page contents
الحدث

التضليل والمصداقية.. حرب المعلومة بسلاح الفيروس !

الإشاعة تهزم المنظومة الاتصالية

  • وسائلُ التَّواصلِ الاجتماعي مسؤولةٌ عن نشر 85 % من الإشاعات في الجَزائر

الجزائر – تعاظمت مخاطر الاستعمالات المغرضة لشبكات التواصل الاجتماعي بشكل ملفت في السنوات الأخيرة، وبات تأثير الرسائل والمنشورات والمدونات و”الإشاعات” المتداولة عبرها يُمثل جرائم خطيرة تمس بالاستقرار العام والأمن القومي ككل..

وهو ما تم كشفه من شبكات للجوسسة وعصابات لإثارة الفتنة والتحريض “الإلكتروني” التي تتخذ من وسائل الاتصال الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لتحقيق أهدافها، حيث إن هذه المواقع والشبكات تُتيح حرية النشر بدون ضوابط قبلية وحرية التلقي للجميع على اختلاف مستوياتهم التعليمية والثقافية، فضلاً عن إمكانية التمويه والتخفي وانتحال صفات شخصيات ومشاهير على صفحات وهمية لأهداف مغرضة كشفت عنها عديد الأحداث.

وللأسف أن هذه الإشاعات نجح مروجوها في تحقيق البعض من أهدافهم في ظل استغلال مطلقيها الفراغ السائد خلال بعض الفترات في الساحة الإعلامية، أمام شح وندرة المعلومة الرسمية بشأن قضايا هامة على صلة بأمور الحياة اليومية للمواطن، كنقص الإحصائيات الرسمية فيما يخص حالات الإصابات المؤكدة والوفيات بفيروس “كورونا” مثلما هو واقع حاليًا.

والإشاعة تنتقل وتنتشر أسرع كلما ازداد الغموض والنقص المعلوماتي فيها، فالشرط الأساسي لانتشار ونجاح الإشاعة في تحقيق أهدافها هو عدم معرفة الحقيقة والجهل بكافة الأمور المحيطة بها. وعليه، فإن كل الأخبار المشكوك في مضمونها أو مصادرها يمكن أن تصبح أو تتحول إلى مصدر للإشاعة.

وتستند الإشاعة إلى أخبار وهميّة خاطئة عن غير قصد أو وقائع تمّ العمل على تحوير جزء منها أو نوايا سيئة، لتنطلق في فضاء الانتشار، فهي لا تنشأ دائماً من خبر غير موجود على الإطلاق، فعلى قاعدة “لا دخان من غير نار” تعتمد الإشاعة على جزئية من خبر واقعي لتعمل فيه تحويراً وتزويراً وإضافة وإبهارًا، وهذا يعطي دفعاً لتصديق الإشاعة.

أما الجزء الآخر، فقد يكون مبتدَعاً، لكن الإشاعة قد تعمل على اختراع واقع لم يحصل أيّ شيء منه، إذاً، منشأ الإشاعة إما تضليل متعمّد، من قبل أشخاص أو خطأ غير مقصود من قبل مُطلِق الإشاعة أو تضخيم وتحوير لواقع حاصل.

الخبير في المعلوماتية والتكنولوجيا الحديثة.. وائل بن قسمية:

وسائلُ التَّواصلِ الاجتماعي مسؤولةٌ عن نشر 85  %من الإشاعات في الجَزائر

كشف وائل بن قسمية المختص في الأمن المعلوماتي السيبرياني، في تصريح أدلى به لــ”أخبار الوطن”، عن مساهمة وسائل التواصل الاجتماعي بدور كبير في نشر الإشاعات في الجزائر، بنسبة بلغت 85 %.

وأشار المتحدث إلى أن دوافع مُطلقي الإشاعات متعددة، فبرزت أن 95 بالمائة من دوافع البعض تكون بخلفيات انتقامية، كما أن الرغبة في الظهور بصورة المُلم بشتى الأمور والمطلع البارع برزت بنسبة 85 %، أما الرغبة في توتير الأجواء فنسبتها 70 %، والرغبة في الانتقام من شخص ما بلغت نسبتها 55 %، والرغبة في تشويه سمعة شخص أو جهة ما نالت نسبة 45 %، ونشر الإشاعة السلبية وفقط للتسلية والترفيه فحظيت بنسبة 62 %.

وفيما يتعلق بأنواع الإشاعات، فقد بيّن بن قسمية أن الإشاعات السياسية هي الأكثر انتشارًا بنسبة 96%، ثم الاجتماعية بنسبة 89%، وأخيرًا الاقتصادية بنسبة 65%. أما مصادر انطلاق الإشاعات فنجد منها داخلية بنسبة 70%، فيما نسبة 30% خارجية، وخاصة من فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والمغرب والإمارات وقطر وجنوب إفريقيا.

الأستاذ في كلية علوم الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر.. رضوان بوجمعة:

الإشاعةُ تتغذَى من احتكارِ المَعلومة وغلقِ المَنافذ أمام الصُّحفيين

قال رضوان بوجمعة، أستاذ في كلية علوم الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر، في تصريح لــ”أخبار الوطن”، إن “أول مشكلة لا بد من فهمها هي ما الإشاعة، وما هو سياق ظهورها، فالإشاعة تتغذى من غموض وغياب واحتكار المعلومة، وغلق منافذ الوصول إلى المعلومة أمام الصحفيين، وعدم وجود إرادة سياسية أصلاً لبلوغ الصحفي إلى مصدر المعلومة، ذلك في الوضع الطبيعي، فما بالك بوضع الأزمات مثلما هو واقع حاليًا في الجزائر والعالم ككل بسبب وباء كورونا، وفي غياب ذلك أيضًا فإن الصحفي مجبر على البحث عن المعلومة واستقائها ولو من مصادر غير رسمية أو حتى مشكوك فيها، فبات الصحفيون يتحدثون عما هو في الواقع دون النزول إلى الميدان ويتم ذلك عبر مكاتبهم”.

وأضاف بوجمعة أنه في زمن الأزمات مثل هذه التي نعايشها حاليًا، فإن المواطنين في قلق مزمن وهم في أشد الحاجة للأخبار والمعلومات الآنية، التي قد تُدخل الطُمأنينة إلى نفوسهم، هم متلهفون لما سيحدث غدًا، موضحا أنه كان يتعين على السلطة انتهاج إستراتيجية اتصالية واضحة تمكّن المواطنين من ذلك، وأن لا يكونوا لقمة سائغة تفترسهم مواقع التواصل الاجتماعي، كون المواطنين يريدون بل يرغبون بشدة في معرفة ما سيحدث غدًا وما هي السيناريوهات المتوقعة، مؤكدا أنه حري بالسلطة تحسين سياستها الاتصالية، خاصة في أزمنة الأزمات من خلال جمع أكبر قدر ممكن من الأخبار من مصادرها وبثها عبر مختلف وسائل الإعلام التقليدية.

وأوضح بوجمعة أن “مواقع التواصل الاجتماعي هي أصلاً منصات للتفاعل بالأساس، وأي شخص بإمكانه فتح حساب على مواقع التواصل الاجتماعي بسهولة ويسر ونشر المعلومة بكل سرعة، فمثلاً شخص ما يعلم أن جاره توفى بسبب كورونا فالأكيد أنه سيسارع لنشر ذلك الخبر وهو جالس في بيت المتوفي لتقديم التعزية ولا ينتظر وزارة الصحة للإعلان رسميًا عن ذلك، لكن ذلك لا يعني أن كل ما يتم نشره وتداوله على المنصات صحيح وذو مصداقية، بل أن الكثير مما يتم نشره في ما يُسمى بالإعلام الإجتماعي مشكوك في صحته.

وأضاف المتحدث، أنّ شبكات التواصل الاجتماعي ليست وسائل إعلام بالمفهوم العلمي للإعلام كعلم، بل هي وسائل للتواصل والتفاعل، فهي لا تصنع المضمون بل تصنع المعلومات والبيانات.

ورأى أنّه لا بد من العمل على التأثير إيجاباً على المستخدمين، وذلك لا يتأتى إلا عبر حُسن استخدام البيانات الضخمة من قبل الحكومة وأصحاب القرار في مختلف القطاعات، وذلك لفهم توجّهات المستخدمين وهواجسهم كمنطلق لوضع إستراتيجيات للتعامل معهم ومعالجة مشكلاتهم.

الخبير في علم النفس الاجتماعي.. عبد الهادي بن جاب الله:

الإعلامُ التَّقليدِي أضحى خاضعًا لتُوتاليتاريِة وسائلِ التَّواصل الاجتماعِي

أفاد خبير علم النفس الاجتماعي عبد الهادي بن جاب الله، في تصريح لــ”أخبار الوطن”، أن دور الإعلام المرئيّ والمكتوب ومواقع التواصل الاجتماعي يتراوح بين السلبيّة؛ كترويج الأخبار الكاذبة والتحريض على الانقسام والفوضى والتطرّف، والإيجابيّة كتصحيح المفاهيم وغرس قيم التكامل الوطني وتنميتها.

وتحدّث بن جاب الله عن المتغيّرات الحاصلة في قطاع الإعلام بشقيه التقليدي والرقمي، وأكّد أنّ الإعلام اليوم أصبح إعلاماً حادّاً لا يتعامل مع الأحداث بدقّة وعمق، وأصبح إعلام النتيجة أو النتائج من دون قراءة مُعمّقة للأسباب، وهو إعلام خاضع لـ “توتاليتارية” وسائل التواصل الاجتماعي، الذي تملكه شريحة كبرى لا تهتمّ بالدقة، وذلك بسبب ضيق الوقت بسبب الطبيعة الاستهلاكية للحياة، وفقدان قيمة ولذّة الجدل بطبيعته الفلسفية والثقافية والاجتماعية، إذ لم يعد هناك مكان لهذا الجدل وصولاً إلى تبسيط الأمور وتسطيحها.

و دعا بن جاب الله إلى ضرورة مواكبة الإعلام الجزائري للتطوّر التكنولوجي وحُسن استخدام الأدوات الجديدة التي يتيحها الإعلام الرقمي والطريقة المثلى للتعامل معه بشكل إيجابي، يضمن عدم تحويل المستخدمين من مجرّد تلقّي المعلومات إلى إعادة إنتاجها، وتعزيز الوعي كنوع من التحصين ضد الأفكار السلبية التي تنتشر على هذه الشبكات.

وأكّد على أهمّية نشر الوعي بين المستخدمين لكي يُحسنوا استخدام الشبكات الاجتماعية وعدم التأثّر بالأفكار المتطرّفة والسلبية والانسياق للإشاعات حتى لا يكونوا فريسة سهلة لها.

وبحسب بن جاب الله، فالإشاعات بما أنها عبارة عن إسقاطات ناتجة عن حالة نفسية سيئة وخيالات وظنون، فإذا علقت الإشاعة بعناصر مؤيدة للفكرة تنتشر بسبب الجهل وقلة التدقيق وحُبّ البروز. لذا البيئة الأمثل لها هي المجتمع المتخلّف، فهو بيئة صالحة لنشر الإشاعات.

ويشير بن جاب الله إلى أن “المُشيع” أو مخترع الإشاعة وصاحبها يراقب ويغذي وينعش أخبار الإشاعة حتى إذا ما “هضمتها” العقول محدودة الوعي، والنفوس قليلة الإدراك، هبّت لتقويتها وترسيخها الأوهام، والخيالات، والرغبات والمخاوف؛ وأكسبت الإشاعة شحنات من الوقود تسمح لها بالانتشار وفق متواليات حسابيّة وهندسيّة، وهو ما يساعد على نفاذ الإشاعة وسرعة تحقّق أهدافها ومخططاتها.

وشدد بن جاب الله على ضرورة أن يعرف المتلقّي أنّ المعلومة على مواقع التواصل هي مجرّد معلومة وليست معرفة، وعليه إعادة إنتاجها. وأكّد أنّ نشر الوعي يبدأ من المدرسة والجامعة، فالتعليم الذي يواكب كلّ هذه المتغيّرات الجديدة ومتطلّباتها هو المدخل إلى تعزيز ثقافة الوعي لدى مستخدمي الإنترنت وشبكات التواصل حول كيفية التعامل مع الأدوات الجديدة.

مدير كلية الإعلام بجامعة الشارقة.. الدكتور نصير بوعلي:

غلقُ مَصادر استقاءِ المَعلومة يعزّزُ تفشّي الإشاعة

أوضح الإعلامي والدكتور نصير بوعلي، مدير كلية الإعلام بجامعة الشارقة بالإمارات العربية المتحدة، في تصريح لــ”أخبار الوطن”، أن انتشار الأخبار غير الموثوقة والإشاعات ومحاولات تضليل الرأي العام وتغليطه، عبر مواقع وشبكات التواصل الاجتماعي، هو تحصيل حاصل لبيئة إعلامية تتميز بهشاشة في منظومتها المسيرة لتداول المعلومات ونشر الأخبار الرسمية، ما فتح الباب على مصرعيه لرواج الإشاعة بدل المعلومة الصحيحة التي يتم استقاؤها من المسؤولين المباشرين أو المصادر الموثوقة، ولهذا فإن تعاطي المؤسسات الإعلامية والقنوات التلفزيونية الخاصة مع المعلومات والأخبار المتداولة في شبكات التواصل الاجتماعي، التي غالبًا ما تكون مجهولة المصدر ونقلها في بعض الحالات من دون التحقق من صدقيتها، يعود إلى غلق أبواب المعلومة الرسمية واحتكارها، وكذلك إلى بحث بعض الصحفيين ووسائل الإعلام عن السبق.

ويعتقد بوعلي أن من أهم أسباب رواج الإشاعة هو غياب المعلومة الرسمية أو شحها، وحينها يمكن لأيٍ كان – بحكم ما تتيحه تقنيات التواصل الاجتماعي في عالم اليوم – أن ينشر خبرا سواء بحسن نية أو بسوء نية، الأمر الذي يهيئ لها (الإشاعة) عبر تلك المنصات للتواصل القدرة على الانتشار والوصول إلى أوسع الشرائح من المتلقين، الذين يصبحون بدورهم ناقلين ممتازين لنشر الإشاعة ما يزيد من تعاظم مخاطرها”.

وأضاف بوعلي، يقول: “لذا فالعلاج في اعتقادي لمواجهة أزمة تزييف الوعي، وبث المعلومات المغلوطة، هو دعوة وسائل الإعلام المختلفة إلى تأهيل كوادرها وتدريبهم على سبل التحقق من الأخبار والمصادر الإلكترونية، والقدرة على التثبت الإلكترونى بكل أشكاله وإيجاد مظلة لدعم الصفحات والحسابات والمواقع التي تهدف إلى كشف الشائعات”.

عمّــــــار قــــردود

اظهر المزيد

عمار قردود

صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق