page contents
أقلام الوطن

“إذا اختار منجلي الجنة سأختار النار”.. بومدين للطاهر الزبيري

في خريف 1967، كانت العاصمة الجزائرية تعيش مدّا وجزرا خطيرين بعدما انقسم أعضاء مجلس الثورة على أنفسهم، رأى البعض منهم أن الكتاب الأبيض عن أحمد بن بلّة الذي وُعد الشعب به لم يرَ النور وأن الحكم الفردي قد عاد إلى الواجهة بقوة، بينما رأى آخرون أنّ الضباط الفارّين من الجيش الفرنسي أصبحوا يشكلون مراكز قوى باتت ذات ثقل واضح داخل الجيش الوطني الشعبي، فهم يأتمرون بتعليمات زميلهم الرائد عبد القادر شابو الأمين العام لوزارة الدفاع دون الرجوع للمجاهدين قادة النواحي العسكرية، وهو الأمر الذي جعل بعض أعضاء مجلس الثورة يتوجسون خيفة من المستقبل، تذكّروا حينها الملاسنة التي جرت بين العقيد محمد شعباني قائد الولاية السّادسة وهواري بومدين وزير الدفاع ونائب بن بلّة حول هذه النقطة الحساسة في مؤتمر الحزب الذي جرت أشغاله في أفريل 64، رأى هؤلاء أنّ بومدين، بهذه الإستراتيجية، يريد أن ‫يسلّط أبناء الحركى والڤياد على رقاب المجاهدين والشعب بعد أن تخلص  من طغيان آبائهم العملاء، وبعد أن قدّم الشهداء أنهاراً وشلالات من الدّماء.

كان رأي وزير الدّفاع أنّه إذا خُيّر بين العنصر الوطني والأجنبي سيختار الأول بغضّ النّظر عن نقائصه، وأنّه وجد هؤلاء الضباط في المسؤولية الميدانية داخل الثورة قبل توليه قيادة الأركان، كان كريم بلقاسم أول من بادر بالاستعانة بهم لِما يتمتعون به من مهارات تقنية، ثمّ راح يتساءل ببلاغته التي تعلم محسناتها البديعية في مدرسة الكتانية وجامعة الأزهر، شكون الطّاهر بن الطّاهر اللي جاء يريد تطهير الجيش، سكتَ خصوم بومدين لبعض الوقت، قدّروا خصوصية المرحلة التي تتطلب وحدة الصّف، وضرورة انصهار الجميع في بوثقة واحدة لبناء البلد وسط تحديات داخلية وخارجية خطيرة بعد أن خرج للتو من استعمار استيطاني بغيض وخطير، لكن هذا السكوت لم يطل كثيرا.

 14ديسمبر، حمل ذلك اليوم الشتوي أخبارا غير سارة لنظام بومدين بعد أن تحرك قائد أركان الجيش ضدّه، هبط المساء على البلاد بريح عاتية وأمطار قوية أعاقتْ القواتِ المعاديةَ للرئيس بومدين من التّقدم إلى الجزائر، كانت مدينة العفرون آخر محطة من محطات تلك المغامرة العسكرية التي تركت آثاراً رهيبة بين الرّفاق وأثارت استفهامات وقلقاً في وسط الشعب الذي راح يتساءل عما يجري في هرم السّلطة، اختفى العقيد الزبيري فجأة عن الأنظار، عاش شهوراً في أحضان الولاية الرابعة التاريخية، جاءته النصيحة بالانتقال إلى الأوراس، ركبَ شاحنة مملوءة بأكياس القمح، يقودها أوراسي شهم، اتجه به شرقاً لا يلوي على شيء، في رحلته من العاصمة إلى أعماق الأوراس نام رئيس الأركان ملء جفنيه مطْمَئناً في أحضان القمح بعد أيام قضاها في إدارة معركة غير متكافئة، فانقلابه لم يكن نزهة شتوية، شمّ خلال رحلته رائحة القمح والشعير والدقيق، كما شمّ رائحة البقر والنّعاج، شمّ رائحة زهر الصيف وزهر الخريف، شمّ رائحة البارود ورائحة البؤس، كما اقتسم خبز الضعفاء ومحنة الفقراء، شعر بالذكريات تعود إليه والبراعم تتفتّح خضراء في جسمه، هدأت أعصابه ونسي الأرق الذي صاحبه أياماً وشهوراً وهو يخطط لإسقاط بومدين أو على الأقل ردعه بعدما دخل هذا الأخير في صراع مع رفاقه، تقلص عدد أعضاء مجلس الثورة من ستّ وعشرين إلى عشرة أعضاء ثم إلى أقلّ، نسي سي الطاهر التوتر والخوف وهو في الأوراس، ثمّ رأى نفسه في الحلم غداة التوقيع على اتفاق إيفيان يستقبل بومدين في مقر قيادة الولاية الأولى بغابة الأبراجة، قرر هذا الأخير حينها الدخول إلى الجزائر قادماً من تونس، كان ذلك اليوم من أسعد أيام قائد ولاية الأوراس، لا يضاهيه يوم آخر إلا يوم خروجه من سجن الكدية بقسنطينة بعد أن تمكّن من الهرب رفقة مصطفى بن بولعيد في مشهد نادر سيظل جيل الأمس واليوم يتذكّر إحداثياته وتفاصيله بشيء من الرهبة والإعجاب، كما كان ذلك اليوم أيضا من أجمل أيام بومدين.

بعدما عاش كابوس الإقالة التي طالته ولاحقته، تحدّى قرار الحكومة المؤقتة بعد أن أيقن أنّ بن خدّة تعوزه الإمكانات والوسائل لتنفيذه، لقد كسب قائد الأركان ثقة الضباط والجنود، رحّبت الولاية الأولى ببومدين بعد أن خذلته ولايات أخرى! في تلك الأيام الباردة من ديسمبر، جلس كل قائد ناحية في مركزه القيادي، الشاذلي بوهران، يحياوي ببشار، بلهوشات بقسنطينة، السعيد عبيد بالبليدة، كان هذا الأخير أقرب ما يكون إلى مركز القرار، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من القصر الرئاسي، اتّصل به الرئيس ليحرّك قواته لصدّ هجوم الانقلابيين القادمين من الشلف والمدية وعين الدفلى، أجاب السعيد عبيد بأنه أصدر تعليمة ببقاء كلّ الوحدات في أماكنها إلا أنّ تعليمته لا تُطبّق من طرف البعض، ثم أضاف أنّه يفضّل الحوار بدل أن يدخل الجيش في تقاتل وانقسامات.

جنّ جنون الرئيس وكاد يفقد عقله وهو يرى سلطته وهيبته على المحك، ردّ بحدة: أنت مسؤول ناحية “ولَّ ز.م.ر” ثم أغلق الهاتف في وجه محدّثه! اتّصل العقيد السعيد عبيد بزوجته مودّعاً، إنني سأسافر بعيداً ولن يكون بإمكاني الاتصال بك بعد الآن، ثمّ أردف قائلا بوسي لي الأولاد واتهلاي فيهم، أجابت قائلة ستجد الوقت كعادتك للاتصال بنا، كانت تعتقد أنه مسافر إلى الاتحاد السوفييتي أو الصين أو كوبا عند صديقه تشي غيفارا الذي ارتبطت زيارته للأوراس بالمجاهد السعيد عبيد، في ذلك اليوم، صعد الرائدان زرقيني وهوفمان إلى مقرّ القيادة العسكرية الأولى، وُجد السعيد عبيد ميتاً في مكتبه، قيل أنه انتحر!

أثناء اجتماع مجلس الثورة لمناقشة ميزانية 67، تخاصم علي منجلي مع ڤايد أحمد أحد العناصر المؤثّرة في مجموعة وجدة، تحوّل النقاش إلى جدال، والجدال إلى عراك. تدخل بومدين مخاطباً منجلي: أنت دوماً متهور وتخلق لنا فوضى في الاجتماعات، لكن الرائد منجلي المعروف بصرامته وشدّته لم يسكت، ردّ بنرفزة: مهمتك ترؤس الاجتماع وتسييره فقط فلا تنحاز لأحد، انزعج بومدين لهذا الرّد واعتبره إهانة لشخصه ولمنصبه كرئيس لمجلس الثورة، فرفع الجلسة فوراً!

في المكتب الرئاسي في القصر الجمهوري، أحسّ السيد الرئيس أن الأرض تتحرك تحت قدميه، علي منجلي يجرؤ على كل هذا ؟ الرئيس بومدين ثبّتَ قبضته على المكتب وانحنى بجسم مشدود ورأس ممدود إلى الأمام، قال بصوت صلب: منجلي يريدني أن أكون بواباً، أفتحُ باب قاعة المجلس وأغلقه وربما أكنس أرضيته وأنظّف أيضاً الكرسي الذي يجلس عليه دون أن أتفوّه بكلمة، صباح الغد، زار رفيقَه قائدَ أركان الجيش في مكتبه بوزارة الدّفاع، خاطبه قائلا: فرضتَ عليّ منجلي وها هو فَعل ما فعل، ماذا تبقّى من هيبة السلطة؟ أضاف وهو في قمة غضبه: قلت لكم علي منجلي لن أعمل معه، أعرفه عنيفاً، إذا اختار الجنّة أنا أختار النار، أجابه العقيد الزبيري بهدوء: هذا كان زميلاً لك في هيئة الأركان، وقد أراد طرح أسئلة على الخبراء فلماذا أراد ڤايد أحمد أن يجيبه مكانهم، مضيفاً ما دامت الشرعية لم تعد إلى الشعب عبر انتخابات نزيهة، فإن المشاكل ستستمر، فلنضع قانونا داخلياً لمجلس الثورة حتى تكون اجتماعاته دورية ونشكل لجنة انضباط داخل مجلس الثورة لفرض الطاعة لمن لا يحترم النظام.

غادر بومدين مكتب قائد الأركان بعد أن وجّه له دعوة لحضور اجتماع مجلس الثورة الذي،  تقرر أن يُعقد مساء ذاك اليوم الاجتماع الذي شهد غياب أعضاء بارزين لأول مرّة، لم تُوجّه لهم الدعوة، كان بومدين يبحث عن الهدوء.! خلال هذا الاجتماع، تحدث أحمد مدغري وزير الداخلية بلغة متشددة لا تقبل الحلول الوسطى: إذا وضع علي منجلي قدمه في المجلس مستقبلاً فاعتبروني خارجاً منه، قام العقيد الزبيري مخاطباً بومدين بشكل صارم: سي بومدين، إذا كان كلام سي حسين (مدغري) هو الفصل فاعتبروني أنا الآخر خارج المجلس، ثمّ غادر غاضباً، كان اللقاء عاصفاً ينبئ بقدوم زلزال كبير ! يوم اختفاء العقيد الزبيري ثمّ هروبه عبر الحدود إلى تونس رغم متابعات الأمن العسكري التابع لقاصدي مرباح، لم تطلق رصاصة واحدة في الجزائر، في ذلك اليوم بنهاره وليله، كان هاتف القصر الرئاسي لا يتوقف عن الرّنين، حين رنّ آخر مرّة، تناول الرئيس السّماعة وألقى سلسلة أوامر، الجيش والمروحيات وحرس الحدود وكلّ قوى الأمن تطارد قائد الأركان في أعماق الأوراس، المهم ألا يقطع الحدود، لا مفاوضة، اجلبوه حيّا إلى العاصمة.

بعد أربعة أشهر من محاولة الانقلاب، تعرّض بومدين لمحاولة اغتيال خطط لها أحد رفاق الزبيري، إنه الرائد عمار ملاح قائد الناحية العسكرية الخامسة سابقا ثم نائب الزبيري في قيادة الأركان، بعد يوم واحدٍ من المحاولة، ظهر الرئيس في مدينة تبسة يخطب وشاربه العلوي مضمّداً، أخطأتْ رصاصة محمد الطاهر بورزان رأس الرئيس بعدة مليمترات، كم هو محظوظ بومدين، بعد عامٍ من هذه الحادثة، حوكم المنّفّذون، قضت المحكمة بالإعدام، كما حُكم بالإعدام غيابياً على قائد الأركان الذي أذاع بياناً من النّمسا أعلن فيه أنّه يتحمّل وحده ما حدث، انتظرت المحكمة مصادقة الرئيس على الحكم، بعد انتظار وإلحاح طويل من طرف البعض الذين أرادوا تنفيذ الحكم في أسرع وقت ليكون مثالاً رهيباً لمن تسوّل له نفسه المساس برمز الدولة، أجاب بومدين ما دام الأمر يخصّني فلا يحقّ لأحد أن يتدخّل في الأمر، لم يصدّق على الحكم وهذه تُحسَب لبومدين، نجا الرائد عمار ملاح وأصحابه من حبل المشنقة !

بعد محاولة الاغتيال بشهرين وصل سي الطاهر ضواحي مدينة الكاف لابساً قشابية، تخلّص منها بعد ذلك عند حلاقٍ بعد أن وعده بالعودة، لكنّ سي الطاهر لم يعد أبداً لاسترداد قشابيته الشهيرة، صارت القشابية موضةً عند المهيكلين الجدد الذين ارتقوا في سلّم المسؤوليات، قرّروا الاقتداء بالزعيم سيئ الذكر الذي جيء به إلى الحكم بعد عشرية حمراء ذاقت فيها البلاد الويلات، اغتنى في عهده المصفّقون والمهرّجون وأصبحوا بورجوازيين جشعين، بدلاتُهم تتغيّر حسب رغبة الزعيم الموسمية، “الكوستيم” في الصّيف بلا أكمام، والقشابية في الشتاء، قبل هذا الزمن الرديء، كان البالطو له نكهته الخاصة، لكن المهيكَلين الجدد قضوا على كلّ جميل، فقد تحوّل البالطو أيضاً إلى رمزٍ للجهل والأمية السياسية والاكتئاب اليومي أمام الإدارات والبلديات والوزارات، راحت نعمة النّفط التي جادت بها السّماء والمقدرة بـ 1200 مليار دولار في “اطوالات” أكرمكم الله، دون أن تستفيد البنية التحتية بأي إنجاز حقيقي يضمن للاقتصاد الجزائري الوقوف على قاعدة صلبة!

أذاعت الإذاعة التونسية بأن سي الطاهر الزبيري موجود على أراضيها كلاجئ سياسي، ثمّ أضافت ولا يحق له التّحرك، كانت الجملة الأخيرة من الخبر المذاع رسالة طمأنينة أرادها الحبيب بورقيبة شخصياً لجيرانه الجزائريين، احتج بومدين عبر السفير الجزائري عبد الملك بن حبيلس الذي قابل الحبيب بورقيبة، ردّ الرئيس التونسي على الاحتجاج بالتذكير بأن كلّ مسؤولي الثورة الجزائرية قد مروا من تونس، ولو لم يأتِ الطاهر الزبيري لجاء بومدين، لم يطل الجليد، فقد عاد الدفء إلى البيت الجزائري التونسي المشترك بمجرد مغادرة الزبيري تونس إلى أوروبا، لقد تعوّد بومدين على رؤية هروب معارضيه خارج الوطن، لكنّه لم يتأخر في رد الصّاع، فذات يوم من عام 72 قرّرت الجزائر استقبال الوزير أحمد بن صالح الموجود في سجون بورقيبة، عملية شارك الأمن الجزائري في التخطيط لها وفي أعلى مستوى، اِلتقى الدكتور أحمد طالب بأخِ السّجين في بيته في تونس العاصمة، كان لقاء طبيب بطبيب، كانت المسألة معقدة وتحتاج لتشريح “طبي” كبير، وُضع شقيقه أمام الخطّة مع آخر الترتيبات، اكتملت الخطّة ونجحت، قطع بن صالح الحدود حيث اُستقبل من طرف الأمن ثمّ أُخذ مباشرة إلى الجزائر العاصمة، لم يتأخر بورقيبة في إرسال وزير خارجيته محمد المصمودي إلى الجزائر، استقبله بومدين، راح المبعوث التونسي يشتكي من تصرفات الدكتور طالب، لكنّ بومدين أكّد للضيف أنّ الشكوى مجافية للحقيقة ولا دور للجزائر ولا للدكتور طالب في هروب ابن صالح، تظاهر الضّيف بالاقتناع أمام بومدين، لكن حسّ المصمودي المرهف كان يقول العكس !

 د. عمـر صافي/ فرنسا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى