page contents
أقلام الوطن

الأزمة تلد الهمة.. وقد تئّد الأمة !

بقلم الدكتور جيدور حاج بشير

جلست يوما أجول ببصري لا أجد ما أفعله، فمرت بي عدسة التاريخ “تمشي على استحياء”، فجعلتني أرقبها وأتلصص إلى ما بداخلها، فيها دروب الماضي وشوارع الزمن الغابر، وقفت أمامي كأنها تستميل في نفسي حب الاستطلاع الذي جُبِلتُ عليه وتراودني أن أقترب إليها فتريني مما حملت، أو لعلها أرادت أن تغويني لتعصر في عيني بعض ما أنعصر فيها عبر ردحات الزمن الذي حفظته في تجويفها من دروس وعبر وآلام طعمها مرّ، وما مسّ أقواما وثّقت تاريخهم بما فيه من عذابات ونذر، فلما اقتربت منها أنظر فيها فإذا بها لا تبق ولا تذر، فيها ما فيها مما لم تره كثير من الأعين ولا سمعته أذن، لكنه كان مما يخطر على بال البشر.

وضعت على العدسة عيني أريد “ترويضها” فأديرها كما أشاء فاتجهت برغم أنفي يمينا كأنها تجبرني على رأيها وتخط لي خط سيرها وأنا من اللهفة أتبعها ولم يكن يوما من شيمي أن أذعن لمن يأمرني لكنني أأتمرت، ووجدتني من الدهشة صامت يكاد الطير أن يقع على رأسي، كان المشهد من وراء العدسة في البداية مشوشا وهي تضبط عدساتها ليجلو رويدا رويدا، فإذا بها “مكة المكرمة” على أيام الجاهلية، وفي جزء الصورة سور دار الندوة حيث بعض فتيان قريش يجلسون أمام بابها، وفي صحنها أسمع جلبة لبعض شيوخ قريش على رأسهم سيد القوم “أبو سفيان” بعد هلاك ساداتهم قبل ذلك “أبو جهل” و”عتبة” و”أمية”، وتبعهم آخرون كـ”الوليد بن المغيرة” و”العاص بن وائل”، وكان يجلس بباب الدار “خالد بن الوليد” و”عمرو بن العاص” و”عكرمة” و”صفوان” يقلبون الرأي فيما بينهم في (الأزمة) التي حلت بهم بعد فقد آبائهم، أرتني عدسة التاريخ وجوههم في ظاهرها “حزينة” لأن (أزمة) قريش في مواجهة الرسالة المحمدية انتهت بوأد (أمة) غابت عن مشهد الأمر فيها وهم آباؤهم الذين تصدروا الرأي وكانوا يفتونهم ويأمرونهم، لكن في جزء آخر من الصورة رأيت باطن وجوههم مستبشر، لأـن ذات الأزمة قد توّلد فيهم “همّة”، ذلك أنهم أيقنوا أن “الرتابة” ليست من نواميس الدنيا وأن لا حال يدوم على حاله وأن التغيّر سمة من سمات الأيام، فكأن قائلا قال لهم أن عهد آبائكم قد ولى وانتهت أمتهم لأنهم لم يتقنوا فن التعامل مع (الأزمة) فوأدتهم ووأدت أحلامهم، فابحثوا اليوم لكم عن “همّة” تَعلُون بها وتُعلِيكُم وقد علمتم أن آباءكم كانوا على ضلالة، لقد كان في نفس كل واحد منهم حكمة ولدت بعد زمنهم أن (المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين)، ففي مرة هلكت أمة في (زمن أزمة) عاشوها، فأين الحكمة أن يسايروا ذات الأزمة بنمط من فشل في إدارتها.

في لحظة ما كنت مندمجا مع الأحداث أستقرؤها وأتعايش مع شخوصها كأنني منهم وفيهم وبينهم، فإذا بالعدسة تنتقل يسارا، هذه المرة لم ألق لها بالا وهي تنسحب بي إلى الجهة الأخرى فأنا مطمئن لأن عيني لا تزال تمسك خصلات التاريخ تنساب إليها، بانتقالها يسارا إلى زاوية أخرى من زوايا التاريخ رَمت بي في زمن آخر، المفارقة فيه أن ذات شخوص الزاوية اليمني وجدتهم فيه، أرتني عدسة التاريخ ميدانا كبيرا وفيه خلق كثير من رجال ونساء لا شك أنه ميدان حرب وكر وفر، كان انتقال العدسة متزامنا مع “استراحة المحاربين”، في المشهد “خالد بن الوليد” بزي قائد الجيش ومعه “عكرمة” و”شرحبيل” وعمرو بن العاص”، وإلى جوارهم أيضا شيخان آخران “أبو سفيان” و”سهيل بن عمر”، لقد كان حديثهم عن زمن (الأزمة) الأولى وكيف بها وقد كادت أن تعصف بهم عندما أخذت جزء من أمتهم، وكيف “استنقذوا” أنفسهم لأنهم غيروا أنفسهم لعلمهم أن (دوام الحال من المحال)، فوجدوا أنفسهم جميعا في خضم (أزمة) جديدة وهي أزمة الردة ونقض العهد من قبائل العرب، فتآلفت قلوبهم جميعا حتى تلد لهم هذه (الأزمة) همة جديدة كتلك التي نالوها لما حادوا عن خط آبائهم، واليوم يرجون أن يكتب لهم تاريخ جديد يربو لهم وبهم، خير من أن يبكوا على طلل كان فيه آباؤهم وقد عميت بصائرهم زمن (الأزمة) فدفنت الأمة.

أمتنا اليوم كأمتنا في تاريخ الأزمة، حالها في عمومه كحال من سبقونا ممن أنبأنا أنبوب التاريخ بعدساته عنهم، حيث أننا نتجاوز أزمة لنجد أنفسنا في أخرى بملكنا أو رغما عنا، لكن رهاننا الذي يرفع هامتنا ويبقى آمالنا ويحفظ أمجادنا ويدنينا إلى باب الخلود في مجلد التاريخ هو أن تلد الأزمة لنا همة في كل مرة، وأن لا تضعنا في لحد من مالت به الهمة التي أرادها إلى هاوية لم يكن يريدها، لكنه لم يفعل ما يحيد به عنها، بل ركن إلى الأرض وتاقت نفسه إلى النصر وتمنى على الله الأماني، متغافلا عن حكمة ثبتت صحتها أن “زمن المعجزات قد ولى”، ومتناسيا أن “عمر بن الخطاب” (ض) قال يوما لأحد ولاته: (إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة).

سنوات الثمانينات وما استنبتته على جنباتها من (أزمة اقتصادية)، والتسعينات وما رافقها من (أزمة أمنية) وسنوات “حكم بوتفليقة” وما شابها من (أزمة شرعية)، ثم هلّ حراك 22 فيفري وما لازمه من (أزمة سياسية) وتعديل القوانين وما نبت إلى جواره من (أزمة قانونية)، فضلا عن تفشي فيروس كورونا والوباء الذي صنع (أزمة صحية)، كل تلك كانت رهانات وما بقي منها اليوم يعتبر تحديات، الرهان فيها أن نسُّل منها أنفسنا منتصرين وأن نستل منها خيوط النجاح استلالا، وهي اليوم حجرة عند مفترق الطرق ونحن فيها بين جنبات أربع: فإما أن نستدير يمينا أو شمالا فنهرب منها والهروب هزيمة، أو نسير إلى الأمام فنقع فيها بعواقب مستترة، أو أن نقفل عائدين عنها والتاريخ لم يكلمنا عن أمة صنعت مجدا بالتولي إلى الوراء، لكن نحن طلاب همّة من أزمات حلّت بنا، ومواجهتها نصف النصر عليها وفيها تحقيق لذاتنا وارتفاع بحالنا.

ليس علينا اليوم أن ننظرها وتنظرنا وننتظرها تفنى إذ نحن من سيفنى حينئذ وقد نذوب في قُمَّعِ الأجيال التي أحجمت عن قراءة إحداثيات الأزمة فتدلت (همتها)، لكن علينا مواجهتها وإن خسرنا بعض ما كسبنا، فالحكمة تقول أننا نعطي بعض ما كسبناه في زمن مضى فنشتري به مستقبلا زاهرا إذا العمر بنا مضى. فالخيار اليوم خياران: إما أن نجعل الأزمات تحت أقدامنا فتتقوى أرجلنا فنسير على أزمات يخبؤها الزمن، أو أن نجعلها فوق رؤوسنا فتثقل علينا لنكون أثرا بعد عين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى