page contents
أقلام الوطن

التفكير في عالم “ما بعد كورونا” وليس تخزين المكرونة .. !!

بقلم : د. مهماه بوزيان – باحث دائم

mah2bouziane@gmail.com

 

  1. “عدوى الهلع” أخطر من عدوى كورونا ..

إننا بحاجة إلى التغلب يقيناً على مخاوفنا، مع الإستعداد للأسوء، والتجند معا لمواجهة الوضع الصعب والمعقد الذي يتربص بنا بسبب لا مبالاتنا وجشعنا وأنانيتنا ولا مسؤوليتنا .. حالنا مع “جائحة كورونا” لن يكون أفضل مع الخوف أو التخويف أو التهوين والاستهتار والتسويف والمماطلة .. حقيقة “عدم الذهاب إلى إجراءات قاسية وقاهرة وقسرية في حق الساكنة” للأسف سيكلفنا “نتائج قاسية في الأرواح، وقاهرة لإرادتنا ورغبتنا في الحياة” .. لكن مهما كان الحال والمآل، فالهلع لا يطيل عمرا، ولا يُعيد حياة أو فقداً .. و لا يستوجب الوقوع في “الهيستريا” حفاظاً على الحياة، وما تحتاج إليه من غذاء ومُتع ومباهج، بما يدفع أفراد المجتمع إلى اللجوء إلى التخزين المبالغ فيه و”الشراهة في الحيّازة”. لكن هذا التصرف الغريب والمحزن الذي وقع فيه الجزائريون ليس استثناءً وقعوا فيه كشعب لوحدهم، بل هي صفة الإنسان الذي خلق هلوعاً ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) ..

منذ خمس سنوات كتب عالم الرياضيات والمحاضر الرئيسي في جامعة السوربون «Benoît Rittaud» كتابه “الهلع الأسي” وهو مؤلف مرجعي في الأنظمة الديناميكية الإجتماعية طبقا لنظرية الأعداد يشّرح فيه واقعنا المعاصر الذي تنامى فيه الخوف في مجتمعنا ليتحول من “نمط الخوف الأسي” إلى اتجاهات سوداوية قاتلة للروح الإنسانية ولبهجة الحياة، إنه “الخوف الذي لا نهاية له” .. خوف من نهاية العالم، خوف من نفاذ الموارد الطبيعية، والنمو الأسي للديموغرافية العالمية، والاحترار العالمي، والاحتباس الحراري، وارتفاع مستوى البحر، وارتفاع حموضة المحيطات، وانحصار التنوع البيولوجي وانقراض الأنواع الحيّة، وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وأزمة الديون السيادية، إلخ .. إنه “ربيع الخوف الأسي” .. إنها “ينابيع الخوف” التي تغذي حاليًا كلّ المخاوف المفترضة من الاكتظاظ والإختلاط بالناس في الحياة العامة، والتي ستؤدي إلى الخوف من الآخر بل من الشريك، بل يمكن أن تؤدي إلى تفشي الكراهية الإجتماعية الجذرية، أي الخوف من أقرب وأحب الناس إليك .. إنه عالم يضيق على نفسه، ليطرح أستاذ الرياضيات سؤالا أساسيا “هل عالمنا ضيق أم مفرط التضييق؟” هذا الإفراط الذي جعل من أمر الخوف لم يعد يعتبر “عاطفة مخجلة” أبداً، بل بعد ذلك، عندما سقطت المخاوف، حلّت اللامبالاة أو السلبية الجماعية .. لتبقى القصة واحدة تطارد الجميع ..

لنتوقف عن مطاردة الوهم، ولنعيش حياتنا التي كتبت لنا بوعي ويقظة وأخذ للأسباب، وإسهاما علميا ومعرفيا، ومساهمة فيما ينفع ويحفظ الوجود الإنساني، ولنستعيد استنبات “الأخلاق الجماعية الأساسية” من تضحية، وإيثار، وخدمة للغير، ومسارعة للخيرات، وإغاثة اللهفان، وإطعام للطعام على حبه مسكينا ويتيما ومحجورا عليه.

 

  1. تفشي جائحة كورونا .. وتفشي الإنتقال الرقمي

لقد كان التبشير على أشده منذ سنوات بالعالم الجديد “العالم ما بعد الورقي” والعمل عن بعد، والعمل حيثما أنت وأينما كنت، لكن جائحة كورونا أجبرت العالم اليوم على هذا التحول فورا، من خلال إجبار الناس على البقاء في منازلهم وبدء الإنخراط في “العالم الرقمي” .. الآن ينبغي الإهتمام بجد بأفاق التعليم عن بعد، وبتطوير منصات التعليم الرقمي، وبالدفع عن بعد، والتجارة الإلكترونية، والوصول للمعلومات، والابتكار، وإنترنت الأشياء، والطباعة الثلاثية الأبعاد، والحوسبة السحابية، وسلاسل التوزيع والتوريد عن طريق الشبكات .. “عالم ما بعد كورونا” هو عالم يستوجب منا التمتع بمهارات جديدة، مهارات جديدة عالية، علمية ومعرفية وتكنولوجية وحتى نفسية ووجدانية، حفاظا على العائلة والأسرة والأبناء .. إنها تحديات جديّة لـ “عالم بعد كورونا”، بما يطرح تحديات جدّية للشبكات، وأولها مواجهة خطر الإنهيار، قبل التكفل بأمنها .. ففي الوقت الحالي أضحت كورونا تهدد جودة تدفق الإنترنت، بما أجبر المجموعة الدولية إلى انتقال رقمي منخفض الجودة !!

 

  1. كورونا يهدد جودة تدفق الإنترنت

أمام عدم قدرة النظام الصحي العالمي على مواجهة تفشي وباء كورونا، و عجز الطب على إيجاد لقاح مضاد لفيروس كوفيد-19، لم يكن بد من الإستعانة بالأبجديات من خلال اعتماد منطق “كسر سلسلة تمدد الفيروس” والعمل على تحويل الدالة الأسية إلى “نمط المنحى اللوجستي”. لكن هذا الأسلوب أفضى إلى اعتماد قيود “الحجر العام” بما يعنيه من إلزام الناس البقاء في بيوتهم لمدة 14 يوما على الأقل، في عطلة قسرية، أو بممارسة عملهم إنطلاقا من مقر سكناهم، وتحول العمل من مقر المؤسسة إلى “العمل عن بعد” في دول عدة، وهذا أدى إلى بروز تحديات جديدة، فمع مكوث الملايين حول العالم فى منازلهم، في نفس الوقت، و لفترات أطول وغير مسبوقة، أدى إلى زيادة كثافة استخدام الإنترنت بشكل كبير غير مسبوق، بما أثر بدوره على قدرة الشبكات المحلية والعالمية على استيعاب هذا الضغط. وهذه أزمة أخرى جديدة أنتجها فيروس كورونا، دفعت الاتحاد الأوروبى إلى مطالبة شبكة البث الرقمي “نتفليكس” وغيرها بالتوقف عن عرض منتجاتها من الأفلام والفيديوهات بجودة عالية لتفاديا انهيار الإنترنت تحت ضغط الاستخدام غير المسبوق، لتحذو بعد ذلك شركة “غوغل” حذو “نتفليكس” بتقليص سرعة البث التدفقي على موقع “يوتيوب” بهدف تخفيف الضغط على شبكة الإنترنت في أوروبا.

 

  1. جائحة كورونا و “ما بعد الجينوم”

بعيدا عن المُعتاد من أحاديث الحرب البيولوجية، وسباق التسلح الخفي المتعلقة ببناء “الجيوش النانوية” التي يجري تخليقها لخوض حروب عالمية فتاكة، تقتل النفس البشرية دون تدمير الإستثمار المادي من منشأت ومرافق، بما أوجد وجهات نظر تقول بإمكانية “التخليق” لفيروس كورونا. وبعيدا عن “سوق يوهان” حيث كلّ شيء يُباع ويشترى ويُؤْكل، و حيث كلّ الروائح تنبعث من هناك، أريد استحضار بعضا من الأخبار العلمية التي كانت تأتينا من الصين تباعاً، خاصة وأن أرفع الدوريات العلمية والإعلامية كانت تتسابق لنقلها. أذكر مثلا، أنه في نهاية شهر نوفمبر من سنة 2018، تواردت أخبار من الصين تُفيد بأن الباحث الصيني “هي جيانكوي” قد تمكن داخل المختبر الذي يديره في مدينة شنتزين جنوب الصين من “تصميم” أول طفل في العالم معدل وراثيا، عن طريق تغيير الحمض النووي الخاص بجنين توأم لمنع الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية. هذا العمل الذي عارضه آنذاك علماء كبار على مستوى العديد من جامعات العالم، معتبرين أنه إذا كان هذا العمل البحثي يمكن أن يُعد في الصين أخلاقيا، فإنه لا يمكننا سوى القول بأن إدراكهم للأخلاق يختلف تماما عن بقية العالم، وتوسعت دائرة التساؤلات حول حدود التحكم الأخلاقي والطبي والتقني في “عملية خلق الأطفال الذين لا يعانون من أمراض” أو في “تعديل الأجنة لصنع أطفال مصممين بشكل ومواصفات معينة أو محصلة ذكاء مرتفعة” ؟؟!! .. كما أن من الجدير ذكرُه هي مخاطر التقنية المُطبقة “تقنية «كريسبر – كاس9» cas9 CRISPR للقص الجيني” والتي يمكنها، حسب رأي العلماء المختصين، أن تتسبب في إدخال طفرات عرَضية أو “غير مقصودة” في “فسيفساء” الخلايا التي يتم تعديلها بطرق مختلفة، لذلك ينطوي التعديل الجيني للجنين البشري على مخاطر كبيرة، بما فيها مخاطر إدخال طفرات غير مرغوبة. وحتى ندرك أبعاد الموضوع، والذي تجاوز حدود “جهود الإنسانية لإجتثاث الأمراض” إلى رغبات جامحة تنافسية .. فقد قام الباحث “جيانكوي” وفريقه بكتابة بيان أسموه “بيان أخلاقي” قائلين “في هذا السعي العالمي الأكثر تنافسيَةً على الإطاق لتطبيقات تعديل الجينات، فإننا نأمل أن نكون بارزين”. وتنبئوا بأن ابتكارهم “سيتفوَق” على اختراع التلقيح الاصطناعي، الذي حصل صاحبه على جائزة نوبل في عام 2010. لكنه في المقابل ينبغي التذكير بأن هذا الباحث الصيني “هي جيانكوي” هو أحد علماء النخبة في البيولوجيا، وقد أعادته الصين من الولايات المتحدة كجزء من “خطة المواهب الألف”، لكنه حُكم عليه في نهاية المطاف مع نهاية شهر ديسمبر الماضي (2019) بعقوبة السجن لمدة 3 سنوات من قِبل محكمة صينية، مع تغريمه بغرامةً تقارب النصف مليون دولار، كما سيتم حظره مدى الحياة من المشاركة في الأبحاث المتعلقة بالطب التناسلي.

لكن أبحاث تعديل الحمض النووي واستخدام تقنية القص الجيني تبقى في قلب السباق الطبي العالمي، ففي نهاية شهر جانفي 2020، قامت مجلة الأدبيات العلمية الشهرية الأمريكية (Popular Science, ou PopSci,) “العلوم للعموم” بنشر مقال تحت عنوان «4 تقنيات طبية حديثة ربما تساعد في مواجهة فيروس كورونا»، بدايةً من التعرف على تسلسل جينوم الفيروس للوقوف على خواصه البيولوجية كون “التعرّف على تسلسل الحمض النووي أمرٌ جوهريٌ في مواجهة أي فيروس”، وأيضا إستخدام تقنية «كريسبر CRISPR» التي تقوم على تعديل الحمض النووي (المادة الوراثية) للفيروس وتطوير لقاح له، وصولاً إلى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بتصرفات الفيروس بهدف السيطرة عليه.

 

  1. تهديد فيروس كورونا للحياة .. يعيد طرح سؤال “ما بعد الجينوم” أو الرغبة في الْخُلُودِ

مع إعلان العالم، كلّ العالم عجزه وقلة حيلته أمام “فيروس كورونا” ووصفه بالمستجد، بل المستبد الذي لم يرحم ضعف الكبار ومن أشقاهم “بلاء مناعة الأجساد” بعد طول عمر. لتبرز حتمية الإنخراط العلمي في مناقشة مسائل الجينوم و مدى قدرة وحدود التطبيقات المتزايدة لقفزات التكنولوجيات الحيوية المستقوية بثورات فيزياء الكم وهندسة الحاسوب والبيولوجيا الجزيئية في تجسيد وعودها المرفوعة منذ عقود والمبشرة بإمكانية تحقيق الرغبة في الخلود والإنفلات من عوامل البلى، هذه الوعود، التي يُعاد استنباتها في عالمنا، وهي تستحضر الوعد الذي منى به إبليس اللعين أبانا آدم عليه السلام، وهو وعد الخلود الأبدي، فحين كان «آدم» آمناً مطمئنا سالما في جنة الخلد (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ* وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ) وهي الفضائل الأربعة المشكلة لغايات كل المحركات الديناميكية للحياة وللثروة والرفاه، جاءه إبليس اللعين ليوقظ فيه شهوة الرغبة في الخلود (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ)، وهي الرغبة القاتلة المدمرة لـ”إنسان اليوم”، والتي أنساق وراءها الإنسان الأول. هنا ينبغي أن تستوقفنا قصة الخلق الأول، والتي تورد لنا عنصرين أخلاقيين في السياق العام، وهما عنصران محددان وحاسمان في السلوك (أول ذلك هو الغرور ضمن منظومة الإرشاد “دلاهما”) و العنصر الثاني هو (النصح في قالب التوكيد والإلتزام “قاسمهما”). إن الثورة المعرفية المتفجرة والمنشطرة في منحى الزمن المستقبلي أغرتنا بل أغوتنا، فسيطر علينا الإنسياق بغرور، راغبين في الخلد، كيف لا ؟ وهي قد منحتنا كلّ الدلائل العملية لإمكانية ذلك، وحين كان منا الإنسياق طائعين متوهمين النصح، بدأنا السقط في عالم الشقاء (َتَشْقَىٰ). وهذه هي مخاطر ثورة هندسة الوراثة وتطبيقات الجينوم، أن ننساق وراء التطبيقات فنُفقد الإنسان إنسانيته، وتنوعه، وخصوصيته، ويحدث التلاعب بجيناته التي تعطيه التميز النفسي والوجداني والعقلي والعضوي، بحثا عن الكمال، الذي سيقرب البشر من نموذج الآلة المثالية المستنسخ نماذجٌ منها بلا حدود، بحثا عن أيجاد الفرد الذي لا يقهر، والإنسان الذي سيرث كل ذكاء البشر و يرتقي إلى حدود تنافس اللامعقول في الوجود .. ومع بدايات تشكلّ هذا الوهم فقد قهرنا “كائن مجهري” .. قهرتنا “أرضة” ..

 

  1. خلاصة

عالم “ما بعد فيروس كورونا المستجد” لن يكون بكل تأكيد كمثل ما قبله، لذلك أضع هذا المقال ضمن دعوة رصينة لمباشرة نظر علمي منهجي ومعرفي عميق، يستحضر بدءً الخلاصات الفلسفية والفكرية والإجتماعية والثقافية، والتي تُشكل إرثاً إنسانيا وتراكماً معرفياً لمسار الإنسانية عبر تاريخها، ضمن مسعى إنساني لصناعة وعي عالمي جديد يُحذّر من مخاطر الغرور والتعدي على الخصوصية البشرية في صيرورتها الكونية، مستحضراً في ذلك المقاربات الراسخة التي تناقش بمنهج علمي رصين أخلاقيات النظام العلمي والتقني السائد في الفكر الغربي، مستنهضين “سؤال الأخلاق” .. أخلاق الحكمة تلك الأخلاق المؤيدة، والتي هي ثمرة الأخذ بالمقاصد النافعة والوسائل الناجعة معاً، وسياقاتها وتجلياتها بالدخول في “العمل الحي” والأخذ “بالنظر الحي” و”الإسهام الحي” في عوالم العلوم والمعارف البانية لصرح المجد، وأولها علوم الطب والفيزياء والرياضيات والهندسة.

 

 

 

اظهر المزيد

ابتسام بوكثير

صحفية جزائرية مهتمة بقضايا المرأة والشأن الثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق