page contents
أقلام الوطن

التَّأويلُ والتّسامحُ!..

إن تتبع انبثاق خطاب التسامح في التاريخ يشير إلى أنه (التسامح) لم يكن نتيجة ترف نظري أو تأمل فلسفي بالدّرجة الأولى،  بل كان بسبب الحاجة الملحة للعيش في آمان ومحاولة الخروج من حالة حرب الجميع ضد الجميع،  فالإنسانية عبر تاريخها الطويل كثيرا ما عانت من العنف والتطرف بكل أشكاله من مثل العنف الديني المقدس والعنف السياسي والعنف العرقي والثقافي.

وهي الأشكال العنيفة التي يعضد بعضها بعضا،  والتي ما زالت إلى اليوم تهدد حاضر ومستقبل البشرية،  ولقد كانت الحرب العالمية الأولى والثانية في القرن الماضي وغيرهما من الحروب الطائفية والعرقية والاستعمارية أكبر دليل على ذلك.

ويتفق الكثير من المهتمين بمفهوم التسامح على أن ظهوره ارتبط بعصر الإصلاح الديني،  وتحديدا على هامش الصراعات الدينية خاصة بين البروتستانت والكاثوليك،  من خلال المطالبة بحرية القراءة والحق في تعددية التأويل للنص المقدس التي هي أساس حرية الاعتقاد،  وضرورة توقف الكنيسة البابوية عن التوسط بين الإنسان والله،  والتحرر من السلطة الروحية لرجال الكهنوت وهي السلطة التي كانت تضع وتحدد قانون الإيمان وتمنح صكوك الغفران.

ففي هذا السياق، جاء خطاب التسامح للدعوة لحق الاجتهاد وضرورة الثورة على ما كانت تمثله الكنيسة من سلطة روحية متحالفة مع السلطة الزمنية للبورجوازية والإقطاع،  وهو التحالف النّكد الذي كان يضفي الشرعية على الطغيان والاستبداد وكل الممارسات اللاإنسانية والتي جاء العصر الحديث للقطع معها نهائيا.

و مفهوم التسامح في جوهره لا يخرج عن ذلك الموقف العقلي الذي لا يتحرج في قبول الآراء والمواقف الفكرية والعملية المختلفة والمعارضة والمضادة التي يتبناها الغير ويدافعون عنها،  وعندما نذكر مفهوم التسامح عادة ما نستدعي عبارة “فولتير” الشهيرة : “قد اختلف معك في الرأي ولكنني على استعداد لدفع حياتي ثمنا لحقك في الدفاع عن رأيك “.

كما نجد في تراثنا العربي الإسلامي عبارات قوية تشير إلى ضرورة قبول الاختلاف والتعدد خاصة على مستوى الفهم والتفسير في التعاطي مع النص المقدس،  فهذا “علي بن أبي طالب ” يرد على من حاججه من الخوارج في رفض التحكيم باستحضار بعض الآيات من القرآن الكريم في موقعة صفين الشهيرة قائلا: “إن القرآن حمال أوجه”، وقوله أيضا “هذا القرآن إنما خط مسطور بين دفتين، لا ينطق إنما يتكلم به الرجال” بمعنى أن فهم واستنطاق القرآن ليس بالضرورة هو القرآن،  ولكن للأسف نجد كل جماعة من المسلمين تدافع عن فهمها الخاص وتتطرف في الدفاع عنه،  وترمي من لا يوافقها في فهمها بالضلالة والزيغ ويصل الأمر إلى التكفير واستباحة الدماء،  وما يجري اليوم في سوريا والعراق واليمن ولبنان من حروب بين جماعات سنية وأخرى شيعية دليل واضح على استمرار الحروب الدينية بين المذاهب الإسلامية إلى اليوم.

فالتسامح كفضيلة ابستيمولوجية ومعرفية لا يتحقق إذا ظل كل طرف يدعي امتلاكه للحقيقة المطلقة وسقوطه في النزعة الدوغمائية، وعدم اعترافه باجتهاد الغير في طلب الحقيقة،  والتربية على التسامح تبدأ من الأسرة والمدرسة وباقي مؤسسات التنشئة الاجتماعية،  التي تزرع في الطفل الذي هو مواطن المستقبل قيمة تنسيب الحقائق والتمييز كما يقول “محمد أركون ” بين الحقائق السوسيولوجية والتاريخية الشغالة والحقائق الحقيقية أو المطلقة،  والـتأكيد على قابلية تصوراتنا وأفكارنا للتكذيب والخطأ،  فثقافة الاعتراف بالخطأ لا غنى عنها في تكريس ثقافة التسامح.

بمعنى آخر، فإن التسامح هو قيم ثقافية يجري العمل على نشرها وإشاعتها بين أفراد المجتمع،  فلا توجد مجتمعات متسامحة بطبيعتها ومجتمعات متطرفة ومتعصبة بطبيعتها،  وإنما الأمر يتعلق بالبنيات الثقافية والنفسية والاجتماعية والسياسية التي تؤطر هذا المجتمع أو ذاك،  وإذا كانت هذه البنيات ذات طبيعة أبوية فإنها تؤسس لرؤية عمودية للعالم ولصيغة هرمية تساهم في تكريس الوصاية على العقل والفكر،  وتكون السلطة السياسية والأسرية والاجتماعية هي التي تتحكم في القيم السائدة وأنماط التفكير،  مما يعرقل حركية المجتمع،  وعليه فان شيوع روح التسامح يتوقف على ضرورة تفكيك أنساق الدوائر الأبوية والاتجاه نحو تأسيس مجتمعات أفقية بدل المجتمعات العمودية.

كما أن ثقافة التسامح أيضا تقتضي تجاوز عتبات الطغيان والاستبداد وهو واجب ودور النخب السياسية المستنيرة،  والحفر في جذور الاستبداد في ثقافتنا،  من أجل الابتعاد عن الانفراد بالرأي والميل إلى التحكم في مصائر الناس بالقوة وبمقتضى الهوى والرغبة ودون احترام لإرادتهم الحرة.

واليوم، يقاس مدى تقدم المجتمعات المعاصرة بحجم مساحات التسامح المتاحة بين أفرادها وفئاتها الاجتماعية،  ومدى قدرة هذه المجتمعات على تحويل التسامح إلى نسق ثقافي مركزي في البناء الثقافي العام،  ونقل قيمة التسامح من مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة،  وذلك من أجل تحقيق العيش المشترك بين أفراد المجتمع الذي يقتضي التحول من وضعية التعايش بواسطة المغالبة والقوة والقهر،  إلى التعايش على أساس المؤانسة والتآلف وقبول الاعتراف بالآخر ومشاركته العيش والحياة على أسس عادلة،  وتجاوز إرادة انتقام الناس من بعضهم البعض.

ولبلوغ تلك الدرجة ينبغي رسم خطط ثقافية وأخلاقية وسياسية غرضها تكريس فكرة التعددية الثقافية والتي تنص على حق كل جماعة ثقافية في الحفاظ على هويتها وصون تصوراتها ورؤيتها لذاتها وللعالم،  فمن واجب الدولة الحفاظ على الحقوق الثقافية للجماعات والعمل على ترقيتها وتطويرها واعتمادها في البرامج الدراسية،  حتى لا تشعر أية جماعة بالتمييز والإقصاء،  لأن ذلك من شأنه أن يجسد الإيمان بالتنوع الثقافي والفكري ويمهد الطريق للعيش معا ليس على أساس التوافق فقط وإنما على أساس الاختلاف أيضا.

ويمكن أن نلخص جملة من العوائق الكبرى تحول دون تكريس ثقافة التسامح بين أفراد المجتمع الواحد من جهة، وبين المجتمعات الإنسانية المختلفة من جهة أخرى، ومنها: ادعاء كل أصحاب دين أو مذهب أو إيديولوجية أنهم وحدهم على صواب وغيرهم على ضلالة،  والتحوّل نحو التعصب تم التطرف واستعمال العنف لفرض معتقداتهم على غيرهم،  وإضفاء القداسة على عنفهم ليصبح عنفا مشروعا وواجبا.  ومنها أيضا استمرار النزعات العنصرية التي قد تقود إلى التطهير العرقي والتمييز العنصري في أنحاء مختلفة من العالم المتقدم منه والمتخلف.

ويمكن أن نشير أيضا إلى ظهور فكرة صدام الحضارات التي تكرس الصراع بين الحضارة الغربية وباقي الحضارات الأخرى التي تتضمن إمكانات حضارية للظهور ومنافسة الحضارة الغربية كما هو الحال مع الحضارة الصينية الكونفوشيوسية والحضارة الإسلامية.  وعليه، فإن طريق التسامح والعيش المشترك الذي تسير عليه المجتمعات الإنسانية هو طريق شاق وصعب،  لأن الغالب في التاريخ البشري هو غلبة الظلم على العدل،  وإقصاء الآخر بدل الاعتراف بخصوصيته،  وهيمنة الفكر الأحادي على الاختلاف والتعدد،  وسطوة المركز على الأطراف.

الدكتور : مصطفى كيحل

[email protected]

 

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. لا شك ان التسامح قيمة إنسانية عظيمة ،لها تاثير كبير في استقرار المجتمعات ودعم القيم الانسانية الاخرى كالتعاون والتكافل والحوار … وبدون هذه القيم لا يمكن أن يكون هناك تنمية وتطور ورخاء ،وبالتاكيد فإن ثقافتنا العربية والاسلامية لكل ابعادها تزخر بأشكال مختلفة من صور التسامح والتعايش مع مختلف الثقافات،الامر الذي يؤكدان اشكال العنف والصراعات العرقية والدينية في مجتمعاتنا انما هو دخيل على ثقافتنا وتغديه أطراف سياسوية ماجورة من اجل تكريس التخلف والتبعية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى