page contents
أقلام الوطن

الانتقال الديمقراطي في المنطقة المغاربية: حالة موريتانيا

مقدمة :

المنطقة المغاربية فضاء حيوي و منطقة جيو استراتيجية في المتوسط و في العالم و ما يجري بداخلها محل مراقبة و متابعة من الدول المؤثرة في صناعة القرار الدولي و في القدرة على النفوذ . من جانب آخر فالشعوب المغاربية طواقة بطبيعتها  للحرية و الديمقراطية و ادارة شؤونها المحلية بطريقة تشاركية  و بالتالي  يصبح النظام الديمقراطي للحكم مبتغى تسعى شعوب المنطقة لتحقيقه و يصبح مسار الانتقال الديمقراطي ممهدا قبل المرحلة الأخيرة منه ألا و هي مرحلة الترسيخ الديمقراطي  la consolidation démocratique التي تعني القطع النهائي مع الحكم المتفرد بترسيخ دولة المؤسسات .

ضمن هذا التصور نتساءل عن مسارالانتقال السياسي و  الانتقال الديمقراطي في المنطقة المغاربية : الحالة الموريتانية (بعد تعرضنا للحالة الجزائرية ، التونسية ،  المغربية و الليبية  في أعداد آنفة )  ؟ عن الجذور التاريخية  الممهدة و عن أهم المحطات التي اجتازها  ؟   و أخيرا نتساءل عن أهم العقبات التي تجتاز هذا المسار في موريتانيا  و مآلات هذا المسار ؟

أولا : سوسيولوجية المجتمع الموريتاني :

يتشكل المجتمع الموريتاني ( بلاد شنقيط ، صحراء الملثمين ، بلاد لمتونة ،  بلاد البيضان مقابل بلاد السودان الواقعة بجنوبها وبلاد أنبية مسميات موريتانيا قديما التي تعني بلاد المور أي سمر البشرة   ) من مكون عربي زنجي أمازيغي حيث يتشكل من اثنيات متعددة تتصدرها ديمغرافيا مجموعة البيضان المشكلة من العنصر العربي و الأمازيغي  ، العنصر العربي  يمثل نسبة   50 %و هم من العرب الذين هاجروا إلى موريتانيا ابتداء من القرن الثالث عشر ميلادي على فترات مختلفة و يتصدر هذا العنصر الفئة الحسانية و تشترك في قيم الاسلام ، اللغة العربية  و تتركز غالبيتها في المناطق القروية المستقرة اضافة إلى المناطق الحضرية في أهم المدن الموريتانية   و تملك القوة المادية التي من بينها القوة الدفاعية  ثم تليها فئة أهل الزوايا  الذين يحتكرون سلطة العلم في المجتمع الموريتاني أكثر من بقية المكونات و التي ترجع أصولها إلى صنهاجة . العنصر الأمازيغي و تحديدا  المرابطون (التي تشكلت كحركة بموريتانيا في القرن الحادي عشر ميلادي ) في مجموعة البيضان أو مجتمع المور   يمثل15%من مجموع السكان و هي مشكلة من  قبائلصنهاجة( التي بدأت هجرتها إلى موريتانيا في الألفية الأولى قبل الميلاد و التي سيطرت على السكان الزنوج ). المجموعة الثانية هي المجموعة الزنجية بنسبة   35%   من مجموع السكان تتصدرها فئة الهاليولار التي تسمى أيضا التكلور و تتصدر هذه الفئة التوربي التي تتمتع بوضع اقتصادي أبرز و تملك سلطة المعرفة أيضا  في هذه المجموعة و التي تمتهن في غالبيتها  الصيد و رعي المواشي . منذ القرن السابع عشر تتصدر الفئة الحسانية المشهد السياسي الموريتاني لما  لها من  أسبقية تاريخية في تأسيس الدولة المركزية المورتانية و لما لها أيضا من قوة ديمغرافية بدأت في التراجع تدريجيا مقارنة مع التزايد الديمغرافي للمجموعة الزنجية . الفئة الحسانية المعروفة بالمحاربين  و التي أسست أربع امارات سيطرت على البلد قبل دخول المستعمرو فرض الحماية عام 1905و هي امارتي النهر : الترارزة و البراكنة أضافة إلى امارة أولاد يحي بن عثمان و امارة أولاد مبارك  .

هذه الاثنيات تتصارع في ما بينها في المعترك السياسي كلما حانت الاستحقاقات السياسية و لا سيما بين مجموعة البيضان و المجموعة الزنجية التي أصبح دورها يتعاظم تدريجيا و لكن الصراع امتد  أيضا إلى داخل مكونات المجموعة الاثنية الواحدة (بين المحاربين و أهل الزوايا مثلا ). نشير إلى فئة الرقيق أو العبيد  المتواجدة بالمجموعتين تاريخيا ( الحراطين في مجموعة البيضان و العبيد في المجموعة الزنجية الذين يطلق عليهم ماتينبي  و بعد تحررهم غالونكي ) و رغم  إلغاء نظام الرق عام 1981 و تجريمه لاحقا عام 2015  بقيت هذه الفئة تعاني من وضعية الهشاشة .الملاحظ أيضا  الدعم الفرنسي للمجموعة الزنجية لفرض اللغةو الثقافة  الفرنسية داخل المجتمع الموريتاني  و هذا ما يؤجج الصراع الداخلي الموريتاني . هذا المجتمع الذي تميزه العقلية البدوية حتى في الفضاءات الحضرية و  التي ارتبطت بنمط المعيشة الرعوي و بالبنى التراتبية التقليدية .

و بمعنى آخر تحكم المجتمع الموريتاني الرباعية التالية : القبيلة ، البداوة ، الاسلام و العربية  و مجمل التحالفات السياسية تتحكم فيها هذه الرباعية مع الاشارة إلى امكانية  الحراك  لا الغلق الفئوي الطبقي الذي أصبح يميز الحياة السياسية  و الاقتصادية الموريتانية .

ثانيا : أهم محطات الانتقال السياسي في موريتانيا   :

مرت التجربة السياسية الموريتانية بعدة محطات بعد الاستقلال الوطني و نميز مرحلة الحزب الواحد الذي طبع الحياة السياسية في موريتانيا 1961/1978 ، مرحلة الأنظمة العسكرية ذات التوجه الشمولي 1978/1991 ، مرحلة التعددية الشكلية التي يسيطر عليها حزب الفرد الحاكم 1991/2005( الرئيس معاوية  ولد سيدي أحمد الطايع تفرد بالحكم تحت غطاء حزبه المهيمن : الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي P.R.D.S و الذي حكم مورتانيا من 1984إلى غاية 2005 ، خريج سان سير العسكرية  و هو من ولاية الترارزة ) ضمن دستور 1991 الذي نص على التعددية الحزبية  ،  مرحلة انتقالية  2005/ 2007 بعد انقلاب عسكري أبيض قادها  العقيد  اعلي ولد محمد فال على الرئيس ولد الطايع في 3 أوت  2005( و الذي ترأس في هذه الفترة الانتقالية المجلس العسكري للعدالة و الديمقراطية الذي ضم 18 عقيدا ) ، مرحلة الرئيس المنتخب في أول انتخابات حرة في البلاد  سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله و الذي حكم من19  أفريل 2005 إلى غاية 06أوت 2008 نهاية حكمه بعد انقلاب من قادة الجيش .و يعد أول رئيس مدني حكم البلاد و هو الرئيس السابع لموريتانيا (  و هو من قرية لمدن التابعة لمقاطعة ألاك في  ولاية البراكنة ). الحركة الانقلابية تزعمها الجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي عزل  من الرئيس المنتخب بسبب تدخله مع قادة عسكريين آخرين في الشأن السياسي للبلد ( الانقلابي الجديد هو سادس عسكري يحكم البلاد و هو ابن عم الانقلابي السابق العقيد اعلي ولد محمد فال تخرجا  الاثنين من الأكاديمية الملكية  العسكرية بمكناس  ) و هي المرحلة التي امتدت من 5 أوت 2009 إلى غاية أول أوت 2019 بعد تنحيه عن الحكم  بعد الانقلاب ليتولى با مامادو امباري  رئيس مجلس الشيوخ الموريتاني رئاسة المجلس الأعلى للدولة  و تشرف  المعارضة على تنظيم الانتخابات الرئاسية التي فازبها من الدور الأول بنسبة 52.58% في ظل اعتراض المعارضة و عدم اعترافها بنتائج الانتخابات .

ثم تلتها المرحلة من أوت 2019 إلى غاية اليوم برئاسة محمد ولد الغزواني بعد اجراء الانتخابات الرئاسية في 22 جويلية 2019  ( آخر منصب له كان وزير دفاع ولد عبد العزيز إلى غاية مارس  2019 أين تشاركا الاثنين  في الانقلاب على سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله .   و هو من عائلة صوفية له ماجستير في العلوم العسكرية و الادارية من الأردن و تكوين قاعدي بالأكاديمية الملكية العسكرية بمكناس ) . و كان الرئيس الجديد مدعوما من الحزب الحاكم ذو الأغلبية البرلمانية  حزب الاتحاد من أجل الجمهورية (و هو  حزب الرئيس السابق  ولد الطايع  الذي أسسه عام 2009) .

الملاحظ أنه منذ الاستقلال إلى اليوم تعاقب على موريتانيا عشرة رؤساء اثنان فقط مدنيان .

الملاحظ أيضا  أن العلاقة بين الرئيس الجديد و القديم سرعان ما توترت لرغبة ولد عبدالعزيز لعب دورا أساسيا باستخدام ورقة الحزب الحاكم و بدعم اماراتي له فهو رجلها في المنطقة كما تصفه قوى المعارضة . علما أن الرئيس السابق قد اتهم من لجنة التحقيق في قضايا الفساد ( و هي لجنة  برلمانية  ) مع مجموعة من مقربيه و هم وزراء سابقون دون ادانة إلى غاية اليوم .

ثالثا : اكراهات الانتقال الديمقراطي في موريتانيا و تقييم عام :

الانتقال السياسي في موريتانيا لم ينتج لليوم مسارا حقيقيا للانتقال الديمقرطي لعدة عوامل أهمها تدخل مؤسسة الجيش في الحياة السياسية ، البنية التقليدية للمجتمع الموريتاني المبنية على الذهنية البدوية و القبلية عموما  مما يجعل من مؤسسات الدولة غنيمة أمام كل طرف بدل أن تكون وسائل موضوعية لتنمية اجتماعية و اقتصادية  شاملة ،  هشاشة الاقتصاد الموريتاني مما يكبح من عملية الانطلاق في مسار انتقال ديمقراطي حقيقي.

و ما يلفت الانتباه هو سعي الطبقة السياسية الموريتانية متمثلة في الأحزاب السياسية بضرورة اجراء حوار وطني شامل حول آليات تفعيل الانتقال الديمقراطي في موريتانيا في ظل نظام سياسي تعددي حقيقة و ليس شكليا  فقط . و يبقى نجاح هذه التجربة في موريتانيا هو نجاح أيضا لمجتمعات المنطقة المغاربية برمتها لما سوف يكون لها من ارتداد على بقية التجارب المغاربية في مسألة الانتقال الديمقراطي الذي يضمن التنمية الشاملة للمجتمعات المغاربية قاطبة. 

الأستاذ فؤاد منصوري – جامعة عنابة

[email protected]

للمقال مراجع.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى