page contents
أقلام الوطن

البلبل مالك حداد

بقلم الدكتور السعيد بوطاجين

أعود إلى الكتابة عن مالك حداد (1927 ــ 1978) لأنّ له دينا عليّ كقارئ يشعر أنّ هناك تصفية مستمرة له، وخنقا معلنا، محاولة لمحوه من خارطة الشعر والسرد بمفاضلات بنت على الأيديولوجيات والانتماءات الكسيحة. ربما كان، إلى جانب مولود فرعون، الكاتب الأقلّ حظا من كلّ الكتاب المفرنسين، مع أنه من أرقاهم فنيا وفلسفيا وبلاغيا، ليس أفضلهم، لكنه استثناء على عدة مستويات تمّ إغفالها بتغليب الوهم والدعاية على الأكاديميات العارفة.

الترويج لعينات، دون أخرى، محض جعجعة  ذات منحى سياسي مبتذل، وهي إساءة للأخلاق الأدبية التي كان يجب أن تبني على المقاربات العلمية، وليس على مواقف الأفراد والعصبيات النقدية والاعلامية المتحكمة في القياس والترويج للمنجز، على حساب فنيته وأدبيته. أجد أنّ السياقات الحالية مناوئة للحقائق لأنها خردة متوارثة عن القبيلة التي تتحكم في مفاصل الإبداع، وفي التمثيل الدولي الذي غدا حكرا على أسماء ترغي وتزبد في كلّ الموضوعات والأجناس والتخصصات والمعارف.

مالك حداد ظاهرة إبداعية وموقف وفلسفة وعمق نادر، ونبل أيضا، وليس مجرد حكايات ومحكيات للاستهلاك الظرفي، وصخب لا ينتهي. كتب بلغة فرنسية ساحرة وشاعرية كحقوقي درسفي باريس، وكشاعر قوّض الاستعارة والتشبيه بشكل مثير يتعذر العثور عليه في النصوص المتكئة على الأرائك بانتظار المادحين والذين لا تكوين لهم ولا ذوق. “يجب أن نمنح العاطفة عقلا، والعقل عاطفة”. لقد راهن على هذه الرؤية بحثا عن الذات، بعيدا عن الاستلاب والأيديولوجيات التي ترغب في “تعليب الإنسان” وتقنينه في دوائر مغلقة تحدّ من الموهبة.

في الخامسة والثلاثين توقف عن الكتابة، كما فعل الشاعر أرتور رامبو قبل عقود. لقد قال آنذاك: “جاءت الحكمة وسجدت أمام ركبتيّ”. أمّا مالك حداد فقال في مطلع الستينيات :” الفرنسية منفاي، لذلك قررت أن أسكت”، ومع أنه أتقن الفرنسية كأهلها وأزيد، وكتب بها ما يشبه الهديل والزقزقة، فقد قرر أن يتوقف نهائيا، هو الذي اعتبر الثامن من مايو 1945 تاريخ ميلاده الفعلي لأنه اليوم الذي انتفضت فيه الأمة ضدّ المذلة.

أتذكر، بالمناسبة، ما قاله لي مستشار الرئيس، وعالم الاجتماع المكرّس عالميا، عبد القادر جغلول في جلسة بفندق ألبير الأول بعد لقاء مع الطاهر وطار: “إني أذهب إلى الأسواق لأتعلم العربية وأسماء الخضر والفواكه. أنا مفرنس عشت في فرنسا وكندا، لكني أعجبت بابني عندما طلب مني أن أشتري له سجادة للصلاة. كانت تلك أجمل هدية”. هناك مجاورة ما: البحث عن العلامات الصغيرة التي تربطك بدفيء التراب، أو بعرس الكلمة، رغم تجوالك في العواصم المضيئة بحثا عن قوس قزح.

وجدت هذه العلاقة بين الباحث والأديب عندما قمت بزيارة إلى عائلة مالك حداد في قسنطينة لأعرف بعض الجوانب الخفية من حياته. لقد قضى أواخر أيامه عليلا،مريضا بالسرطان، متوحدا في غرفة بحديقة البيت، يكتب ويمزق. كان قلقا من القصيدة والجملة السردية، ومن الوجود الغامض. لكنه ظل يوصي بالمحافظة على النواميس لتقوية الذات، وكان سعيدا بنقل رواية رصيف الأزهار لا يجيب إلى اللغة العربية التي لم يعرفها، الترجمة التي قام بها أستاذ علم النفس حنفي بن عيسى في 1965. لقد اعتبر ذلك انتصارا لهول إبداعاته، واستمرارا له في الكتابة، قبل أن يحاصر مرة أخرى وتضيع مخطوطاته.

يجب الاعتراف بأني رفضت عدة عروض لترجمة نصوص متنكرة لتاريخها. لكني كنت سعيدا عندما قمت بترجمة الانطباع الأخير مع رابطة كتاب الاختلاف ووزارة الثقافة، قبل أنتطبع ثانية في بيروت، أي قرابة أربعين سنة من تاريخ كتابتها، وتساءلت عن سبب التأخر، في الوقت الذي تترجم فيه أعمال متواضعة إلى عدة لغات عالمية كثيرة، أعمال أقلّ شأنا، وأقلّ نضجا وزادا، إن لم تكن المقارنة في غير محلها، أو كبيرة من الكبائر. لكنّ ذلك حاصل، بانتظار أن يتكلم التاريخ ويعيد ترتيب الأشياء ترتيا منطقيا بتدمير هذه الصورة المزيفة وإعادة قراءة مالك حداد وغيره قراءة موضوعية لا تحتكم إلى العلاقات في ظل انسحاب النقد وتبوّأ التزوير. هناك في الحقل الأدبي ما وجب أخذه بحذر، بعيدا عن الطنين والكذب، وهما سمتان غالبتان.

لقد انقطع مالك حداد عن الكتابة بالفرنسية بحثا عن نفسه، لكنه ظلّ يرافق الأصوات الجديدة لجيل من الكتاب الشباب في مجلة آمال بداية من 1969، ثم في طبعتها الجديدة سنة 1974، وفي جريدة النصر عندما كان مسؤولا عن الصفحات الثقافية والأدبية، أو في وزارة الثقافة أيام الرئيس هواري بومدين الذي كان يكنّ له احتراما استثنائيا، كما فعل مع كاتب ياسين، عكس ما يسوّق من خطابات مضللة، ومريضة بعدة أوبئة أيديولوجية ولسانية مرتبطة بالدوار والعرش.

يجب قراءة أعماله لمعرفة كم كان كبيرا ونظيفا وشاعرا وروائيا، بداية من ديوان الشقاء في خطر، مرورا بروايات: سأهبك غزالة، التلميذ والدرس، رصيف الأزهار لا يجيب، وأشعار اسمع وأناديك، وصولا إلى رواية الانطباع الأخير ونصوص الأصفار تراوح مكانها. الكتابان الأخيران عبارة عن مرآتين لمواقفه من قضايا كثيرة لا تزال مطروحة، وستبقى إن بقي العقل مغيبا تتحكم فيه العشيرة والأهواء. إنّ قراءته ستسقط من الذهن عشرات الأسماء الضاجة التي تكتب أيّ شيء، كما أنّ لغته الفرنسية ستكشف عن عبقرية في فهم العلامات والوطن والإنسان والانتماء، وعن كاتب يُقتل دائما لأنه كبير يزعج الأدعياء.

اظهر المزيد

‫2 تعليقات

  1. ٱحييك يا صديقي، ياسعيد، يا صاحب الضمير الحي. فقد ٱنصفت مالك حداد، وذكرت بعض مزاياه ومواقفه، ولمحت إلى حقائق عن بعض الأقلام التي لا تتحرك إلا بخلفيات ٱيديولووجية منحطة، ونوايا سيئة مسبقة، ولا تروج إلا لٱشباهها. ٱعتقد ٱنه آن الٱوان لإسقاط الأقنعة، وكشف ٱصحاب ٱوجه النفاق والتعصب العمر.

  2. جميل استاذ سعيد “إنّ قراءته ستسقط من الذهن عشرات الأسماء الضاجة التي تكتب أيّ شيء، كما أنّ لغته الفرنسية ستكشف عن عبقرية في فهم العلامات والوطن والإنسان والانتماء، وعن كاتب يُقتل دائما لأنه كبير يزعج الأدعياء”.
    له الرحمه والمغفرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى