page contents
الحدثملفات

الترّكَة المسمُومَة !

عقود ما قبل التشغيل

الجزائر – كلّف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، ماي المنقضي،  الحكومة بتسريع تسوية أوضاع أزيد من 400 ألف شاب من العاملين وفق صيغة “عقود ما قبل التشغيل”، في مختلف المؤسسات الإدارية والخدماتية والاقتصادية العمومية.

إعداد: عمار قردود

وأكّد الرئيس تبون، في رسالة وجّهها إلى العمال بمناسبة عيدهم، أنه كلّف الحكومة بدراسة أفضل الطرق للحفاظ على فرص العمل المتأثرة بجائحة “كوفيد-19″، موجهًا الحكومة إلى تسريع تسوية أوضاع هؤلاء.

وهذه العقود المعنية بالتسوية خُصَّ بها الشباب حامل الشهادات، وتتيح لهم اكتساب الخبرات المهنية في فترة تتولى خلالها الحكومة دفع جزء من أجورهم، على أن تتولّى المؤسسة التي وظّفتهم دفع البقية لفترة 3 سنوات، على أن يتم تثبيتهم في الوظيفة بعد ذلك، لكن الغالبية الساحقة منهم كانت محرومة من حق التوظيف الدائم.

وفي مطلع ديسمبر الماضي، صدر مرسوم تنفيذي في الجريدة الرسمية يحدد شروط وكيفيات إدماج الموظفين المستفيدين من جهاز المساعدة على الإدماج المهني، وجهاز الإدماج الاجتماعي للشباب حاملي الشهادات والموجه بالتحديد لما يعرف بـ “أصحاب عقود ما قبل التشغيل”.

وأوضح المرسوم أنه يجب على من سيستفيد من هذا القرار استيفاء الشروط القانونية الأساسية المطلوبة للتوظيف في الرتبة أو منصب الشغل المعني، على أن يتم إدماج المستفيدين من الجهازين لدى الإدارة المعنية بالإدماج في رتبة أو منصب يوافق شهادة أو تأهيل المستفيدين المعنيين عند تنصيبهم، بعد دراسة الملفات وفقًا للشروط والكيفيات المنصوص عليها في التنظيم المعمول به في التوظيف عن طريق المسابقة على أساس الشهادة.

ونصّ القانون على تأسيس لجنة مركزية، ولجان ولائية تُكلف بمتابعة تنفيذ عملية الإدماج، ودراسة الطعون المحتملة للمستفيدين المعنيين والبتّ في كل المسائل، مع وضع الاعتمادات المالية اللازمة للتكفل بالمستفيدين تحت تصرف الوزارة المكلفة بالتشغيل.

جراد: قرار تسوية وضع 400 ألف عامل قنبلة موقوتة زرعتها الحكومة السابقة

وكانت الحكومة السابقة بقيادة نور الدين بدوي قد اتخذت قراراً بتسوية أوضاع 400 ألف من هؤلاء في الوقت بدل الضائع من عمرها، لتجد الحكومة الحالية التي عيّنها الرئيس تبون، نفسها أمام هذا القرار الذي وصفه الوزير الأول عبد العزيز جراد بأنه “قنابل وألغام زرعتها الحكومة السابقة بنيّة خلق قلاقل اجتماعية”.

لكن حكومة جراد وجدت نفسها مجبرة على تنفيذ القرار تجنباً لمواجهة مشاكل اجتماعية، حيث كان وزير العمل والضمان الاجتماعي السابق، عاشق يوسف، قد أعلن أفريل الماضي في البرلمان، ترسيم 160 ألف شاب من العاملين بصيغة عقد ما قبل التشغيل، على أن يتمّ في مرحلة ثانية دمج 105 آلاف آخرين، ثم إلحاق 100 ألف آخرين في مرحلة ثالثة، قبل نهاية العام الجاري. لكن غادر الوزير عاشق حكومة جراد، وحتى الآن لا جديد يُذكر وما زاد في ضبابية الملف الذي تعهد الرئيس تبون بتسويته قبل نهاية 2020 هو وجود الوزارة المكلفة بتسوية هذا الملف الشائك دون وزير يُسيرها ويُعجل بحل المعضلة،  فضلًا عن الوضع الصحي الذي ألقى بظلاله على الملف وزاد من تأخير تسويته وتفاقم أوضاع حوالي نصف مليون شاب.

وكان الرئيس تبون قد أسدى تعليمات لوزارة العمل ومن خلفها المديرية العامة للوظيفة العمومية لإدماج جميع الموظفين في إطار صيغة الإدماج المهني،إذ كان من المقرر إدماج 160 ألف موظف كدفعة أولى قبل نهاية شهر مارس الماضي. فيما تدمج البقية قبل نهاية السنة الجارية.

هذا، ويعيش الموظفون في إطار عقود ما قبل التشغيل حالة ترقب منتظرين قرار ترسيمهم في مناصبهم، أو فتح مناصب مالية جديدة تضمهم، خاصة وأن وعود إدماج الدفعة الأولى قبل مارس المنصرم لم يتم الالتزام بها، مع العلم أن قانون المالية التكميلي لم يتطرق إلى وضعية هذه الفئة، بسبب عدم وجود ميزانية مالية لتسوية وضعيتهم.

والجدير بالذكر أن عدد العمال المشتغلين في إطار عقود ما قبل التشغيل يبلغ نحو نصف مليون عامل يتقاضون ما بين 8 آلاف و15 ألف دينار شهريًا أي أقل من الحد الأدنى من الأجر الوطني القاعدي “السميغ”.

إدماج نحو 150 ألف عامل في إطار عقود ما قبل التشغيل قريباً 

شرعت وزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، منذ مارس الماضي، في ترسيم أزيد من 150 ألف شاب ممن قضى 8 سنوات عمل في إطار ما قبل التشغيل. وذكر النائب البرلماني الطاهر شاوي أن اللجان الولائية المكلفة بالإدماج ستباشر اجتماعاتها قريباً، للمصادقة على الملفات المطروحة، وبإدماج هذه الحصة، سيتم التحضير للدفعة الثالثة التي سيتم ترسيمها بداية 2021.

  عمال عقود ما قبل التشغيل نظموا أكثر من 200 احتجاج سنة  2018، و90 احتجاجًا منذ مطلع 2020!

احتجاجات عمال ما قبل التشغيل تكاد لا تتوقف، إذ سجلت الجزائر في إحصاءات غير رسمية أكثر من 200 احتجاجاً منذ بداية 2018. ومنذ مطلع 2020،  تم تسجيل 90 احتجاج ولولا الجائحة التي وقفت عائقًا لكان العدد أكبر بكثير في ظل عدم إفراج الحكومة عن صيغ جديدة لضمان حقوق المعنيين.

عضو لجنة عمال عقود ما قبل التشغيل والشبكة الاجتماعية خليل بن علي:

هناك شباب لم تسوَ وضعياتهم منذ 20 سنة! 

قال عضو مسؤول باللجنة الوطنية لعمال عقود ما قبل التشغيل والشبكة الاجتماعية خليل بن علي،  في تصريح لــ”أخبار الوطن”، إن “قرار الحكومة بإدماج نحو نصف مليون عامل في إطار عقود ما قبل التشغيل كان مُبهمًا في آنه، بالنظر إلى أنه حدّد فئة واحدة ؛ وهي عقود ما قبل التشغيل، في وقت تطالب ثلاث شبكات متعاقدة بإدماج الفئة وتسوية وضعيتها العالقة لأكثر من 15 سنة”.

نحو 30 ألف موظف في عقود ما قبل التشغيل تم توقيفهم تعسفيًا قبل انقضاء فترة عقودهم المحددة بـ 03 سنوات 

وأضاف بن علي أن “هناك غموضًا كبيرًا يلف قرار الحكومة السابقة بخصوص المستفيدين منه واكتفائه بفئة واحدة “،مشيرًا إلى أن الحكومة ليست جادة في تسوية وضعية نصف مليون عامل يندرجون في إطار عقود ما قبل التشغيل، وهي التي سبق لها التعهد بإيجاد حلول لهذه المعضلة منذ 2008، لكن لا حياة لمن تنادي وبقي ملف الإدماج حبيس أدراج مكاتب المسؤولين والحكومات المتعاقبة”.

وفاة نحو 3360 عامل ضمن عقود ما قبل التشغيل دون إدماجهم ودون استفادتهم من التقاعد!

وأكد بن علي أن “نحو 30 ألف موظف تم توقيفهم تعسفا قبل انقضاء فترة عقودهم المحددة بـ 03 سنوات، بالرغم من إمضائهم على العقد المحدد بالفترة الزمنية، كما أنه تم إحصاء- وهو إحصاء غير رسمي – وفاة نحو 3360 عاملا يندرجون ضمن عقود ما قبل التشغيل دون إدماجهم ودون استفادتهم من التقاعد رغم استمرارهم في مناصب عملهم أزيد من 15 سنة”.

واعتبر بن علي “قرار تحديد اجتماع الحكومة للعاملين في الإدارة العمومية لـ 10 و15 سنة بالمُجحف والقاسي في حق عدد كبير من العمال الذين يزاولون نشاطهم منذ فترة أقل من السنوات المحددة.  ويؤكد مدى تخبط الحكومة واتخاذها قرارات عشوائية وغير مدروسة بالكيفية اللازمة”.

شباب عقود ما قبل التشغيل أصبحوا شيوخًا والصيغة ما تزال دون تسوية! 

وكشف بن علي – بكل حسرة – عن “وجود آلاف الشباب الذين يشتغلون ضمن عقود ما قبل التشغيل منذ ما بين 15 و20 سنة، أصبحوا شيوخًا ولم يتم تسوية وضعياتهم والمؤلم أن من بينهم من له أبناء تخرجوا من الجامعات وتحصلوا على مناصب شغل فيما آباءهم ما زالوا يُعانون”.

 وهدد بن علي بالخروج إلى الشارع والاحتجاج مع تصعيد اللهجة لتصل حد الإضراب قبل الاستفتاء الشعبي على الدستور في حال استمر ملف الإدماج مجمدًا أو يسير بوتيرة بطيئة وعدم تلبية جميع المطالب التي رفعوها،و هو القرار الذي كان مبرمجًا ولكن تم تعليقه بسبب وباء كورونا”.

رئيس مفتشية الوظيف العمومي بأم البواقي سابقا عبد الحق زبار:

تسوية ملف عقود ما قبل التشغيل قبل نهاية 2020 صعبة التحقيق

رئيس سابق لمفتشية الوظيف العمومي بأم البواقي أبدى عبد الحق زبار،  في تصريح لــ”أخبار الوطن”، عن “أسفه الشديد لتأخر الحكومة في إدماج 160 ألف موظف من حاملي عقود ما قبل التشغيل وهي العملية التي كانت مقررة قبل نهاية العام الجاري مثلما وعد رئيس الجمهورية. لكن، كل المؤشرات تدل أن ذلك صعب التحقيق بل ومستحيل ونحن على بعد 3 أشهر فقط عن نهاية 2020، لعدة أسباب منها الوضع الصحي جراء الجائحة والوضعية المالية للحكومة والإجراءات التنظيمية والإدارية”.

وأضاف زبار أن” الظروف الاقتصادية والصحية تسببت في تأخير هذه العملية التي انطلق فيها- أي الإدماج – منذ ديسمبر الماضي، ولكنها تسير بوتيرة بطيئة للغاية وهو ما جعل وضعية فئة كبيرة من الشباب، الذين أصبحوا شيبًا بسبب الفترات الزمنية التي قضوها في خدمة البلاد بصفة متعاقدين في إطار مختلف أجهزة التشغيل،معقدة جدًا ومزرية للغاية، بالرغم من أن الإدماج حق مكتسب ومشروع لكن الإشكال في تأخر تنفيذه”.

رئيس الجمعية الوطنية للشباب حاملي الشهادات محمد بولسينة:

تجميد مسابقات الوظيف العمومي إلى غاية إدماج نحو نصف مليون عامل ضروري 

حذّر رئيس الجمعية الوطنية للشباب، محمد بولسينة، من جهته، حاملي الشهادات في تصريح لــ”أخبار الوطن” من طغيان المحسوبية والوساطة في الإدماج المهني والاجتماعي الذي قررته حكومة بدوي السابقة، ووجدت حكومة جراد نفسها ملزمة بتطبيقه وإنجاحه،  ولاسيما ما تعلق بعديد المستفيدين القدامى من مختلف أجهزة دعم التشغيل، دون مزاولة مهامهم. إلى جانب مشكلة التضارب بين شرط إجبارية الإدماج وتوفير المناصب المالية”.

وتابع يقول إن ” الحكومة مُلزمة بإدماج نحو نصف مليون عامل ضمن عقود ما قبل التشغيل.  وبغض النظر عن الأوضاع المحيطة بتنفيذ عملية تسوية هذا الملف الشائك،  والذي لطالما استعملته الحكومات المتعاقبة كورقة سياسية وانتخابية رابحة، فإن الإدماج ليس منّة أو صدقة من الحكومة على هؤلاء المعنيين وإنما هو من أبسط الحقوق المشروعة لهم”.

صيغة عقود ما قبل التشغيل تهدف إلى الحدّ من البطالة في صفوف الجامعيّين 

وأضاف بولسينة أن “صيغة عقود ما قبل التشغيل تهدف إلى الحد من البطالة في صفوف المتخرجين من الجامعات، وقد زاد الطلب عليها بعدما قرر الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الدفع نحو اعتماد تسهيلات لتوظيف الشباب عقب احتجاجات جانفي2011، وهي قرارات ساهمت في تهدئة الشارع وامتصاص غضب الشباب الحاصلين على شهادات عليا بسبب البطالة، فضلاً عن فتح الباب للآلاف للاستثمار في مشاريع اقتصادية تتكفل الحكومة بدعمها”.

ولم ينكر بولسينة أن “لهذه الصيغة إيجابيات، كـالابتعاد عن شبح ومساوئ البطالة وتقليصها ولو نسبيًا،على الرغم من الأجر الضعيف الذي يتقاضاه هؤلاء، والذي لا يتجاوز 15 ألف دينار، على أساس أن الحاصل على عقد ما قبل التشغيل ستكون له فرصة سانحة للتعلم والتجربة، واكتساب خبرة تؤهله لأن يحصل على وظيفة أفضل في المستقبل “،مشيرًا إلى أن “صيغة عقود ما قبل التشغيل ورغم أنها مجرد مرحلة مؤقتة، في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة في البلاد إلا أن الحكومات المتعاقبة استسهلت الصيغة وأبقت الوضع على حاله بينما كان بإمكانها تسوية الملف بشكل نهائي زمن البحبوحة المالية”.

وكشف بولسينة أن “أعلى أجر يأخذه الموظف البسيط بصيغة عقود ما قبل التشغيل لا يتجاوز 15 ألف دينار دون الحديث عن تأخر صبّ الأجور، والذي بلغ في بعض الولايات السنة كاملة”، مؤكدًا أن “الأغلبية من عمال عقود ما قبل التشغيل يملكون مؤهلات علمية وأكاديمية عليا كالماجستير أو الماستر”.
وأفاد بولسينة بأن “عقود ما قبل التشغيل تحرم نصف مليون شاب من الحق في التقاعد، وأبسط ما يستفيد منه الموظف لا يزيد عن بطاقة الشفاء التي يحصل بها على الحق في الدواء بأقل من ألفي دينار في مدة 03 أشهر،فهل هناك ظلم وإجحاف أكثر من هذا؟”.

وقال بولسينة إن ” الحكومة لم توف بالتزاماتها تجاه عمال عقود ما قبل التشغيل، فلحدّ الساعة لم يُدمج المعنيون في مناصب عملهم، ليتفاجؤوا بالتعليمة الأخيرة لوزارة الداخلية، والقاضية بإدماج موظفي عقود ما قبل التشغيل في مناصب شاغرة حيث وُجدت وعبر مختلف الإدارات. وحسب التعليمة الوزارية، لا يُشترط أن يُرسّم الموظف في منصب عمله الذي شغله منذ سنوات، وبالإمكان تحويله إلى أي منصب شاغر مُتوفر بإدارة أو هيئة أخرى، وهي تعليمة مُجحفة في حقهم ولا تعكس طموحاتهم”.

وطالب بولسينة “الحكومة بضرورة تجميد مسابقات الوظيف العمومي إلى غاية إدماج نحو نصف مليون عامل ضمن عقود ما قبل التشغيل وهو المطلب الذي رفعناه منذ 2010،  لكن للأسف لم يجد آذانًا مصغية، وأنه لا حل أمام الحكومة لترسيم جميع موظفي الإدماج المهني، سوى العودة إلى نظام التقاعد النسبي، والذي سيُوفر مناصب شاغرة وكثيرة في مختلف القطاعات”.

الوسوم
اظهر المزيد

عمار قردود

صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق