page contents
نقاشات الدستور

البروفيسور ندير عميرش: مُسوّدَة الدّستورِ لم تُوفَّق في تَحديدِ مَعالمِ النّظام السِّياسيّ

أكد البروفيسور ندير عميرش أستاذ التعليم العالي في القانون الدستوري بكلية الحقوق بجامعة الأخوة “منتوري قسنطينة 1″، ومحامٍ معتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة ورئيس المجلس الشعبي الولائي سابقا بقسنطينة، أن مسوّدة المشروع التمهيدي لتعديل الدستور لم توفق في تحديد النظام الرئاسي في الجزائر وهو النظام شبه الرئاسي بحيث لم تحدد جميع أسسه وأركانه، خصوصا مع وجود نائب الرئيس وثنائية السلطة التنفيذية، كما أن المسوّدة لم تحدث التعايش بين السلطتين التشريعية والرئاسية.

حاورته: خديجة بن دالي

نرحب بك بروفيسور في رحاب نقاشات الدّستور على مستوى شبكة “أخبار الوطن” الجزائرية! بدايةً، كثُر الحديث عن طبيعة النظام السياسي في الجزائر، باعتباره بطاقة هوية لأيّ دولة كونها تحدّد كيفية تسيير مختلف السلطات، هل نجحت مسوّدة المشروع التمهيدي لتعديل الدستور في تحديد طبيعة النظام السياسي في الجزائر؟

أنا أشاطر لجنة الخبراء عندما ذكرت أن النظام الأنسب للجزائر هو النظام شبه الرئاسي، لكن للأسف لم نلمس كافة أركان وأسس هذا النظام في مسوّدة الدستور. فمن بين الأسس الموجودة رئيس منتخب يملك سلطة تنفيذية خاصة به، ورئيس حكومة أي أننا أمام ثنائية السلطة التنفيذية ورئيس الحكومة لديه سلطة تنفيذية خاص به وبرنامج عمل الحكومة حتى تقام المسؤولية السياسية، لكن يجب أن يكون رئيس الحكومة من الأغلبية البرلمانية أو بموافقتها، فبحسب المادة 95 في المسوّدة الفقرة 7 يعيّن رئيس الجمهورية رئيس الحكومة بعد استشارة الأغلبية البرلمانية وينهي مهامه.

وهنا يوجد غموض ولبس، هنا أتساءل هل من ملامح النظام شبه الرئاسي الذي يجمع بين البرلماني والرئاسي تبعا لخصائص المجتمع، أن يعين رئيس الجمهورية رئيس الحكومة، الأصح هو أن يعين رئيس الحكومة من الأغلبية البرلمانية وبموافقتها، أيضا هناك قيود على السلطة التشريعية والرقابية بالإضافة إلى السلطة القضائية غير المستقلة في ظل بقاء الرئيس على رأس المجلس الأعلى للقضاء.

وأتساءل عن جدوى استحداث منصب نائب الرئيس في ظل وجود رئيس الحكومة وتوسيع صلاحياته وبالتالي ثلاثية السلطة التنفيذية فوجود منصب نائب الرئيس يتعارض مع النظام شبه الرئاسي.

فلجنة تعديل الدستور ركزت على الحقوق والحريات وأولته خمس التعديل لكن ضمان ممارسة الحقوق والحريات هو طبيعة النظام السياسي والفصل بين السلطات، فطبيعة النظام ما تزال تدور في حلقة مفرغة فهو نظام هجين وغير واضح وجب توضيحه ووضع معالم واضحة له وهو ما يتماشى مع دستور الجمهورية الجديدة.

إلى أي مدى وُفّقت مسوّدة المشروع التمهيدي للدستور في تحقيق التعايش بين السلطة التشريعية والرئاسة على وجه الخصوص، حسب ما يقتضيه النظام شبه رئاسي؟

أتوقع حدوث خلاف بين الأغلبية البرلمانية والرئاسة فالأغلبية البرلمانية في النظام شبه الرئاسي متعارضة مع الرئاسة، فالدول التي تبنت النظام شبه الرئاسي وضعت آلية لمنع المنازعات وهي إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في نفس السنة، من أجل تمكين الشعب من تقديم صوته مرة واحدة فقط، وبالتالي لا يوجد تصادم ويخلق أغلبية موحدة ولها نفس التوجه.

عذرا عن المقاطعة، لكن ما مدى نجاعة هذا في ظل الطبقة السياسية الحالية الموجودة بالجزائر؟

سيكون هناك تغيير جذري خصوصا وأن الحراك رفض الأحزاب السياسية القائمة، بحيث سيكون هناك تغيير في الطبيعة السياسية، خصوصا وأن الدستور سيقدم قوة للمجتمع المدني بترشيح قوائم مستقلة وإنشاء أحزاب جديدة، وبالتالي ستكون هناك فسيفساء في البرلمان القادم. كما أننا لن نجد أغلبية مطلقة في ظل غياب التحالفات الحزبية، وستبرز قوائم للشباب من خلال نظام “الكوطة”، وهناك أحزاب جديدة ظهرت بعد الحراك ستلفت الانتباه في مشاركتها.

وبالعودة للتعايش بين الأغلبيتين، فإن ذلك يتحقق بتوضيح المسوّدة لبرنامج الرئاسة والأغلبية البرلمانية لتحقيق التعاون والتوازن بين السلطة التشريعية والتنفيذية بتحقيق رقابة متبادلة بينهما. وكذا اعتماد آلية الانتخابات البرلمانية والتشريعية في السنة نفسها، مع تعيين رئيس الحكومة من الأغلبية البرلمانية ومن بين أساليب إحداث التعايش هو أن رئيس الحكومة لا يرأس فقط اجتماعات الحكومة وهو يرأس مجلس الوزراء أيضا والمبادرة بمشاريع قوانين يصادق عليها مجلس الوزراء قبل ذهابها للبرلمان وهي القوانين التي من شأنها إحداث التعايش.

كما أثمّن إضافة صلاحيات للمحكمة الدستورية والتي تبت في الخلافات بين المؤسسات الدستورية من خلال المادة 199 من مسوّدة الدستور، وهذا يدخل في إطار إحداث تعايش بين المؤسسات الدستورية خصوصا بين البرلمان والحكومة.

إلى أي مدى استطاعت لجنة الخبراء أن تكبحَ ما أسمته بالنظام الرّئاسي المُفرط ؟

لا نلاحظ استجابة لرغبة الرئيس في رسالة التكليف. وفي تصريحات إعلامية للرئيس صرّح أنه يرغب في تقليص صلاحياته لفائدة رئيس الحكومة وباقي السلطات من أجل توازنها. وحتى لا تبقى السلطة التنفيذية متغوّلة، وأنا أرى أن المسوّدة أضافت صلاحيات للرئيس بحيث يعيّن رئيس مجلس المحاسبة، المسيرين لسلطات الضبط، كما أنه ما يزال رئيس المجلس الأعلى للقضاء، أضف إلى هذا أنه ما زال الرئيس الأول للمحكمة العليا ورئيس مجلس الدولة. ونزعت المسوّدة فقط التشريع بالأوامر منها العطلة البرلمانية أما باقي الصلاحيات فمنحت لرئيس الحكومة وهي تقديم برنامج عمل الحكومة.

بعض الخبراء يقولون إنه توجد ثغرات في عملية التصريح بالممتلكات في مسوّدة الدستور، ما قولكم؟

من بين إيجابيات المسوّدة إنشاء السلطة العليا للوقاية من الفساد ومكافحته، غير أن التصريح بالممتلكات لا يقتصر على الموظفين السامين في الدولة أو المنتخبين، بل يجب أن يمتد إلى أسرهم منذ بداية ونهاية العهدة مع وضع آلية لما يترتب عن عدم التصريح بالممتلكات، فلا تنصيب في المنصب دون تصريح بالممتلكات ويحال على التحقيق في حالة رفضه للتصريح عند نهاية عهدته، كما أن قانون مكافحة الفساد يقول أن جرائم الأموال العامة تتقادم، وكل ما يتعلق بالمساس بالمال العام لا يجب أن يتقادم.

هذا مطلب من مطالب الحَراك، هل توجد ملامح أخرى لمطالب الحراك في مسوّدة الدستور؟

الشعب في الحراك طالب بتطبيق المادتين 7 و8 من الدستور، واللتين تقومان على أن أساس كل سلطة هو الشعب وهو مالك للسيادة ورفع شعار “لا انتخابات مع العصابات”، وقد تم دسترة السلطة الوطنية للانتخابات لكن تنظيمها تابع للقانون العضوي للانتخابات، من المفروض أن يتم تخصيص وإفراد قانون عضوي خاص بها، على اعتبار أن كافة السلطات لديها قانون عضوي.

كما اقترح أن تكون ميزانية خاصة بها، بحيث لا وجود لسلطة تتبع ماليا سلطة أخرى وذلك لضمان تنفيذ مهامها بصفة مستقلة خصوصا وأن المسوّدة قدمت لها مهام مهمة من تحضير، تنظيم وسير للانتخابات.

منصبُ نائبِ الرَّئيس يتعارضُ مع النّظامِ شِبه الرّئاسيِّ وأتوقعُ حدوثَ خلّافٍ بين الأغلبيةِ البَرلمانيةِ والرِّئاسيَّة ومن الضروري الإبقاءِ على شَرط الجِنسيّةِ الجَزائريةِ لتَولّي مناصبَ عُليا البروفيسور ندير عميرش

 

وحتى تكون السلطة القضائية مستقلة، أقترح أن يكون رئيس المجلس الأعلى للقضاء هو الرئيس الأول للمحكمة العليا، ويكون منتخبا من قضاة المحكمة العليا وهي أعلى جهة قضائية، وبهذه الصفة يترأس المجلس الأعلى للقضاء ويكون نائبه هو رئيس مجلس الدولة للأخذ بثنائية القضاء والقانون.

كما أثمّن القوانين التي أضيفت للمحكمة الدستورية، وأصبحت – بذلك – ذات طابع قضائي لكن تركيبتها يجب أن تخلق توازن بين السلطات من خلال التعيينات من مختلف السلطات منها التشريعية عن طريق انتخاب الأعضاء من طرف النواب، وبالتالي يجب أن تنتخب المحكمة الدستورية ممثليها.

بعض الوجوه الرسمية صرحت بأن بعض النقاشات انحرفت عن السّياق الحقيقي الذي جاءت من أجله، ما هو تعقيبكم على هذا التصريح ؟

يجب أن تعرف لجنة الخبراء أنها أمام تعديل عميق للدستور وليست أمام دستور تأسيسي، وبالتالي هناك مواد لم يتم تكليف اللجنة بمناقشتها من طرف رئيس الجمهورية لأنه مقيد بنص المادة 212 من الدستور، والتي تنص على عدم تعديل بعض مواد الدستور، وهو ما يعرف بالمواد الصماء منها المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري وهي الإسلام دين الدولة، العربية لغة وطنية رسمية واللغة الأمازيغية.

فحرية المعتقد يكفلها القانون، لكن وجب أن تكون هناك قيود والقيود لا تمس بثوابت الأمة والنظام العام. فالمادة 10 من القانون الفرنسي لحقوق الإنسان تنص على أن هناك حرية عبادة دون تمييز إذا كان الجهر بها لا يمس بالنظام العام، فلا بأس من حرية المعتقد لكن لا مجال للمساواة بين مختلف الأديان لأن الإسلام دين دولة.

وبالتالي، فالنقاش انحرف عن مساره بسبب فتح النقاش في أمور غير مسموح بها.

كما أقترح تعديل المادة 70 في مسوّدة الدستور والمادة 63 في دستور 2016، الخاصة بنزع القيد عن مزدوجي الجنسية وإمكانية تبوئهم مناصب عليا من منطلق المساواة بين المواطنين أمام القضاء، فكون الدول لا تستطيع تقديم مناصب سامية لمواطنين مزدوجي الجنسية حفاظا على استقلال البلاد وهو إعادة سيناريو الوزراء السابقين الهاربين من العدالة بعد حمايتهم من دول أخرى.

أخيرا، هل لديك اقتراحات أخرى، وكيف ترى مستقبل الحياة السياسية في الجزائر ؟

اقترح توسيع دائرة العضوية داخل المجلس الأعلى للقضاء لتشمل شركاء العدالة والمساهمين في العدالة مثل المحامين، غرفة وطنية للموثقين، الغرفة الوطنية للمحضرين القضائيين محافظي البيع بالمزايدة خبراء قضائيين ورؤساء أمناء الضبط. وأقترح أيضا زيادة فقرة للمادة رقم 3 المتعلقة باللغة العربية، وهي الفقرة التي كانت موجودة في دستور الرئيس الراحل هواري بومدين، وهي تعميم الاستعمال الرسمي للغة العربية على مستوى السلطات العامة للدولة والمرافق العمومية والمؤسسات الدستورية وحتى الإدارات العمومية.

وبالنسبة إلى اللغة الأمازيغية، اقترح تأجيل ترقيتها للمواد الصماء التي لا يشملها أي تغيير دستوري أقترح إرجاء البث فيها إلى غاية إنشاء المجمع الجزائري للغة الأمازيغية، حسب ما جاء في دستور السابق والذي لم يتم تجسيده إلى غاية الآن، وهو الذي يتكفل بدراسة اللغة وتوفير شروطها ومن بعدها اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي للموافقة عليها كلغة رسمية من عدمه.

وبالعودة لقضية التبويب داخل مسوّدة تعديل الدستور، اقترح العودة للتبويب القديم وسلطة تنفيذية تشريعية وقضائية باعتبارها مؤسسات تؤدي وظائف تابعة للسلطات وبالتالي التبويب لم يحترم الباب 3 لتنظيم السلطات مع وضع آليات لضمان تجسيد الأحكام الدستورية، عن طريق تجريم المساس بأحكام الدستور بعقوبات مشددة لضمان مبدأ سمو الدستور. كما أقترح ضم بعض الفقرات إلى مواد مع عدم ذكر بعض المواد التي تخص قانون العقوبات وقوانين أخرى وإدراج بيان 1 نوفمبر في ديباجة الدستور.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق