page contents
أقلام الوطن

(التركيب) و(التفكيك) في فقه المجتمع والسياسة: أزمة فهم أم صعوبة إدراك؟

بأضدادها تعرف الأشياء ...

جيدور حاج بشير
أستاذ العلوم السياسية / جامعة غرداية

كنت عندما بدأت تلقي أولى دروسي كطالب في العلوم السياسية أشتاق في جملة ما أشتاق إليه إلى عبق فكري كنت أستخلصه لنفسي من “فيه” رجل تعلمت عليه أبجديات السياسة التي كنت أعشقها، المفارقة أنه كان أستاذي ولا يزال وكنت تلميذه وسأبقى رغم أنه لم يكن أبدا من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، كل كلام الرجل جميل ومؤثر، لكن أجمل ما كان يردده وأسمعه في معرض التفسير قوله: “بأضدادها تعرف الأشياء“، فكنت أتكئ إلى هذا القول ولا أزال كلما رأيت في “السياسة” اعوجاجا أو رمت فهم أفكار من يتولون تقويم سلوك “المجتمع” لما للعبارة من قوة، فإجلاء الغموض عن فكرة ما قد لا ينجح إلا إذا اتكأنا على فهم ضدها وما يعاكسها.

يقول المفكر “علي شريعتي” في كتابه (الحر إنسان) في معرض توجيهه لمن سماه بالبطل وهو القارئ أو الدارس ليستيقن ويتأكد: ( ولأجل أن يظهر التناقض والتضاد بين القطبين في أوّج حدته: بين الخير والشر، البشاعة والجمال، الحق والباطل، الاستقامة والزيغ، الرشاد والغيّ … عليه أن ينتقي لكل من القطبين أوفر وأنفذ وأعمق قوة يمثل بها مفاهيمه ويجسدها ويجسمها)… وعليه فإن اكتساب عنصري القوة في الفهم والعمق في الاستنباط قد لا يتأتى من دون استفتاء التضاد بين المصطلحات والمعاني حتى يكون فهمنا لسلوك (المجتمع) صحيحا وإدراكنا لواقع (السياسة) صائبا، وعلاقة التضاد بين مصطلحي (التركيب) و(التفكيك) قد تبدو الأنسب لقراءة الواقع وكسر الغموض.

التركيب والتفكيك في حركية المجتمع … بين الأصل والاستثناء:

إن الحراك المجتمعي الذي قاده الشعب بكل أطيافه بدء من 22 فبراير 2019 قد أسس لصورة (تركيبية) ذات أثر تفاؤلي وبمسحة جمالية ونسق اتحادي عناصرها: (التحام) بين أفراد الشعب كلهم و(اتحاد) في فكرة الكفر بتأليه الحاكمين و(التفاف) حول حق الشعب وحده في اختيار من يحكمه وكيف يحكمه، وأبانت ذات الصورة عن مخرجات “تركيبية” أيضا بإسقاط العهدة الخامسة وكل ما كان يتجرجر في ذيلها من معاني الاستمرارية وخلود صاحب الكرسي على كرسيه وأنماط التزلف والتملق التي طبعت النسق العام للحقبة البوتفليقية.

انطبعت (التركيبية) في مخيال رُسِم حديثا بالتأسيس باجتماع الأطياف كلها حول فكرة “المطلب” وشكل “التغيير” وتوقيت “الخروج” وزمن “الدخول”، وتوافق الركب كلهم على “رمزية مقدسة” ليوم الجمعة من طلوع الصوت (بتسليم الإمام) إلى غروب الوقت (بانقشاع الزحام).

في لحظة من الزمن … ظل الأمل معقودا على ناصية الخير ببقاء “الأثر التركيبي” الحامل لمفاهيم (التآلف) و(التراحم) و(التداخل) و(التكاثف) بين أطياف المجتمع وفئاته، فكنا نقرأ بشكل (تركيبي) صورة الطفل الذي يخرج مع أبيه يمشي في الحراك منتشيا لم يعد يخشى الصراخ وارتفاع الأصوات بعد أن كان مؤداها (تفكيكي) بهروب هذا (الحدث) من الأحداث وما فيها من جلبة وصراخ، وهو الراكن أبدا للهدوء والدعة، وصورة أخرى (تركيبية) بامتياز لمسيرات فيها “اتحاد” بين الذكور والإناث وقد باتوا مجتمعين على توافق بينهم كتوافق الزيتون والأعناب، وكانت من قبل (تفكيكية) كصورة “كر وفر” بين الحملان والذئاب.

وفي لحظة أخرى من ذات الزمن أخذ مؤشر (التفكيك) “يختال وئيدا” وأضحى (التركيب) يناله الوهن رويدا رويدا، بعد أن بدأ يعلو في سماء المجتمع صراع الأضداد، فباتت “تتسقّط” في أيدينا عبارات التخوين والعمالة والاستقواء بالخارج بعد أن كانت “تتساقط” بين أيدينا مباهج (الوحدة) ومناهج (الاتحاد)، فأصبح بعض الجزائري يخوّن أخاه (إذا سمع عنه) ما يأنفه منه، والأولى (أن يسمع منه) ما كان يألفه عنه، وقد كانا على مر الدهر إخوة أشقاء، وبات بعض الجزائري يرمي أخاه بالعمالة إذا كره أحدهما راية يلوّح بها (أخاه) أو وسوس شيطان أحدهما للآخر بسوء نية.

في السياسة: التركيب نظير الإتحاد والتفكيك يقابله التشتت:

لم تكن دروس الجغرافيا في المرحلة المتوسطة والثانوية تستهوي الكثيرين في جفاف الأرقام والنسب، وجداول المقارنة وأماكن تركز الصناعة وأشجار الزيتون والعنب، لكن الاستثناء كانت تصنعه الخرائط ورسومها والحدود وألوانها والمحيطات بزرقتها والجبال الراسيات لرغبة مكبوتة فينا بحب الاستطلاع وعشق القوة المكنونة فيها، ومن جملة الرسم الذي نرسمه كان رسم خريطة أوروبا مثلا، فكنا نرسمها بوجهين اثنين مقارنة: وجه (تفكيكي) قبل 1958 بمجموعة ألوان تفصل بينها خطوط داكنة، وكنا نخشى تداخل الألوان بين المساحات وكانت مشكلتنا دائمة بعدم كفاية الألوان لكل قطعة “أرض” على خريطة صماء، ووجه (تركيبي) بعد سنة 1958 مؤداه خريطة لكل أوروبا وقد أصبحت الألوان لونا واحدا وغدت الخطوط الداكنة المتصلة خطوطا دقيقة ومنفصلة، فتنطبع الصورة الثانية (لأوروبا المتحدة) أكثر سلاسة ورقة وحتى جمالا إذا قورنت بالصورة الأولى (لأوروبا المفككة)، ثم يتغذى “المخيال” الجديد الذي تكّون فينا بدروس موازية من “التاريخ” وفيها أرقام دقيقة ونسب وإحصائيات مقارنة بين أوروبا الأمس وأوروبا اليوم: (قوة مقابل ضعف، تمكين مقابل وهن، علو مقابل دنو)، ويتناغم درس في الفلسفة عن (مفهوم النزعة) مع دروس الجغرافيا والتاريخ، فنفهم أن هناك نزعة عندهم للتوحد ونبذ التشتت، فتقابل القوة والرفعة فينا معني (التركيب) ويكون (التفكيك) مرتبطا بالضعف والانكسار.

إننا نقف اليوم لنسأل أنفسنا إن كان الحق معنا أو علينا وقد جعلنا معيار (التركيب والتفكيك) حاكما فينا بالعدل والمنطق، فهل الحكمة في (تفكيك) قطع جغرافية من أرضنا وتقسيمها بين ساكنيها ولايات ودوائر وبلديات ومداشر، فقط إرضاء لنزعة جهوية أو تحقيقا لأحلام إثنية وإحقاقا لطموحات عرقية أو تجسيدا لوعود انتخابية لا تسمن ولا تغني من جوع، ونكون وقد أصبحنا بلدا فيه كذا وخمسون بلدا توّلد هذا من رحم ذاك وخرج الأول من جراب الثاني، أو أن نَركَن إلى (تركيب) وطننا على النحو الذي نعلوا فيه بتقارب أراضينا ونستشعر معه وحدة أمانينا، فإننا إذا عوّدنا أنفسنا أن نتقاسم ولاية وننشأ منها ولايتين ونبقي أسباب الاقتسام قائمة، فستنقسم كل ولاية في كل زمن إلى ولايتين تماما كما تنقسم البويضة قبل تشكّل الجنين، أما إذا عمدنا إلى الجمع بين عدد من الحيوز الجغرافية في حيز واحد فقد قاربنا بين سكانها وألّفنا بينهم وقربّنا الإدارة إلى ساكنيها وتألفنا بهم، ثم نصبح وقد منعنا الفرقة و(التفكيك) بواسطة الإتحاد عن طريق (التركيب).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق