page contents
أقلام الوطن

إهمال جباية رسوم مستحقة لخزينة البلديات.. اختلاساتٌ أم سوء تسيير!

بقلم: د. حسينة بوشيخ

يتساءل المواطن العادي: “أين تذهب كل تلك الأموال التي يُفترض أنّ البلديات تحصلُ عليها من الجباية المحليّة، ولما لا تُرمّم الطرقات عندنا وتُصان باستمرار مثلما يحدث في بلدان العالم المتقدم التي نتشبّه بها نظريا في سَنِّ القوانين؟ ولما لا تنتشرُ الحدائق الغنّاء المرويّة وتختفي مناظر الأوساخ والقمامة المنزلية التي يتأخّر رفعها حتى في الأحياء القريبة من عواصم الولايات؟ أسئلة كثيرة يطرحها المواطن البسيط ولا يجد لها إجابات شافية منذ عقود، لكن التّمعن في تقرير المجلس الوطني للمحاسبة يمكن أن يعطينا بعض الإجابات!

قصورٌ في الجباية والتّسيير

يقدّم تقرير المجلس الوطني للمحاسبة الذي يتناول الفترة ما بين 2016 و 2018 إجابات بعضها صادم وبعضها مثير للحيرة والحنق، فالعديد من البلديات لا تحصِّل أصلا تلك الجبايات ولا يأبه مسيّروها بالحصول عليها. لكنّهم في المقابل يطلبون ميزانيّات تسيير ضخمة سنويا، وهم يسيّرون بلديات ذات كثافة سكانية كبيرة وحركة تجارية وصناعية نشطة، فهل يعقل أنّ بلديات في ولاية مثل عنابة التي خصّها التقرير بحيّز مهم من تفتيش الجماعات الإقليمية، لا تحصّل الإيرادات الجبائية المحلية التي يُفترض أنّها تغذي ميزانيّتها السنوية بنسب كبيرة أو تصل حتى 100% في بعض الرسوم كتلك الخاصة بالإعلانات والصفائح المهنيّة والأعياد والأفراح الخاصة، والإقامة و الرّسم الصحي على اللحوم، ويتعلّق الأمر ببلديات: البوني، عنابة، برحال، سيدي عمار، فتجد بلدية مثل “البوني” التي تعج بالمؤسّسات الاقتصادية المتنوعة بين الصناعيّة والخدميّة تحصّل “صفر” إيرادات على الإعلانات التجارية خلال عامي 2016 و2017 و0.33 مليون دينار عام 2018، مع أنّ كل تراب البلدية ومبانيها يمتلئ باللافتات الإعلانية لأكبر المؤسّسات الاقتصادية و متعاملي السيارات وغيرها، والحال نفسها في بلدية “سيدي عمار” التي تعج بالمؤسّسات الصناعية و “برحّال” التي بها منطقة صناعية. وهل يُعقل أنّ بلدية مثل عنابة عاصمة الولاية رسوم الأفراح بها لا تتعدى 0.08 مليون دج كأعلى إيراد، بينما تشترك كل البلديات المذكورة في عدم تحصيل حقوق الرسم الصحي على اللحوم، فهي صفر.

وقد خلص التّقرير إلى أنّ عائدات الجباية المسيّرة من طرف البلديات تتراوح ما بين 0,22 و 4,79 مليون دينار لا غير، رغم أنّ القانون قد أوكل للبلديات مهمة تحديد وتحصيل هذه الحقوق والرسوم وجعلها تستفيد منها بنسبة 100%.

أمناء بلديات يهدرون مداخيل بالملايين

انتقد التّقرير المردود الهزيل لعائدات الرّسم على الإعلانات والصفائح المهنيّة والأعياد والأفراح بالنّظر لما تتوفّر عليه جل البلديات من مصادر ومقدّرات جبائيّه معتبرة بشأنهما. وأشار التّقرير إلى أنّ الرسم الخاص الذي تعتمد عليه هذه البلديات يكاد يكون الرسم الخاص على عقود التّعمير فقط، حيث بلغ معدل مساهمته ما نسبته 35% من إجمالي إيرادات هذه الجباية بالنسبة لبلدية عنابة و 79% لبلدية البوني، أما بلدية برحال فبلغ 99% .

وتترجم هذه الأرقام حمّى التّعمير والمنح المفرط لتراخيص البناء في كل الجيوب العقارية الشاغرة في هذه البلديات دون مراعاة لأي تخطيط أو تنسيق عمراني و لا للطرقات والمساحات المشتركة التي أصبح يتم التّعدي عليها من الخواص أثناء البناء دون أدنى ردع أو خوف من تطبيق القانون، فلا جهة مسؤولة تطبّق القانون وتجبر المعتدين على احترام حدود ملكيّاتهم. فخلال العقود الثلاث الماضية ارتكبت جرائم كاملة الأركان في حق التّعمير والعمران بهذه البلديات، لاسيما بلدية البوني التي اكتظّت كثيرا وتضاعفت الكثافة السكانية بها واستنفذت كل الأوعية العقارية بها دون مراعاة عدم تناسب البنية التّحتيّة للمدينة مع كل تلك الإنشاءات الجديدة المستمرة، سواء تعلّق الأمر بشبكة الطرقات، أو الكهرباء والماء أو الأسواق، مما حوّل شوارعها وطرقاتها إلى سوق فوضوية مترامية الأطراف.

وقد خلص التّقرير إلى أنّ الآمرين بالصّرف وأمناء خزائن البلديات المعنيّة لا يؤدون واجباتهم كما ينبغي بوصفهم المتدخلين الرئيسييّن في تسيير الجباية المحليّة، فالرّسم الخاص على الإعلانات والصّفائح المهنيّة مثلا، يتم تعريفه وضبطه وفق سلم محدّد بموجب قانون المالية، وذلك حسب عدد ونوع الإعلانات المُلصقة وبحسب مقاييسها على أن تتولى مصالح البلدية تحديد وعائها ويتكفل أمين خزينة البلدية بعملية التّحصيل.

لكن في الواقع، فإنّ البلدية تكتفي بتحديد وعاء رسم الإعلانات عند استلام طلبات التّرخيص من الشركات أو الأشخاص الطبيعيّين دون إحصاء كل المحلات والبنايات والمواقع التي توضع عليها الإعلانات. وهذا التّقصير تؤكده إحصاءات المركز الوطني للسجل التجاري التي تكشف عن فرق شاسع بين عدد المعلنين المفترضين وحجم المداخيل المالية التي تصل خزينة البلدية.

اختلاسات أم إهمال في التّسيير؟

غالبا ما يشتكي رؤساء البلديات من فقر بلدياتهم وضعف المداخيل، الأمر الذي ينعكس على تأخر التنمية ويمنع إقامة مشروعات تطويريّة أو إصلاح الطرقات والإنارة و الاهتمام بالتّحسين الحضري والمدارس الابتدائية..، لكن التّحقيقات أظهرت أنّ بلديات كبيرة في ولاية مهمة مثل عنابة، يهدر مسؤولوها مداخيل جبائية مهمة ولا يبالون بتحصيل أموال ترفع من ميزانيّتها لتُستغل في التّنمية المحلية، لاسيّما وأنّ البلديات الأربع الواردة في التّقرير، وهي الأكبر والأكثر كثافة سكانية في الولاية؛ تعاني من تدهور الإطار المعيشي للمواطن، وتهالك طرقاتها ومبانيها وغزو القمامة ومظاهر فوضى الأسواق في طرقاتها وساحاتها، خاصة بلديتي البوني وسيدي عمار، حيث ركّزت الإدارات المحلية المتعاقبة جل اهتمامها على مشكلة السكن وترحيل قاطني البيوت الفوضوية في الأحياء العشوائية التي استمرت في الظهور والانتشار سنة بعد أخرى، مقابل إهمال التّنمية والتّحسين الحضري والتخطيط لتوسيع الطرقات وأماكن التّرفيه والتسلية.

لقد تمّ منح كل الجيوب العقارية في البلديات بطرقﹴ شتّى بعضها قانوني ولكنه لا يراعي المصلحة العامة، وبعضها غير قانوني أدّى بكثير من المسؤولين والمنتخبين المحلييّن إلى المتابعات القضائية طيلة السنوات الماضية، لكن ما الجدوى من ذلك ؟ وقد استيقظنا على مدن تختنق بطرقات أصبحت ضيّقة وأحياء سكنيّة تفتقد مساحات للعب الأطفال أو لجلوس كبار السن، أو لأرصفة تزينها الأشجار والزهور.

إنّ من حق أي مواطن اطلع على تقرير المجلس الوطني للمحاسبة أن يتساءل عن أسباب حرمانه من أموال الجباية المحلية، عن أسباب عدم تحصيلها أو عن مصير ما يُحصَّل منها. وإن كان الأمر يتعلّق بسوء التّسيير وضعف الكفاءات والجهل بتفاصيل عمل الجماعات المحلية فتلك أيضا مصيبة كبيرة، وبلاء ينبغي العمل على إصلاحه برفع مستوى العاملين في البلديات وتفعيل المراقبة والمحاسبة، لأنّ جزء مهما من داء التّنمية كامن في ضعف أو فساد الإدارة المحلية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى