page contents
أخبار الصحافةملفات

الإشهارُ التِّلفزيونِي.. الابتِذَال !

تغيبُ فيه الرِّسالةُ التِّجاريةُ والأخلاقِيةُ ويشَكّلُ خطرًا على قيمِ المُجتمع

يثير الإشهار عامة والإشهار التلفزيوني في الجزائر خاصة مجموعة من الإشكالات الأخلاقية والقيمية والقانونية، رغم أهميته الكبيرة في الدورة الاقتصادية والإستراتيجية على المستوى الثقافي.

إن ما يثير الغرابة هو الاتجاه نحو بثّ رسائل إشهارية مبتذلة عبر مختلف القنوات خلال شهر رمضان الجاري، ومضات إشهارية تفتقد الحدّ الأدنى من الإبداع الفني أو رسالة هادفة، على غرار ما هو حاصل مع سلسلة الإشهار الترويجي لشركة المتعامل في الهاتف النقال “جازي”، التي أثارت استياء قطاع واسع من المتلقين كونها “تافهة” بالأساس ولا تحترم ذوقه. وفيها كم هائل من العنف والإيحاءات المبتذلة.

والملاحظ للمشهد الإعلامي الجزائري، يسجل تنامي التدفقات الإشهارية والمثيرة للكثير من الجدل؛ ففي الكثير من الأحيان تكون الممارسة الإشهارية محل انتقادات كبيرة، فبين من يرى في الصناعة الإشهارية في الجزائر نزعا نحو العشوائية والابتعاد عن المنهجية العلمية في بناء الإستراتيجيات الاتصالية والاعتماد على البهرجة والاستثارات العاطفية التي توظف عادة الطفل والمرأة توظيفا عشوائيا وأحيانا غير عقلاني، يرى البعض أن الإشهارات التلفزيونية لا تحتكم إلى قواعد علمية واضحة تحترم المنافسة الأخلاقية بين المنتجات والخدمات من أجل إقناع الزبائن الحقيقيين أو الحاليين والمحتملين.

وبمناسبة الشبكة البرامجية الخاصة بشهر رمضان الكريم، يبث القائمون على المؤسسات الإعلامية حملات إشهارية دون دراسة حاجات ورغبات الجمهور وأذواقه، أو المنتجات المطلوبة في السوق، ليتم على أساسها ضبط خطة محكمة أو إستراتيجية لإعداد وصناعة المحتوى الإشهاري، فيصبح هذا الخطاب المشين الذي يصوغه هؤلاء في تصوير مشهد خيالي دراماتيكي للمنتوج لا يتماشى مع الواقع الراهن، ولا يغري الجمهور المستهلك ويفشل في استقطابه لاقتناء السلعة.

وكل هذه الممارسات تعود إلى وجود أزمة ضمير في التمرس، مما يجعل القائمين على المؤسسات التجارية والقائم على صناعة المحتوى الإشهاري يلجأ إلى طرق وأساليب ومناورات لتخذير عقول الجمهور والتأثير في مشاعره وأحاسيسه لاقتناء السلعة بغية تحقيق هدف ربحي لا غير؛ حيث عرف الإشهار تحولات كبيرة على مرِّ المراحل التي مرت بها الجزائر، لاسيما الانتقال من مرحلة الاقتصاد الموجه في إطار الاشتراكية إلى الانفتاح السياسي والاقتصادي والإعلامي بعد تسعينيات القرن الماضي، غير أنه من المفارقات الكبيرة الإبقاء على احتكار السلطة السياسية للإشهار في الجزائر وبالتالي عدم مواكبته للتحول السياسي والاقتصادي وكذا الإعلامي للبلاد.

كما يعاني قطاع الإشهار في الجزائر من استمرار حالات الفراغ القانوني وعدم توصل الحكومات المختلفة إلى إقرار قانون واضح للإشهار يساهم في تنشيط الحياة الاقتصادية بما يتلاءم والبيئة الثقافية الجزائرية، واستمر هذا الوضع حتى بعد إقرار مشاريع إصلاح الإصلاحات السياسية والإعلامية منذ 2010، وبالرغم من صدور قانون جديد للإعلام سنة 2012 وصدور القانون الخاص بالنشاط السمعي البصري 2014، إلا أن قطاع الإشهار بقي يتخبط في دوامة من الفراغ القانوني والفوضى الوظيفية.

وينتقد خبراء في المجال طريقة تعامل الدولة وتسييرها لهذا المورد الحيوي المهم، ويعتبره البعض كسلاح لاحتواء الفضاء الإعلامي والأكثر من ذلك يعتبر الكثير من الملاحظين استمرار احتكار الدولة للإشهار المؤسساتي والعمومي كخيار سياسي له تداعيات كثيرة ويمكن أن تكون خطيرة على المستويات الثقافية والاجتماعية.

فكيف يرى خبراء المجال إلى المستوى الفكري والفني المنبثق من الإشهارات التي تبث على مستوى مختلف القنوات التلفزيونية الجزائرية، خصوصا خلال شهر رمضان الجاري؟ وما رأيهم في الومضات الإشهارية الكثيرة المبتذلة والتي لا تحترم الأخلاقيات والذوق العام؟ هل غياب قانون خاص بالإشهار شجع على الترويج لإعلانات مضللة، ولا تناسب الذوق العام؟ وما هي الحلول المقترحة لمعالجة هذا الاختلال؟

منير بن دادي

الباحث في علوم الإعلام والاتصال، الدكتور نصر الدين مهداوي لـ”أخبار الوطن”:

“قنوات تبث إشهارات تفتقد القيم ومجردة من العقلانية والواقعية”

أكد الباحث في علوم الإعلام والاتصال الدكتور نصر الدين مهداوي أن “الإشهارات التي تبث اليوم عبر الفضائيات الجزائرية سطحية وعشوائية، كما أنها أصبحت مجردة من العقلانية والواقعية، وتغيب عنها القيم والثوابت التي تعد معايير أساسية لصناعة المحتوى الإشهاري الهادف، ليقدم خدمة عمومية للجمهور المستهلك”.

وأشار مهداوي إلى أن “الرسالة الإشهارية أصبح يسودها كل ما يشجع على الرداءة والدناءة والتفاهة التي أصبح الجمهور المستهلك يستهزئ بها ويشمئز لما تروّجه من سموم لأبنائنا وأطفالنا بل كل فئات الجمهور المستهدف”.

وأرجع الباحث في علوم الإعلام والاتصال الأسباب إلى “غياب التقاليد الإشهارية الإعلامية في الجزائر، وصعوبة إدراك الدوافع النفسية والاجتماعية للمستهلكين، وتحديد الهدف في الحملة الإشهارية، مع عدم وجود متخصصين في الإشهار مما ينعكس سلبا على الرسائل الإشهارية التي أصبحت تقتصر على السطحية والعشوائية”.

وتساءل الدكتور في الأخير عن “ما محل سلطة الضبط السمعي البصري من الإعراب، والتي من المفترض أن تفرض الرقابة على سوق الإشهار في الجزائر، وتضبط كيفية وآليات تنظيمه وممارسته حتى يحترم مشاعر الجمهور ويراعي القيم والعادات السائدة في المجتمع”.

منير بن دادي

المخرج أسامة الراعي لـ “أخبار الوطن”:

” الإشهارات المتعلقة بالأدوية والمواد الصيدلانية خطيرة جدا”

كشف المخرج أسامة الراعي أن “ظاهرة الإشهارات المتعلقة بالأدوية والمواد الصيدلانية، والتي انتشرت مؤخرا عبر القنوات التلفزيونية الجزائرية خلال السنتين الأخيرتين عجيبة وخطيرة جداً، حيث أصبح التلفزيون يروّج للأدوية الطبية مباشرة، والموجهة للمستهلك النهائي أو المواطن العادي، لتعرض عليه الومضة الإشهارية المنتوج الطبي وتحثه على استعماله إذا كان يعاني من أعراض معينة”.

ويرى أسامة الراعي أنه “أصبح من الضروري على سلطة الضبط السمعي بصري التدخل عاجلا من أجل الحد من مثل هذه الإشهارت الخطيرة التي تمس بصحة المواطن، ووجب – حسبه- إيقافها عاجلا وبتعليمة مباشرة”.

من جانب آخر، يرى المخرج السينمائي أسامة الراعي أن “الإشهار التلفزيوني في الجزائر يلاحظ فيه التحسن من ناحية المستويين التقني والفني، مقارنة بالأعوام السابقة، غير أنه من ناحية الأفكار بقيت الإشهارات تقليدية ومستهلكة، وخالية من الإبداع”.

وفي السياق ذاته،  أعاد المتحدث الأسباب المباشرة إلى “وجود خوف من الجديد لدى صاحب العلامة والمنتج أو وكالة الاتصال المشرفة على إنجاز العمل الإشهاري، حيث يخشى هؤلاء من عدم استيعاب الجمهور فكرتهم الإبداعية المجسدة في الومضة الإشهارية المعروضة”، واعتبر أن “الكارثة الكبرى في مجال الإشهار هي في الإشهارات المسروقة حرفيا، وتكون السرقة مباشرة من دعايات أجنبية أو عربية، وفي الوقت نفسه هي ذات مستوى ضعيف”.

وعن الإشهارات المضللة، أفصح الأستاذ بأنها لا تتعلق فقط بالجزائر، وإنما هي إشكالية عالمية قديمة.

منير بن دادي

الإعلامي والمدرب في صناعة المحتوى، علاء الدين عشور:

إشهار “EL VIS” الذي تعرضه شركة جيزي، هو استعراض بصري خالي من الإبداع

يرى الإعلامي علاء الدين عشور أن ما جاء به إشهار “EL VIS” الذي تعرضه شركة جيزي خلال شهر رمضان على مختلف القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية هو “استعراض بصري خالي من الإبداع الذي يجعل المنتج حاضراُ في ذهن المستهلك”.

وأشار الباحث في مجال الاعلام الرقمي في اتصال ربطه بشبكة “أخبار الوطن” أن مؤسسة “جيزي” تسرعت في إطلاق الإشهار قبل أن تدرس الدوافع والاحتياجات الفعلية التي يمكن أن تحقق تفاعل أكبر مع الإشهار”.

وقال المتحدث “ما تقدمه مؤسسة جيزي من خدمة جديدة “DJEZZY APP” يدخل ضمن الإشهار الاستهلاكي الذي يقوم على تقديم الخدمة من أجل دفع المتلقي للاقتناع”، وأضاف بأن “الشعار الذي اختارته المؤسسة “إقضي على اللقية” له دلالات متعددة فكان من الأصح استعمال مصطلحات أكثر تداولا”.

من جهة أخرى، يرى المدرب في صناعة المحتوى، بأنه “كان من الأجدر بالتلفزيون الرسمي أو حتى القنوات الخاصة أن تراعي المسؤولية الاجتماعية تجاه الإشهارات التي تبثها وتروج لها، وأن تقوم بصبر آراء دوري لتقييم ما يبث عبر الشاشة لأن كل ما يبث عبر وسائل الإعلام سينتج ثقافة مجتمعية سلبية كانت أو إيجابية”.

منير بن دادي

الناقد السينمائي والإعلامي نبيل حاجي لـ”أخبار الوطن”:

“أغلب الومضات الإشهارية التلفزيونية تافهة!”

اعتبر الناقد السينمائي والإعلامي نبيل حاجي مضامين الومضات الإشهارية التي تُبث في القنوات التلفزيونية الخاصة “تافهة”، و”ذات محتوى رديء وركيك”، وتفتقر إلى الجانب الإبداعي والجمالي، مشيرا إلى أن غياب قانون خاص بالإشهار شجع على ترويج هذه الإعلانات على حساب الذوق العام والأخلاق.

وأوضح الناقد السينمائي نبيل حاجي، في تصريح لـ”أخبار الوطن”، أن ” قطاع الإشهار في القنوات التلفزيونية الجزائرية خاصة القنوات الخاصة يعيش “فوضى عارمة” جراء غياب قوانين تُنظم وتؤطر هذا القطاع الحساس والاستراتيجي.

وتأسف نبيل حاجي قائلا ” أغلب الومضات الإشهارية فارغة المحتوى وتعتمد على الإغراء في جذب المشاهدين، ولأن من يقوم بإعدادها لا يملك تصورا جماليا وإبداعيا ولا حتى المضمون”، متسائلا في الوقت ذاته ” من ينتج هذه الومضات الإشهارية التي تدخل بيوتنا عنوة”.

وأضاف المتحدث أن” أصحاب القنوات التلفزيونية شاركوا في ترويج هذه الإشهارات الهابطة والتافهة في سبيل حصولهم على عائدات مالية معتبرة، على حساب الذوق العام والأخلاق”. واستغرب محدثنا “عدم استغلال هذه القنوات التلفزيونية عائدات الإشهار في ترقية العمل الإعلامي وتحسين نوعية البرامج في ظل غياب عمل مؤطر ومدروس لهذا المجال الاستراتيجي الذي قد يمكن القنوات من تحقيق قفزة نوعية لتحسين جودة ونوعية وأداء البرامج”.

ودعا الناقد إلى”ضرورة تدخل سلطة الضبط السمعي البصري سريعا من أجل تشديد الرقابة على الومضات الإشهارية التي تغيب فيها الضوابط الأخلاقية، ومن غير المعقول أن يروجوا لمنتوج معين على حساب الأخلاق والأعراف والضوابط المتعارف عليها”.

أسماء بوصبيع

المتخصص في علم الاجتماع البروفسور يحيى شريف لـ”أخبار الوطن”:

“ومضات تحمل رسائل مشفّرة خطيرة على الشباب!”

أكد المتخصص في علم الاجتماع البروفسور يحيى شريف أن ” بعض الومضات الإشهارية التي تُعرض في القنوات التلفزيونية تحمل رسائل مشفرة ذات أبعاد خطيرة على المجتمع، ولأن أغلبها تتضمن رسائل مفتعلة ومقصودة لأهداف معينة”.

وأوضح المتخصص في علم الاجتماع،  الباحث يحيى شريف خلال حديثه مع “أخبار الوطن”، أن “منتجي الومضات الإشهارية استخدموا النسيج المتشابك الإغرائي لتغطية مزيج متشابك من المصالح والأفكار من أجل تحقيق أهداف معينة”.

وأضاف “الرسائل الإشهارية تلعب دورا كبيرا في تغيير العادات من خلال خلق نمط معين في السلوك والملبس والتذوق وعادات الطعام وما إلى ذلك، غير أن مضامين الومضات الإشهارية التي تعرض حاليا لا تحترم الأخلاقيات ولا العادات والأعراف، فظاهره يتجه نحو تسويق المنتوجات وباطنه يرتكز على تغيير هائل في القيم والأخلاق، حيث يستخدم الإشهار القيم كمثيرات إشهارية يتم من خلالها التأثير على المستهلك بشكل سلبي معادي”.

ويرى الباحث أن “هناك أقلية المسيطرة تسعى من خلال منحها “الشكارة” للوسائل الإعلامية للسيطرة عليها وعلى عقل المشاهدين بشكل خاص لزرع أفكار تحريضية تؤثر من خلالها على الشباب”.

أسماء بوصبيع

الإعلامي أحسن خلاص لـ”أخبار الوطن”:

“الأزمات المالية التي تمر بها القنوات دفعتهم إلى قبول جميع العروض الإشهارية”

يرى الإعلامي والمتخصص في علم الاجتماع أحسن خلاص  أن”الأزمات المالية التي تمر بها القنوات التلفزيونية دفعتهم إلى قبول جميع العروض دون استثناء، في الوقت الذي تغيّب فيه جهاز سلطة الضبط السمعي البصري.

وأوضح الإعلامي أحسن خلاص، خلال حديثه مع  “أخبار الوطن”،  أن “القنوات التلفزيونية الخاصة تعاني أزمات مالية تجعلها تقبل بأي عرض كان في مجال الإشهار، ما يجعل الرقابة آخر اهتماماتها، كما أن الإشهار مسألة عرض وطلب ونجاحه مرتبط بانعكاسه على مردود المؤسسة وارتفاع رقم أعمالها”.

وأضاف محدثنا يقول: ” ثم إن الكثير من الومضات تشترك في استقدامها منتجو البرامج كرعاية للمنتوج لذا لا تتحمل القنوات مسؤولية نوعيتها وأخلاقيتها، الأمر الذي خلق فوضى عارمة نتيجة عن تقاعس سلطة ضبط السمعي البصري وغياب قانون خاص بالإشهار”.

أسماء بوصبيع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى