page contents
أقلام الوطن

الأمة الجزائرية..

الجزء الأول

الجزائر.. هذا الوطن الذي تشكل في خضم تحولات عالمية عاصفة، مع نهايات الإمبراطوريات وبداية تشكل الدولة -الأمة في أوروبا. والوطن هو أن تعيش فيه، وتحبه، وتضحي من أجله. الوطن هو الذي يوجد لك من يموت في سبيل أن تعيش أنت في أمن وآمان، ويجعل رزقك بين يديك. هو الذي يوفر لك المدرسة، والمعلم. هو الذي يرسل من يطفئ لك النار، وينقذك من الغرق، ويتدخل من أجل سلامتك حين السفر. الوطن هو حياتك، ويفترض أن حياتك هي الوطن. كان العيش في الوطن ودفع الضرائب والتضحية من أجله، عناصر المواطنة التي تأسس عليها فعل السياسة.

أن تسأل عن الأمة هو أن تسأل عن جزائريتك، وكيف أنك ابن وطن ضحى من أجله مئات الآلاف من الشهداء. وكيف أنك مهما سكتت لن ترضى أبدا أن ترى الأراذل يتلاعبون بمقدراته، وألا تقبل أن يتطاول كائن من كان على تاريخه بكل مضامينه. هو أن تفكر في مستقبل زاهر لأبنائك وأحفادك، هو أن تجعل أخطائه ونقائصه دروسا للاعتبار والنهوض.

يبدأ تعريف الأمة الجزائرية من اللحظة التي تفكر فيها في جزائريتك، أن تعرِفَ تاريخ هذا الوطن، كيف تشكل وكيف تطور وإلى أين يجب أن يصير. ولهذا فتعريف الأمة ينطلق من الولاء للوطن وليس للقبيلة، وهذا الأمر نسبي. ربما هذا لا يتحقق إلى غاية يوم الناس هذا لما تسبق مصلحة العرش مصلحة الوطن. وقبل هذا، وقبل كل شيء في الأزمان، هو استقلاله وعدم خضوعه أو تبعيته لأية قوة أجنبية.

هذا التعريف ينطبق على كل دول العالم، وهو مسار طويل واختبار مستمر. فلا يكفي أن تدعو إلى إصلاح شئونه بل أن تعمل من أجلها. فأن تقيم في بلد أجنبي وتظل تطالب هذا ليس من مجال تعريف الأمة، إنما مما يأتي من إجابة حول ماذا تقدم لوطنك. ولهذا ترى أن الدولة تمج أن يعيش مواطنا لها في بلد آخر وما يكسبه يأتي منها. ثم دع عنك من يتأفف “هذي ماشي بلاد” لكي يبرر تهربه وتنصله، في هذه الحالة ينفرط عقد المواطنة. فأن ترى الاعوجاج لا يعني أن تحمل الوطن المسؤولية، بل أن تسمي من كان السبب وتدعو وتسعى إلى التغيير مهما كانت الطريقة غير ظاهرة. لقد تطور اليابان بعد حطام الحرب العالمية الثانية، لأن الياباني كان يستهلك ما هو مصنوع في بلاده ويعمل من أجل توفير ما يحتاجه. أمور يجب أن تناقش على أية حال، ولكل مقام مقال ولكل زمان رجال.

مفهوم الأمة ، بالتعريف السياسي الحديث، هو مرتبط ، بوجود مركز سياسي (دولة ذات سيادة على إقليم). وكل مركز هو سلطة، أي امتلاك القوة والقدرة على التأثير (فرض نظمه المعرفية والإدارية والضرائب) وتنفيذ السياسة الخاصة وما يتبع من متطلبات بالتضييق على النخب المحلية (الأرستقراطية) ورجال الكنيسة وإشاعة الأمن والنظام.

إنه مهما كان حكمنا على تطور الإطار الدولتي الذي نشأ على هامش الإمبراطورية، فإنه يعني أولا عوامل دافعة إليه. فيما يخص وجود محفزات مالية وسياسية تعزز لا مركزية صناعة القرار والإبقاء على رمزية دينية فقط للتعبير عن العلاقات بعاصمتها. حدث هذا مع توجه الملوك نحو تعزيز استقلالية حكمهم عن البابوية وخاصة مع الإصلاح الديني، ومع تطور القرصنة واكتشاف العالم الجديد بما جلبا من ثروات كبيرة جدا أتاحتا تمويل بناء قوة عسكرية وشراء ولاء النخب المحلية ورجال الدين.

من هنا يمكن رسم خطاطة لمفهوم الأمة من حيث أنه خلاصة لتطور السياسة وليس الثقافة الذي يشير إلى الدولة، وحين كان يجب تعريف الشعب الذي تحكمه من الناحية الرمزية فإنه كان يمكن تمطيط التعريف لكي يشمل جوانب متناقضة كل التناقض. ومن ثم كانت خلاصة التعريف للأمة أنه حيثما امتدت سلطة الدولة فثمة أمة، إذ لا يهم ما تتكلمه من لغة بقدر ما يهم خضوعك لقوانين وسيادة الدولة.

فيبنى بالتالي، مفهوم الأمة على ما يتم تأويله من المعاني الثقافية للرابطة القانونية والسيادية للدولة على مختلف الأقاليم، كما نجده مثلا عند جاك باغنار الذي عرفها “بأنها المجموعة الإنسانية التي تشكل جماعة سياسية تقوم على إقليم محدد أو مجموعة أقاليم محددة تتجسد بسلطة سيدة وعليا”[1]. أي أنه حيثما امتدت سلطة الدولة فثمة أمة، وهو ما يدل على تجاوز أي شكل معين ومعروف في تحديده. وإذن لا توجد أمة إلا حينما يتم دمج عناصر المجال الجغرافي والشعب والسيادة والمصالح المشتركة ثم تأتي عوامل مكملة داعمة مثل اللغة والدين والتاريخ المشترك.

نفس هذا المسار حدث داخل الإمبراطورية العثمانية ولو بشكل متأخر. ففي حالة أيالة الجزائر تحققت الاستقلالية المالية التي هي عماد الاستقلالية السياسية التي جعلت من سيادة الباب العالي سيادة شكلية ، وانتهت إلى حيث تكاد تكون شبه كاملة منذ مرحلة الآغوات مع حركة اليولداش (رجال الجيش البري)، ابتداء من سنة 1659.

لم يُثبَّت القطر الجزائري الذي اختط الأتراك حدودَه ضمن سيادة الإمبراطورية هويته السياسية إلا في نهاية القرن الثامن عشر، ويمكن توقع تطور هذه الهوية لو تسنى له الانفتاح على أفكار العصر وتراجع الاعتماد على مغامرات البحر لصالح بناء اقتصاد محلي. نكرر هذه الأطروحة بمقارنتها – على سبيل المثال – بمشروع محمد علي الذي مهد لظهور الوطن المصري ثم فكرة الأمة المصرية. هذا العمل والمسار لم يكونا مجرد طموحات حكم فردية، بل أفعال وتحولات جذرية على مختلف الصعد (السياسة، الاقتصاد، الاجتماع والثقافة) راحت تتجسد على أرض الواقع. ونفس الأمر يمكن أن يقال عن تجربة الوطن التونسي الذي استمر يحكمه البايات إلى غاية سنة 1957.

نعم، وكما سبق لنا الإشارة في موضع آخر، لم تتجه سلطة الأوجاق إلى حكم المجتمع الأهلي من خلال وضع قوانين منظِّمة لمختلف مجالات الحياة، كان التنظيم يقوم على روابط مخزنية استغلالية. وباستعمال المعنى المجازي لمفهوم الأمة الذي هو القومية، نلاحظ أن دولة الجزائر لم يكن لها طابع قومي. لكن مع مرور الزمن، كما بيناه في غير هذا المكان، تكون نوع من الشعور بالانتماء إلى دولة قطرية موحدة، وكان هذا القطر-الدولة يدعى في الكتابات والمؤلفات الجزائرية، وطن الجزائر. إن عدم تجانس هذا المجموع وتعدد الجماعات وخصائصها فيه، والطابع الأجنبي للحكم على مدى ثلاثة قرون والظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لم تكن تتهيأ لتشكيل كيان سياسي من النوع الحديث الذي يطلق عليه اليوم أمة (nation) بالمعنى الذي يحيل إلى مفهوم الوطن patrie. لقد كان يتعين إقامة قطيعة مع معايير ذلك العهد والتوجه نحو ربط السلطة بالمجتمع لكي تتوطد دعائم أمة وتتحول من إطارها الديني نحو إطار تعرفه المعايير السياسية: الهوية الوطنية ومن ثم دولة وفق معايير المصالح المشتركة.

يميز أبو القاسم سعد الله بين الأمة الجزائرية والوطنية الجزائرية إذ يقول:” ومن الممكن الآن تعريف الأمة الجزائرية بأنها، الجماعة التي تسكن القطر الجزائري والتي تشترك في الشعور، والتاريخ، والآمال، والثقافة، (اللغة، الدين، التقاليد). أما الوطنية الجزائرية فهي الشعور الوطني المشترك الوفي للجزائري نحو أمته”[2]. وفي هذا ، الشعور الوطني هو الذي حرك مفهوم الأمة، بحيث يجب أخذه كمدلول سياسي وفق ما يضفى عليه من مضمون تبعا لمحددات الفكر السياسي الحديث. ثم يردف:” ونتيجة لهذا الخلط غير التاريخي، ظهر تيار حديث في الجزائر يريد أن يثبت صفة “الأمة الجزائرية” منذ العهد الروماني مستدلين على ذلك بمحاولات ماسينيسا ويوغرطة بناء كيان أهلي. وما درى هؤلاء الجزائريون أنه لا يضيرهم أن لا يكونوا أمة قبل ألفي سنة ولا حتى بعدها لأن فكرة الأمة نفسها حديثة العهد تعود فقط إلى حوالي قرن من الزمان”[3].

البحث في تكوين وتطور الأمة الجزائرية، يأتي أولا وقبل كل شيء كما بيَّن غي برفيليي من “مرجعية الانتماء إلى الشعب الجزائري[4]، وثانيا تبعا لطبيعة علاقة المركز بالجماعات الاجتماعية والعقد مؤسس للدولة الجزائرية تبعا للنداء الموجه للقوة العثمانية ومواجهة خطر الاجتياح الأوروبي في بعده القومي- الديني – التوسعي.

يتبع…

الدكتور / عبد السلام فيلالي

[1] – جاك باغنار، الدولة مغامرة غير أكيدة، ترجمة نورالدين اللباد، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2002، ص 46

[2] – أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية .1830-1900.الجزء الثاني. دار الغرب الإسلامي.بيروت .الطبعة الرابعة.1992 ، ص 72.

[3] – أبو القاسم سعد الله. أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، الجزء الأول، دار البصائر للنشر والتوزيع، الجزائر، طبعة خاصة 2007، ص 12.

[4] – المرجع السابق، ص 564.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى