page contents
الحدثبزنسملفات

الأزمة الوبائية.. عمال وأجراء يدفعون الثّمنَ!

كورونا سببت خسائرَ فادحة والحكومةُ تدرس تدابير لضمان أجور العمالِ

طالت تبعات “كورونا” الجميع، لكن آثار الأزمة كانت أكثر عنفًا على البعض، ولاسيما العمال والموظفين وأرباب الأسر الذين أصبحوا الخاسر الأكبر من هذه الأزمة المتشعبة التي أتت على الأخضر واليابس.

إعداد: عمار قردود

و بعيدًا عن الخسائر البشرية الناتجة عن انتشار وباء فيروس كورونا «كوفيد 19»،  المتمثلة في آلاف الإصابات وأزيد عن ألف وفاة أحصتها الجزائر، فإن الخسائر الاقتصادية التي ضربت الاقتصاد الوطني هي الأكثر تأثيرًا والأطول أمدًا وقد زاد من وطأة هذه الخسائر الاقتصادية الفادحة تزامنها مع تهاوي أسعار البترول في الأسواق العالمية إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، وهي الخسائر التي قدرتها الحكومة بأزيد من 7 ملايير دولار، فيما أكد خبراء الاقتصاد والمال أنها أكثر من 20 مليار دولار.

فقد أنفقت الحكومة أزيد من 6500 مليار سنتيم لمواجهة فيروس “كورونا”، وهي المبالغ التي تم تخصيصها لاستيراد مستلزمات مجابهة الجائحة، وتقديم إعانات للمتعفّفين والمتضررين وإعادة العالقين في الخارج إلى أرض الوطن واقتناء الدواء، فيما استعرضت وزارة المالية أمام الوزير الأول عبد العزيز جراد، الأسبوع الماضي، مقترحات وتوصيات بتخصيص أجور جزافية للناقلين وأصحاب سيارات الأجرة تعادل 30 ألف دينار، و20 ألف دينار للحرفيين وإعانة استثنائية للبطالين الموقوفين عن العمل بسبب “كورونا”.

لكن، هذه الإعانات الحكومية المخصصة للمتضررين من الجائحة يقابلها غضب عدد من العمال والموظفين في القطاعين العام والخاص بسبب الخصم من رواتبهم خاصة خلال الأشهر التي توقفوا فيها عن العمل بشكل اضطراري بسبب الجائحة، لاسيما أن قرار الاقتطاع من رواتب العمال والموظفين شمل الآلاف وفي القطاعات العمومية والقطاع الخاص، بينما تم استثناء قطاعات أخرى بالرغم من أنها عمومية وهو الأمر الذي أثار غضب العمال وجعل البعض منهم يهدد بالاحتجاج والإضراب عن العمل.

 وأعلنت الحكومة، مطلع ماي المنقضي، تقليص موازنة التسيير الحكومية إلى النصف بسبب الأزمة المالية الشديدة التي تُهدد البلاد نتيجة تراجع أسعار المحروقات، حيث تم تخفيض فاتورة الواردات بقيمة 10 مليارات دولار، وتخفيض ميزانية شركة “سوناطراك” بنسبة 50% من 14 مليار دولار إلى 7 مليارات دولار، بالإضافة إلى إلغاء إبرام عقود الدراسات والخدمات مع المكاتب الأجنبية في مختلف المشاريع،  والتي تكلف الجزائر سنوياً 7 مليارات دولار، بالإضافة إلى تجميد المشاريع الكبرى.

وتوقع صندوق النقد الدولي أن تشهد الجزائر ركودًا خلال 2020 (-5,2 بالمائة) وعجزًا في الموازنة قد يكون الأعلى في المنطقة بسبب انهيار أسعار المحروقات وتداعيات فيروس كورونا. واستبعد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، اللجوء إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي والهياكل المالية الدولية، معتبرًا أن “المديونية تمس بالسيادة الوطنية”.

و كانت الحكومة قد أمرت مع بداية الأزمة الوبائية في البلاد بتخفيض 50 في المائة من العمال،لكن دون قوانين أو تعليمات واضحة وفسحت المجال أمام إدارات الشركات العمومية والخاصة للاجتهاد مع هذا الترخيص المهني الاستثنائي. وبينما طبقت بعض المؤسسات العمومية قرار الحكومة بنحو مائة بالمائة، رفضت مؤسسات القطاع الخاص تنفيذه بالكامل بسبب مبررات وحجج بعضها موضوعية وأخرى غير ذلك.

و فيما أقدمت عدة مؤسسات عمومية وخاصة على تقليص رواتب عمالها وإلغاء بعض المنح، راحت مؤسسات أخرى ومعظمها تنتمي إلى القطاع الخاص أبعد من ذلك إلى حد عدم دفع أجور موظفيها بسبب عدم وجود الموارد المالية وتوقف عجلة الإنتاج، بينما هناك مؤسسات أعلنت غلقها بسبب إفلاسها وأخرى سارعت إلى تقليص عدد عمالها وتسريحهم جميعهم.

عقب عجز المؤسسات ورهن العمال بين تقليص الرواتب والتسريح

هَذه هيَ اقتِراحاتُ الحُكومةِ لضَمانِ أجُورِ جَميعِ العُمّال

كشف وزير المالية، خلال لقاء الحكومة بالشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، عن تأجيل الدفع والإعفاء من الالتزامات الضريبية وشبه الضريبية وتعليق أعباء أرباب العمل خلال فترة الحجر الصحي،  مما يساهم في ضمان أجور جميع العمال والموظفين، وتأجيل دفع الضريبة النهائية والاجتماعية للصناديق الاجتماعية لـ12 شهرًا، وتخصيص إعانة بطالة استثنائية لصالح أي شخص من القطاع الحرّ أو أجير في شركة متوقفة النشاط، وتأجيل دفع مستحقات الامتياز العقاري لسنة 2020 والإعفاء من العقوبات الضريبية التي يتعين دفعها.

كما اقترحت الحكومة مرافقة الشركات من قبل البنوك من خلال منح قروض بنكية بنسب مفضلة، والإعفاء من الفوائد لــ6 أشهر، وتسهيل الإجراءات للحصول على قروض الاستغلال،  وإلغاء عقوبات الدفع المتأخرة، وإعادة جدولة مدة تسديد الديون البنكية. وبخصوص الصفقات العمومية، يتم توسيع منح الصفقات الكبيرة للمؤسسات متوسطة الحجم من خلال الآليات المناسبة من أجل دعمها، والإفراج العاجل عن تسديد المستحقات التي تحوزها شركات الإنجاز على أصحاب المشاريع.

و سيتم التكفل برواتب العمال الذين توقفوا اضطراريًا عن العمل خلال فترة الحجر الصحي من خلال دفع الإعانات المباشرة للشركات لتغطية جزء من النفقات المتعلقة بالمستخدمين، أو فقدان رقم أعمالهم ومنح إجازة من دون أجر للشركات التي تواجه صعوبات وإدخال إعانات مالية إضافية وتدابير اجتماعية للحماية، عبر توفير أجر قاعدي لجميع العمال المتضررين من الأزمة ومساعدة الأشخاص الذين أُحيلوا على بطالة تقنية من دون منحة بأجر استثنائي لمدة شهرين إلى 3 أشهر لضمان شروط العيش الكريم، وإدراج مفهوم التكفل بالحالات القصوى في قانون العمل.

الخبير الاقتصادي عبد المالك سراي:

مُؤسّساتٌ تَبنّتْ حُلولًا غير اجتِماعيّةٍ وعلى السُّلطاتِ التَّحركُ

حذّر الخبير الاقتصادي الدولي، عبد المالك سراي، في تصريح لــ”أخبار الوطن”، من عدم قدرة الشركات الخاصة والحكومية على مجابهة التداعيات المالية السلبية نتيجة تفشي جائحة كورونا، بالرغم من كشف رئيس الجمهورية عن أن الحكومة ستوفر “كل الوسائل الاقتصادية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تسمح لها بالرجوع إلى النشاط دون خسائر”، لكن دون أن يكشف عن آليات الإنقاذ. وأكد تبون القدرة على مواجهة تحدي تراجع أسعار النفط ووباء كورونا، من خلال إعادة هيكلة الاقتصاد من خلال “خطة مدروسة ونصوص قانونية” يتم التحضير لها.و أضاف سراي يقول: “لكن، حتى الآن لم نجد أي تطبيق فعلي على أرض الواقع لصالح هذه المؤسسات الاقتصادية، التي وجدت نفسها أمام حلول غير اجتماعية وتتمثل في الاقتطاع من رواتب عمالها أو توقيفها بشكل كلي وتسريح العمال، ما من شأنه خلق أزمة اجتماعية في البلاد هي في غنى عنها.

و أفاد سراي بأن: “آلاف الشركات في القطاعين العام والخاص أقرت إجراءات تقشفية، بدأت بـإلغاء الإجازات مدفوعة الأجر لجميع العمال، مرورًا بخفض رواتب موظفيها بنسب تراوحت بين 50% وحتى 65%، بعضها لشهرين وأخرى لثلاثة وأربعة أشهر وصولا لإنهاء عقود العاملين بها وتسريحهم نهائيا، بينما أغلقت شركات أخرى أبوابها بعد أن أعلنت إفلاسها”.

الخبير المالي ووزير المالية الأسبق عبد الرحمن بن خالفة :

ضَمانُ الأجُورِ رِهانٌ صَعبٌ لكنّهُ يُجنِّبُ البلادَ أزمةً اقتِصاديّةً واجتِماعيّةً

أما الخبير المالي ووزير المالية الأسبق، عبد الرحمن بن خالفة، فيرى في تصريح أدلى به لــ”أخبار الوطن” أن الحكومة بدأت في تقييم الخسائر الاقتصادية المترتبة عن تداعيات جائحة كورونا،  وهي عاكفة على ضمان أجور جميع الموظفين والعمال سواء في القطاع العمومي أو الخاص من خلال اتخاذ تدابير استعجالية للتقليل من الآثار السلبية على الاقتصاد”.

و أشار بن خالفة إلى أن” الديوان الوطني للإحصائيات قدّر،  في ماي 2019،  مجموع الأشخاص العاملين في الجزائر بــ11,3 مليون بينهم 7 ملايين يعملون في القطاع الخاص. وتقول الإحصائيات أن 70 بالمائة من الأشخاص المستخدمين في القطاع الخاص متضررون؛ أي نحو 5 ملايين مستخدم يتطلب مساعدتهم خلال فترة تمتد بين ثلاثة وأربعة أشهر. كما أن نحو 500 ألف و700 ألف مستخدم في القطاع العام تعرضوا للاقتطاع من رواتبهم”.

وأوضح بن خالفة أن المرحلة الحالية تتطلب اتخاذ إجراءات إنقاذ استثنائية تمس الشركات والمؤسسات التي تضررت بشكل أكبر من الجائجة،  سواء من ناحية الضرائب أو دفع رسوم التأمين الاجتماعي وغيرها”، مشيرًا إلى أن التزام الحكومة بضمان أجور جميع عمال وموظفي القطاعين العمومي والخاص في ظل الأزمة الوبائية والاقتصادية الحالية هو رهان صعب وسيكبّد الخزينة العمومية الكثير من الأموال،  لكنه كفيل بتجنيب البلاد أزمة اقتصادية خانقة وإطفاء جذوة الاحتجاجات الاجتماعية”.

عبد الغني المكي مسؤول بالمفتشية الولائية للعمل لأم البواقي:

مُفتِشياتُ العَملِ تَلقّتْ كمًّا هائِلًا من الشَّكاوى منذُ شهرِ مَاي

كشف عبد الغني المكي المسؤول بالمفتشية الولائية للعمل لولاية أم البواقي، في تصريح لــ”أخبار الوطن”، أن “الاقتطاع من الأجور الذي طال آلاف العمال في القطاعين العام والخاص جعل مفتشيات العمل عبر الوطن تغرق في شكاوى العمال والموظفين، فالبعض فقد منصبه دون وجه حق، والآخر تعرض راتبه إلى اقتطاع نصفه، فيما عمال آخرون تم تسريحهم”.

و أضاف المكي، يقول: “وما زاد من حدة الجدل،  هو تسريب تعليمة لفرع مفتشية ولاية أدرار والتي أكدت أنه لم يتقرر الاقتطاع من الأجور، وهو ما جعل التعليمة تُحدث جدلاً واسعًا بين الموظفين،  الذين طالبوا مؤسساتهم بتطبيق تلك التعليمة.قبل أن تكذب وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي في بيان لها وجود مراسلة رسمية من طرف المفتشية العامة للعمل تخص عدم اقتطاع جزء من رواتب العمال والموظفين، وإلزامية تقاضي العمال والموظفين مرتباتهم كاملة غير منقوصة، خلال فترة استفادتهم من العطلة الاستثنائية.وأوضحت الوزارة،  في البيان ذاته، أن المراسلة المتداولة في منصات التواصل الاجتماعي وبعض الصحف الوطنية تتعلق بإجابة فرع مفتشية العمل لولاية أدرار على استفسار تم طرحه من طرف فرع نقابي لمؤسسة خاصة؛ والتي أقرها المرسوم التنفيذي رقم (20 – 70)، الذي يحدد التدابير التكميلية للوقاية من انتشار فيروس كورونا.

وأضافت الوزارة أن كل المسائل المرتبطة بالأجور ومكوناتها وكذا الزيادات والاقتطاعات تخضع للتفاوض والتشاور مع الشريك الاجتماعي.في حين، تبقى مصالح مفتشية العمل تحت تصرف العمال والمستخدمين لمرافقتهم والإجابة على كافة الانشغالات المتعلقة بعالم الشغل”.

و أشار المكي إلى أنه “رغم توضيحات وزارة العمل، إلا أن مفتشيات العمل تلقت منذ ماي الماضي أكبر كم من الشكاوى حول تعرض العمال للحقرة والتعسف بسبب تسريح بعضهم والاقتطاع من أجورهم”.

اظهر المزيد

عمار قردود

صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق