page contents
أقلام الوطن

اختراق الحركات الاحتجاجية وصناعة الرأي العام

بقلم الدكتور عز الدين معزة

تمتلك الأنظمة العربية قدرة هائلة على اختراق الحشود وصناعة الرأي العام الذي يتناغم ويتناسق مع الأنظمة العربية الاستبدادية، في الوطن العربي من محيطه إلى خليجه تخترق الحركات الاحتجاجية ويصنع الرأي العام بآليات تتحكم فيه مسبقا القوى الاستبدادية فالفضاء السياسي يسيطر عليه كليا النظام الممثل في شخص الملك في الأنظمة العربية الملكية، أما في الأنظمة العربية المسماة مجازا بالأنظمة الجمهورية فتسيطر عليه الأوليغارشية العسكرية والسياسية حيث تتقاسم الأدوار، هؤلاء هم الذين يسيطرون على الثروة والقانون والقضاء والسياسة، الأنظمة الاستبدادية العربية ليس العسكر فقط هو الذي يحميها وإنما لها أيضا جيوش من الإتباع  والمخبرين والشياتين والمتملقين من المثقفين والإعلاميين والأئمة والفقهاء يفوق عشرات المرات عدد الجيوش، ليس هدف هؤلاء التبع المتملقون للنظام ومخبريه وعساكره خدمة المصلحة العامة والوطن وإنما هم في خدمة فئة قليلة استولت على الحكم بغير وجه حق دون إرادة الشعب، أما ما يسمى بالأحزاب السياسية المعارضة ومنظمات المجتمع المدني فما هي إلا مجرد أسماء بلا معنى  لا تمثل إلا نفسها ، فليس لها قاعدة شعبية ولا برامج عمل، كلها تتسابق من اجل المناصب والمغانم وقد رأينا الكثير من الذين كانوا يعارضون النظام والاستبداد فبمجرد أن منحهم النظام مناصب المسؤولية انقلبوا على أعقابهم.. وأصبحوا من المفسدين الكبار، وعلى سبيل المثال لا الحصر، عمار غول، وغيره من أولئك الذين كانوا يصدعون رؤوسنا بثرثرتهم الفارغة..

اللعبة السياسية هي أصلا مزيفة من أساسها، فإعطاء الفرصة لطرح الرأي والرأي الأخر والمعارضة والقوى المضادة غير قائمة وغير مسموح لها بالظهور، أننا نرى ونسمع في الأنظمة العربية ذات النظام الجمهوري عن انتخابات رئاسية تعددية ديمقراطية، الكل يهلل ويطبل للرئيس القادم المعلوم مسبقا قبل إجراء عملية الانتخاب، أما الانتخابات البرلمانية فما إلا مهازل مضافة لكثرة مهازل الأنظمة العربية وحسب تعبير احد المعارضين العرب عن البرلمانات العربية ما هي في رأيه إلا بيوت الراحة يقضي فيها النظام حاجته البيولوجية.

فالرأي العام تصنعه السلطة عن طريق وسائلها المتعددة والكثيرة ولم تعد السلطة اليوم  تستعمل  أساليب العنف و القوة بأشكالها المختلفة لتحقيق النصر على معارضيها  كما استعملتها في أحداث 5 اكتوبر 1988 أو في حالة العشرية الدموية في نهاية القرن العشرين، فاستخدام السلاح وحده كطريقة للتغلب على الحراكيين لم يعد مجديا فالسلطة لها القدرة على فهم دروس المحتجين وإدارتها حسب رغبتها ومصالحها.

وللإحاطة بأبعاد صناعة الرأي العام، لا مناص من المرور على الحالة الجزائرية، باعتبارها نموذجا يسيطر فيه النظام ورأسمالية رجال الأعمال في مرحلة من أخطر مراحل تحالفهما على وسائل إعلام مقروءة ومرئية ومسموعة، وعلى هيئات ومؤسسات وأجهزة ومراكز بحوث جامعية ودراسات وغيرها، ويحركانها باتجاه ما يغيّب الفهم والوعي ويشتته ويشوهه ويرسم خارطة غير حقيقية للواقع المجتمعي، بما يحقق لهما ما يتوافقان عليه من أهداف ومصالح وأولويات تضمن بالدرجة الأولى استمرار مصالحهما وسيطرتهما على حاضر البلاد وثرواتها ومستقبلها.

فقد جعلت الضحية يعيد إنتاج قيم الاستبداد والظلم من حيث يدري أو لا يدري، فعملية الانصياع الأعمى وراء ما تنتجه السلطة وما تصنعه من رأي عام تندرج في إطار عملية غسل العقل الجمعي وتجهيله من احتقار المواطنين والدوس على كرامتهم  وإنسانيتهم وإبعادهم عن مصادر ثقافتهم الأصلية الرافضة للظلم والمحبة للحرية والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية، وإرغامهم على الرضوخ للأمر الواقع والإذعان له، وتخويفهم وترهيبهم  في حالة رفض ذلك وأن الثمن يكون غاليا لما قد يحدث من فوضى واغتيالات والأمثلة أمامهم سوريا واليمن وليبيا وأثار العشرية الدموية، مثل هذه الأساليب والوسائل الترهيبية عن طريق استعمال القوة الناعمة هي في الحقيقة إلغاء لإنسانية الإنسان وإذلاله وجعله كيانا سلبيا ناقما على نفسه ومسلوب الإرادة..

فالسلطة لها القدرة والإمكانات الكبيرة والمكر والدهاء على سلخ الإنسان من ذاته ومجتمعه وجعل هذا الإنسان المسلوب الإرادة لا يثق في أحد ويرى إن كل الناس خطيرين ومخبرين وشياتين، وفي هذه الحالة يصبح الفرد عاجزا نكوصيا ومعتادا على كره نفسه وكره المجتمع، وهكذا يشعر الفرد بالاغتراب في وطنه.

ويصبح يلعن نفسه ويلعن الشعب ولكنه يجهل أن الفساد المنتشر في المجتمع من عدم احترام القوانين وانتشار الآفات الاجتماعية ما هو إلا انعكاس لسياسة النظام، فحسب عبد الرحمن الكواكبي أن الفساد السياسي هو رأس الفساد كله، ولن يترك النظام الديكتاتوري الاوليغارشي أي مجال من المجالات إلا وينشر فيه الفساد والرشوة والنميمة، فالفساد ممنهج وله أنصاره والمدافعون عنه والمشجعون له.

وأعود هنا لإستحضار الفيلسوف الألماني هيجل، ومصطلحه مكر التاريخ، فالأحداث التي نمر بها الآن وخاصة منذ حراك 22 فيفري 2019 وان شئت قل منذ 5 اكتوبر 1988 وما تلاها من عشرية دموية وما بعدها من نهب مال الشعب وفساد النظام البوتفليقي الذي جثم على صدورنا 20 سنة كاملة، ليست كما تبدو في الظاهر فهناك في الأعماق تغييرات خفية حاصلة على خلاف ما يبدو لنا نحن العامة ـ ما يراه الفلاسفة لا نراه ـ لذا علينا ألا ننخدع بالظواهر حسب هيجل، فهناك في الأعماق البعيدة أمر يبشر بالخير ولا يمكن الانتقال إلى الأحسن إلا بعد المرور على السيئ..هكذا يخبرنا الفيلسوف الألماني العظيم هيجل ..

ما تمر به بلادنا الآن من فساد سياسي وإداري واقتصادي واجتماعي  وسوء توزيع الثروة وبرلمان بغرفتيه عدمه خير وجوده ومن ملاحقة بعض الحراكيين والإعلاميين والمثقفين ومنع الجزائر من الانطلاقة وإيجاد مكان لها تحت الشمس، التاريخ منطقي ولن يكون إلا كذلك، وهو بحاجة إلى كل ذلك الفساد والظلم والاستبداد وتوغل السلطة لكي ينطلق نحو الأحسن، لكي الناس حقيقة ما يعيشونه ويعيدون النظر فيما يرونه وكأنه قدر محتوم وما يقدسونه من أفكار بالية توارثوها جيلا عن جيل ومن إيديولوجيات خرافات وخزعبلات، فلا شيء يتحقق حسب هيجل إلا من خلال الصراعات فالحرية لا تعطى وإنما تؤخذ رغما عن الأنظمة الديكتاتورية  والشعوب المسلوبة الإرادة والجاهلة لا تصنع الديمقراطية ولا الدولة المدنية ، فأوروبا لم تخرج شعوبها من الأنظمة الملكية الديكتاتورية الا بعد صراع طويل دام حوالي ثلاثة قرون ، كنت في شبابي متحمسا ورافضا للظلم والاستبداد وكثيرا ما كنت استشهد بالدول الأوروبية الديمقراطية ولكن الآن  تيقنت أن التاريخ لا يستورد في حاويات ويوزع  في الأسواق ووسائل الإعلام ويجتره أساتذة الجامعات في مدرجاتهم . وتتلقفه العامة بشوق ولهفة ..وكنا نرى أن ما يحدث من فساد وظلم واستبداد ونهب الثروات العامة واعتقال أصحاب الأقلام الحرة من إعلاميين وأساتذة ومعارضين ضد المنطق والعقل وهي تعدي صارخ على حقوق الإنسان وكرامته ..

وبعد أن اطلعت على فلسفة هيجل وتاريخ أوروبا في العصر الحديث ارتاحت نفسي الهائجة المضطربة الرافضة لكل أنواع الاستبداد ، فما يحدث عندنا عقلاني ومنطقي رغم ما نراه من فوضى وانهيار القيم وفساد النظام والمجتمع ، وأن مضامين فلسفة مكر التاريخ يتقارب مع جاء في القرآن الكريم ، من أن الإنسان مبتلى بالخير والشر والفرح والحزن ، وان علينا الصبر وعدم الجزع لمكر التاريخ وخبث النظام وجهل العامة وضياعها وإعادة إنتاج مآسيها ، فأن الأمور خيرا أو شرا ليست بظواهرها ولكن بعمقها ، فما يفعله النظام من صناعة الرأي العام ونشر الفساد في المجتمع وتعطيل حركة انطلاق الجزائر يصب كله لصالح التاريخ والوطن ” وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون” حينما أقرأ هذه الآية الكريمة ترتاح نفسي الإمارة بالسوء واصبر على ما تعانيه الجزائر من مشاكل عديدة في كل المجالات بلا استثناء.

مجتمعنا اليوم يخوض صراعا من أجل بناء دولة القانون والمؤسسات ، فلسفة هيجل تقول لنا أننا نسير في الطريق الصحيح وأن النهاية ستكون لصالح الحق وأن الباطل ودعاته والمدافعون مصيرهم مزبلة التاريخ وتلعنهم الأجيال القادمة وهم في قبورهم ، فإرادة الشعوب من إرادة الله وإرادة الله لا تقهر.ودوام الحال من المحال .

د. عز الدين معزة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق