page contents
الثقافةملفات

إدَارةٌ تكبحُ الإبداعَ..!

تسيير المؤسسات الثقافية في الجزائر

كثيرا ما أثار موضوع تسيير المؤسسات الثقافية الكثير من الحبر، واللغط في الجزائر، ورغم أن التجارب متعددة والنتائج تبقى مختلفة من شخص إلى آخر، ومرتبطة أصلا بشخصية المسير وكفاءته وحنكته في العمل أو المسؤولية الموكلة إليه، بل وحتى حبه للمهنة التي يشتغل فيها، إلا أن التجارب وآراء الفاعلين تثبت مرة أخرى بأن الإدارة كثيرا ما كانت معرقلا للعملية الإبداعية في الكثير من المجالات، أو إنها ليست كافية لتحقيق النتائج المرجوة في تسيير الشأن الثقافي، رغم ما يكتسيه الجانب الإداري في التسيير، وبالرغم من أن بعض التجارب التي يمتلك فيها الفنان قبعتين إدارية وإبداعية قد تكون أكثر نجاعة.

صارة بوعياد

فتحت “أخبار الوطن” ملفا خاصا حول المؤسسة الثقافية ولمن تعود أحقيتها في التسيير، فتعددت الآراء واختلفت حول أهمية التجربة الإدارية أمام التجربة الفنية، وحول الأطر التي تستلزم تفعيلها من جديد وإبرازها أكثر في المشهد الثقافي الجزائري.

إن الملاحظ والمتتبع للقطاع الثقافي في الجزائر يجد الأقلية فقط التي تفهم في الثقافة وتقدر الفنان وتقر بالإبداع، وهي تلك الإطارات البعيدة عن سبل الثقافة في الجزائر وإتباع سياسة وضع الشخص الغير المناسب في المؤسسات الثقافية، التي ينبغي أن يكون على رأسها مثقفا أو فنانا يفهم في الميدان الثقافي ويقدر عمل المبدعين، لكن هل يكفي الفنان أو الكاتب أو المثقف بصفة عامة أن يؤطر مؤسسة ثقافية دون خلفية إدارية ووعي بالأمور القانونية وغيرها، وهل يكفي أيضا أن يكون الإداري بدون خلفية ثقافية وفنية لتسير مؤسسة فنية.

 ومن عمق الأسئلة المطروحة نقدم مثال بسيط عن تسير مؤسسة الوطنية للفنون المطبعية الفنون “ليناغ” التي ترأسها منذ أيام قليلة الكاتب الجزائري سمير قسيمي وهو خريج قانون، الملم بالكتاب وبالكتب، وبالقانون الإداري، وهو الحامل لقبعتين قبعة للتسيير وقبعة الكاتب، الذي يشتغل على الكتاب ويبدع في السرد، وقد ظهر فعليا وواقعيا التغيير والتجديد في المؤسسة بمجرد اعتلاءها قسيمي مديرا، حيث أطلق صحيفة يومية خاصة تعنى بـ “أخبار الكتاب”، وأقدم على اتفاقية في صالح المؤسسة والجزائر عموما، وغيرها من الأسس والمبادئ الجديدة التي ستعمل على تغير وجه المؤسسة وترفعها في مستوى تطلعات الكاتب والناشر الجزائري وهو الذي يرسم خطته في إطار تجاري واقتصادي ناجح.

الخلاصة أن الوقت يتغير والأمور الكثيرة تتجدد فمتى تتميز المؤسسات الثقافية وطنيا وعربيا وحتى دوليا وهو الأمر الذي يستدعيه جل المؤسسات الثقافية التي لابد أن تسير بخطى العصرنة الذي يفرضه الواقع، ومتى تخرج المؤسسات الثقافية من غطاء المناسباتية وتبتعد عن التنشيط الثقافي لتتجه بسياسة جديدة نحو تفعيل الحركة الثقافية بإثراء المشهد الثقافي في الجزائر؟؟.

الكاتب والإعلامي محمد زتيلي:

إنقاذ المؤسسات الثقافية يستلزم أطرا جديدة” 

قال الكاتب والإعلامي محمد زتيلي في تصريح لـ “أخبار الوطن”: “أعتبر أن وجود المثقف الفنان الكاتب على رأس مؤسسة ثقافية أمر ممكن بشرط توفر التجربة الإدارية كمسير فالمؤسسة أولا وقبل كل شيء مرفق عمومي إداري أو تجاري صناعي ثم ثقافي فني، ولقد مرت الجزائر بتجربة في تسيير المؤسسات الثقافية منذ الاستقلال وعرفت خلال كل ما مضي السلبيات والإيجابيات كما تكونت لديها نخبة وخبرة ومن الضروري اليوم أن تقوم الوزارة المعنية بالدراسة والتحليل واستخلاص النتائج وعقد المقارنات فمن غير المقبول ترك الأمور تسير كما هي بتلقائية روتينية مع الاتكاء السريع والمستعجل وغير المتعب للتأمل علي ما درجت عليه الأمور”.

وأضاف زتيلي: “وجود تجارب داخل المؤسسات الثقافية أعطاها ثراء في التجارب وشكل لديها طواقم بشرية مدربة ومكونة سواء الإطار المتوسط أو الإطار المسئول المسير ومن غير اللازم دائما اللجوء إلى البحث عن إطارات ومسيرين خارج السلك الواجب منحه فرصة تثمين تجربته وجهوده ليتحمل حقه في تولي منصب المسؤولية. وإن العلاقة بين الكتاب والمثقفين وبين الإدارة الثقافية هي علاقة الضرورة والجدوى والحتمية لهذا كانت هناك أطر للعمل والتعاون غير أنه من اللازم اليوم إعادة تجديد أو تفعيل أو إلغاء حسب التقييم المعمول”.

وأكد زتيلي في حديثه لـ “أخبار الوطن”: “من غير المقبول استمرار تسلط وهيمنة مديرين للثقافة علي إدارة الشأن الثقافي في وقت يعيش حياته في السابق والحاضر بعيدا عما يجري في الساعة من فعل وتفاعل ثقافي وهو بهذا السلوك يعرقل ويقتل كل مبادرات المحيط الثقافي، كما أن بعض المديرين وقعوا تحت هيمنة أشباه كتاب ومثقفين سلبيين معقدين فتركوا لهم ممارسة النشاط بعقلية جهوية وعدائية للمبدعين الكبار وهؤلاء الإداريين أو الكتاب البسطاء السلبيون، ويكفي العودة إلى مهرجانات عديدة لكي نجد أن المدعوات والمدعوين ينشرون الصور بتعليقات إشهارية لذاتهم ولكن لم نجد شاعرة أو كاتبا حدثنا عن المهرجان وما قدم فيه وعليه ضرورة فتح تحقيق في ذلك، وبهذه الطريقة ننقذ العمل الثقافي من الارتجال والشكلية والجري خلف بعض الإعلام المأجور الذي يزين الانهيارات”.

مدير المكتبة الوطنية البروفسور منير بهادي:

“لكل مؤسسة ثقافية خصوصياتها في التسيير”

قال مدير المكتبة الوطنية البروفسور منير بهادي لـ “أخبار الوطن”: “لكل مؤسسة ثقافية خصوصياتها في التسيير، وهو ما يفترض أن يرتكز عليه المسير في تدبير المؤسسة الثقافية وفق الصلاحية التي يحددها القانون. لقد حددت مهام المكتبة الوطنية وفق القانون في المحافظة على ذاكرة الوطن والمرجع الرئيسي للإنتاج الفكري الوطني المطبوع وحفظ ووقاية التراث الفكري الصادر في الجزائر كما أن من مهامها توزيع وتسيير الترقيم الدولي الموحد”.

وقد برمجت المكتبة الوطنية خلال الأيام المقبلة القادمة أضاف البروفسور بهادي: “ملتقى في شهر مارس حول “الكتابة في وسط الحضاري” من تنظيم المكتبة الوطنية وبيت الشعر الجزائري، وملتقى رمضان حول “مسارات التصوف وتجليات الروحية” الذي حددت محاوره حول التجليات الثقافية والتجليات الفنية والتجليات الاجتماعية والتجليات السياسية بحيث سيكون كل محور موضع ندوة أسبوعية يشارك فيها مجموعة من الأساتذة والباحثين المختصين في الموضوع”.

مدير الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي عبد القادر بن دعماش:

“في التسيير أجمع ما بين قبعة الفنان وقبعة الإداري”

قال مدير الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي عبد القادر بن دعماش لـ “أخبار الوطن”: “من المفروض كل مؤسسة لها أسسها هياكلها وكفاءتها، وفي الميدان الثقافي لابد أن يكون المسير ملم بالمجال الثقافي، وشخصيا منذ أن كنت شابا درست لأصبح إطار إداري في المدرسة العليا للإدارة الأعمال، وكفنان ومثقف وللأسف لا يوجد الكثير ممن يحمل القبعتين معا في الجزائر وشخصيا أجمع ما بين الفن والثقافة والإدارة، فاحمل قبعتين في الميدان الثقافي”.

وأبرز بن دعماش ضرورة التكوين بقوله: “لابد من وجود وعي بالأمور الإدارية ولكل من لا يملك ذلك اقترح التكوين في برنامج خاص بالأمور الإدارية، وان كان الإداري فقط على رأس المؤسسة الثقافية على الأقل يكون يعرف ويفرق بين الفنون التشكيلية والموسيقية مثلا، يعني يكون ملما بالمجال الثقافي، ومتذوق للفن وعارف للميدان الثقافي”.

مدير المسرح الوطني الجزائري محمد يحياوي:

تسيير مؤسسة ثقافية موهبة وتجربة”

قال مدير المسرح الوطني محمد يحياوي لـ “أخبار الوطن”: “بصفتي مسير أقول المدير في القطاع الثقافي لابد أن يحمل ميكانيزمات خاصة، لكن الجميل أن يجمع الشخص ما بين الاثنين بشرط أن لا يكون الفنان ملم بلون فني واحد كالمسرح فقط إذ لا يجب أن يطغى لون فني على الأخر وإنما من المستحسن أن يكون ملما بالثقافة أي بكل الفنون، وأن يكون علاقات مع المحيط ومع الإدارات الأخرى”.

وأضاف يحياوي في سياق الحديث: “كفنان أو كإداري التسيير أهم شيء معاملة العمال بطريقة ذكية، والفنان لابد أن لا يحرم من التسيير وعلى المسير أن يخلق أجواء متوازنة لتسير مؤسسات ثقافية، وفي اعتقادي التسيير في المسرح مسؤولية كبيرة وعليه الاعتماد على مدير فني في المسرح الأكثر حرفة ومهنية طبقا للتخصص، والمسير لابد أن يكون علاقة مع الفرق المسرحية، مع الأسرة الإعلامية، ويعرف كيف يتكيف مع الجمهور، وفي الأخير خلاصة القول التسيير موهبة وتجربة”.

مدير الديوان الوطني للثقافة والإعلام عبد الله بوقندورة:

“أشتغل مسيرا انطلاقا من كوني خريج الثقافة”

قال مدير الديوان الوطني للثقافة والإعلام عبد الله بوقندورة لـ “أخبار الوطن”: “كمسير ومدير عام، أغلب الإطارات هم من الشباب ونسعى أن نستفيد من قدراتهم ورغم الجائحة التي أوقفتنا في الكثير من الأوقات إلا أن هذا لا يمنعنا من العمل وفي الذكرى الثانية للحراك الشعبي المبارك سيقدم بالي الديوان الوطني للثقافة والإعلام بالتعاون مع التلفزيون الجزائري عرض “جزائري” نقدم من خلال التعبير الجسماني الجانب الايجابي للحراك”.

وأضاف بوقندورة: “كمسير للمؤسسة مع الإطارات ومديرية التسويق والاتصال والإعلام أصدرنا مجلة “فنون” التي جاءت كإضافة نوعية إلى الساحة الفنية وهو مولود جديد يبرز جهود المؤسسة وهي المجلة التي تعنى بالشباب المبدع في مناطق الظل وتهتم بكل الفنون، وكمشرف عام على المجلة شددت التركيز على النوعية والتجديد والتميز في كل عدد من أعداد المجلة، والأهم من ذلك أن يكون كل عدد حامل للاجيابة وكل ما هو جديد في طليعة والتحقق من المعلومة”.

وأشار مدير الديوان إلى مساره قائلا: “تكويني كان في المجال الثقافة بصفتي خريج معهد فنون العرض والسمعي البصري عام 1982، ولسنوات كنت مدير دار الثقافة بسطيف مسقط راسي، بعدها مدير دار الثقافة لأم البواقي، تلتها باتنة وقسنطينة، ومن مدير المركزي للإنتاج الثقافي إلى مدير الديوان الوطني للثقافة والإعلام، فقد كانت بداياتي كخريج الثقافة واشتغلت في القطاع الثقافي لأزيد من 30 سنة، وأملي أن يكون التقاعد في المجال الثقافي دائما، لكن لابد أن نعي جيدا إن كان تقاعد الإداري في سن معين، فالفن والفنان لا حدود لعطائه وإبداعه”.

اظهر المزيد

صارة بوعياد

صحفية جزائرية، متحصلة على شهادة الماستر تخصص علم الإجتماع، مهتمة بمتابعة الشأن الثقافي الجزائري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى