page contents
أقلام الوطن

إدارةُ الأزماتِ في الجَزائر..

بين أسلوبِ تَجاهل الأزمةِ وواقعِ تَجاهلِ المعرفَة !

لطالَما كانتِ الأزماتُ هاجسًا مُقلقا للدّولِ، سواءٌ صُنّفَت أمنيّةً أو اقتصادِيّة أو صِحيّةً، ولذلكَ فإنّ المُجتمعات الحَديثةَ تسعى دائمًا إلى إيجادِ حُلولٍ لمختلفِ الأزمَات التي تقعُ فِيها، بالاعتِماد على المَعرفة والمَعلوماتِ والوَعيّ والقَرارِ السَّليم. وهُنا، يتحوّلُ التّنظيرُ الفِكريُ والبحوثُ الأكاديميّةُ إلى خزّانٍ لتلك المَعرفةِ وليسَ مجرّدَ ترفٍ فكريّ يشغلُ يومياتِ الجامعات أو مراكز البُحوث.

تعرّف الأزمات بكونها “اضطراب الأوضاع العادية، ممّا يستلزم التّغيير السريع لإعادة التوازن”، فالأزمات على اختلافها تُفقد الحياة نظامها وتوازنها، ولكن ذلك النّظام والتوازن يزداد خطورة إذا كان الأمر يتعلّق بالصحة العامة للناس في ربوع الدولة أو في مجتمع ما، فالأزمات الصحيّة تضعنا أمام لحظات حرجة وخطيرة يزداد فيها التّحدي والتفكير للخروج بأقل الخسائر والأضرار .

ولعلّ أزمة انتشار وباء فيروس كورونا عبر العالم المتفاقمة منذ مطلع العام 2020، قد وضعت جميع الدول وجها لوجه أمام مجموعة من التّحديات الكبيرة على رأسها مدى مقدرتها على إدارة الأزمة صحيا واتصاليا.

فالاتصال خلال الأزمة عموما، يؤدي إلى التّنسيق والحد من نطاقها ومدتها في الغالب، لأنّ التّصورات والمعلومات غير السليمة يمكن أن تطيل من عمر أي أزمة، كونها تفتح المجال أمام ظهور الشائعات ونشر الأخبار الكاذبة والخرافات.

فإدارة الأزمات تعني علميا ” كيفية التّغلب عليها بالأدوات العلميّة والإدارية المختلفة، مع تجنب سلبياتها، والاستفادة من إيجابياتها”، ولا يمكن إدارتها والتّحكم فيها، إذا أغفل جانب الإعلام والاتصال. فغياب الاتصال المؤسّساتي الفعّال من شأنه إتاحة المجال لنشر الشائعات وتوسيع الهوة بين الناس ومسؤوليهم، ممّا يخلق جوا من عدم الثقة ويرهن فاعلية أي إجراءات تتخذ لمواجهة الأزمة.

وقد تعوّدت الحكومات الجزائرية المتعاقبة على اختيار أسلوب اتصالي فاشل في إدارة الأزمات، أو تجاهل الأمر كليا، مثلما حدث مع أزمة ظهور وباء الكوليرا في بعض المدن بوسط البلاد صيف عام 2018، أين تُرك الباب مفتوحا لتداول الأخبار الكاذبة والشائعات، مما أنتج أيضا تغطيات إعلامية مضخّمة، هوّلت من انتشار المرض رغم أنّه كان في منطقة محدودة.

فقد دأبت الحكومات السابقة على استخدام أسلوب ” إنكار الأزمة” الذي يعني التعامل معها وكأنها غير موجودة من الأساس، وهو أسلوب يقوم على الادعاء بأنّ الأمور على أحسن ما يرام، وبأنّ من يقول العكس مخطئ، لكن استمرار الأزمة وعدم الوصول إلى نتائج، يكشف عن عدم سلامة هذا الأسلوب، بل إنّه يخلق التّضليل الإعلامي ويساهم في الإضرار بالمواطنين الذين يتلقّون في هذه الحالة المعلومات غير الأكيدة من جهات أخرى غير رسمية. كما تعمد العديد من مؤسّساتنا الرسمية، إلى انتهاج أسلوب “كبت الأزمة” الذي يعني تأجيل ظهورها والحديث عنها علنا في وسائل الإعلام، أو أسلوب” بخس الأزمة” بالتّقليل من شأنها أو الادعاء بأنّ الأمور تسير على أكمل وجه أو أنها ” تحت السيطرة كليا”.

وعادة ما تلجأ الحكومات إلى حل يتمثّل في تشكيل لجان أو خلايا لحل الأزمة، بغرض الحصول على المعلومات والبيانات التي تفتقر إليها في ذلك الظرف العصيب، أو تشخيصها ومعرفة أسبابها وحدود انتشارها وإمكانات مواجهتها، لكن التجارب تكشف أنّ هذا الأسلوب أيضا يؤدي إلى ضياع الوقت ومروره دون التوصل إلى حلول حقيقية للأزمات التي لا تنتظر، بالنظر إلى الطبيعة البيروقراطية للمصالح والهيئات المعنية بالتنسيق، أو لنقص الكفاءة والدافعية والإبداع في العمل لدى الأفراد.

ولذلك فإنّ نجاح خلايا الأزمة، يستدعي أن تخضع لشروط علميّة وعدد أفراد محكم (15 فرد)، ينبغي عليهم ضبط مخطط العمل، أو مخطط اتصال الأزمة. وفي حالة أزمات ترتبط مباشرة بالصحة العامة للناس، فإنّ المعالجة الإعلامية للمعلومة ضرورة ملحة وعمل استراتيجي، في ظل سرعة انتشار الأخبار والمعلومات في عالم اليوم وشغف وسائل الإعلام بها على مدار الساعة.

وعدم إدارة المعلومات يؤدي إلى التّضخيم في الخسائر أو الآثار المحتملة وإلحاق الضّرر بالمجتمع، بدل البحث عن الحلول الواقعية وبث الطمأنينة والتهدئة. خاصة وأنّ من أهم الحلول في مجال الكوارث الصحية والأوبئة الشاملة، هو الوقاية والتّحضير المسبق للأزمة وكيفية التعامل معها لتقليل الأضرار المحتملة، لاسيّما إن كانت صعبة وتعطي مؤشرات بطول أمدها أو عدم معرفة حدود انتهائها، مثلما هو الأمر مع الأوبئة الصحية الناجمة عن أمراض أو فيروسات مجهولة يحتاج العلم زمنا طويلا لمواجهتها والتصدي لها نهائيا بإنتاج لقاح مضاد، مثل وضعية العالم اليوم أمام فيروس كورونا المستجد أو كوفيد 19.

وعليه فإنّ الاتصال الفعّال لمواجهة الأزمة، يبقى ذلك الاتصال المفتوح الذي تتضافر فيه كل الجهود لكسر الهوة بين مختلف المصالح المعنية، ممّا يسمح بتنسيق الموارد والعتاد والإجراءات التّنظيمية. لأّن التجارب الإنسانية تثبت أنّ نقص التفاعلات والاتصالات يؤدي إلى توسع الكوارث وزيادة مشاعر الخوف والذعر لدى الأفراد الذين يتأثّرون بالإشاعات أو الأخبار الكاذبة، لاسيما في عصر مواقع التواصل الاجتماعي والانفجار المعلوماتي عبر مواقع شبكة الإنترنيت.

فالاتصال التفاعلي المفتوح يؤدي في النهاية إلى نشر التّعاون المنشود لإدارة الأزمات والحفاظ على الرباط الاجتماعي لتجنب الآثار السلبية لمشاعر الذعر والخوف الغريزي الذي يسيطر على الناس خلال الكوارث الصحية، ولعلّ حالة القلق والاضطراب ترجمها الناس في غزو المحال والمساحات التجارية لاقتناء المواد الغذائية بغية تخزينها، خوفا من شحّ الموارد ونقص التمويل مستقبلا، مما ينجم عنه الندرة وعدم التّوازن في توافر السلع بالعديد من المناطق واقتناء الناس أكثر من حاجاتهم.

فأي خطاب اتصالي غير مدروس من شأنه إثارة الذعر والخوف الغريزي من المجهول، فقد غزا الأمريكيون بدورهم محال بيع السلاح بعد المساحات التجارية، إثر خطاب للرئيس دونالد ترامب تحدّث فيه عن ما ينتظر القطاع الصحي والاقتصادي في الولايات المتحدة من صعوبات جرّاء الانتشار الكبير المرتقب للوباء.

بقلم : د. حسينة بوشيخ

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق