا ومتاحا وموثوقا، هذا أولاً، وثانياً، ينبغي أن يكون “المرجع” معروفا لدى المؤسسة ولدى الخبراء كذلك، ومتفقا على مضامينه المرجعية ومعترف بها، لأن “التدقيق المعمق” لا يمكن إنجازه بناءً على انطباعات “عابر سبيل” أو بناؤه وفقاً لأحكام خبراتية تتسم بالشخصانية أو المنظور الذاتي غير الموضوعي. فالمنظومة المرجعية (كمراجع، ومعايير، ومقاييس) هي التي ستمكننا من القيام بعملية “تدقيق معمق” بصفة حيادية خادمة للمصالح الحيوية للمؤسسة المعنية، ولقطاع الطاقة الوطني، والمصالح العليا للبلد،
  1. حيازة مؤسسة سوناطراك على ”نموذج عصري للأعمال التجارية“، وهو النموذج الذي ينبغي أن يُعتمد كإطار شامل ومنظم ومؤطر لعملية “التدقيق المعمق”. إن تدقيق أعمال سوناطراك كمؤسسة ينبغي أن يكون ضمن سيرورة لأنشطتها، والتي يؤطرها نموذج الأعمال التجارية هذا، فالتدقيق ينبغي أن يكون داخل منظومة وفي إطار فلسفتها التجارية وأهدافها المسطرة مًسبقا. فلا يمكن قياس الجودة الشاملة لأية مؤسسة بناءً على استحضار عناصر لا تحوزها أصلا وغير متضمنة من ذي قبل في “نموذج أعمالها”، ولا يمكن محاسبة أحد على ما لم يُكلف به مسبقا، أو تخطئته على مبادرات قام بها في ظل غياب خارطة طريق، كان من المفترض أن توضع أمامه، لتحدد له معالم طريق الآداء، وتمنح له صلاحية القيام بذلك، فنحن هنا سنقع في خطيئة محاسبة المجتهد، وإثابة المتقاعس ..!!. من هنا تأتي أهمية “نموذج الأعمال التجارية” الذي تنبثق منه ورقة الطريق لآداء المؤسسة، بما تتضمنه من مخططات عمل و عمليات تطويرية، وأهداف إجرائية ومرحلية وشاملة ينبغي تحقيقها في آجال زمنية موقوفة مسبقاً، وهو ما يستدعي أنماطا محددة من الهيكلة ومناصب المسؤولية وتكاليف التشغيل، وأي تقيم لا يستحضر هذه العناصر سيكون تجنيًّا على الحقيقة.
  1. توفر موارد مالية كافية لدى المؤسسة تمكنها من تغطية تكاليف عملية “التدقيق المعمق والشامل”، والسؤال الأساسي الذي ينبغي طرحه هنا : هل تحوز سوناطراك في وضعها الحالي من الموارد المالية لتغطية مختلف مصاريف هذه العملية المعقدة ؟ وهل من الأولوية، في الوقت الحالي، وقف عمليات استثمارية هامة وأساسية ومحورية بحجة ترشيد النفقات وفي المقابل ينبغي حشد موارد مالية ليست بالبسيطة للتكفل بتكاليف عملية “التدقيق المعمق والشامل” ؟؟!!
  1. الإقرار بأن العملية برمتها تحتاج إلى مدة زمنية كافية تسمح بالقيام بعمل ذي بال وذي أثر ايجابي مرجو، وهذا يتطلب استغراق مدة زمنية ليست بالقصيرة.

وللحديث بقية عن عديد “النماذج” .. النموذج الطاقوي الوطني للإستهلاك، ونموذج الإنتقال الطاقوي، ونموذج الإستبدال، … ضمن ”النموذج العصري للأعمال التجارية“ لسوناطراك..

بقلم : د. مهماه بوزيان – باحث وخبير مستشار في الشؤون الطاقوية والاقتصادية

mah2bouziane@gmai.com

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق