page contents
الحدثملفات

التَّشغيلُ.. المُعضلةُ والمَخاطِر!

عودةُ احتِجاجاتِ البطّالينَ في مدنِ الجَنوب

عادت احتجاجات الشباب المطالب بالشغل بولايات الجنوب بقوة في الفترة الأخيرة، وخاصة بولاية ورقلة التي تشهد يوميا قطعا للطرقات بالعجلات والمتاريس واحتجاز شاحنات الوقود ساعات طويلة، وهي تعبير عن حالة الاحتقان التي وصلت إليها الأوضاع، وفشلِ القائمين على هذا الملف الحساس؛ خاصة أن السلطات المحلية والمركزية كانت قد وعدت سابقا بتوفير ما أمكن من مناصب شغل في المؤسسات البترولية وفقا لمعايير الشفافية وتوفير فرص عمل لبطالي الجنوب.

ورغم أن ملف البطالة لا يعني الجنوب وحده، إلا أن الوضعية الاقتصادية الحالية وغياب رؤية اقتصادية تسمح بخلق مناصب الشغل وعدم ارتباطها بالشركات البترولية حال دون وضع حد لهذه المعضلة التي باتت تؤرق الجزائريين. وما يزيد الوضع خطورة هو وجود جهات معروفة في المنطقة تحاول في كل مرة استغلال قنبلة التشغيل في الجنوب لأغراض سياسية، ما أضحى يهدد النسيج الاجتماعي.

إلى ذلك اعتبرت احتجاجات الشبان العاطل عن العمل، المنتفض ضد البطالة، خلال الأسبوع الماضي بولاية ورقلة والمناطق المجاورة لها حركة ضد التهميش وغياب عدالة تنموية تسمح باستفادة عادلة من الثروة وخيرات البلاد.

وأوضح عدد من الخبراء أنه على الحكومة بذل المزيد من الجهود للحد من هذا المشكل الذي يعد حاجزا أمام النمو الاقتصادي، وذلك بضرورة توسيع سياسة تدريب العاطلين عن العمل لتنمية مهاراتهم ورفع كفاءات الشباب في مجالات تخصصهم بما يتوافق مع سوق العمل، وإعطاء المزيد من الحوافز التشجيعية، وتوسيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

فما هو المطلوب من أجل توزيع عادل لمناصب الشغل لفائدة أهل الجنوب والشمال في المؤسسات البترولية؟ وكيف يعالج الموضوع بعيدا عن أي استغلال سياسي؟ ودون أي إثارة للنعرات؟ وهل يعقل أن يتم طرح الموضوع من زاوية أن أهل الجنوب يفترض أن تكون لهم الأولوية في التوظيف في المؤسسات البترولية، رغم ما تحتاجه من مناصب نوعية تفرض على صاحبها شهادة عليا وتكوينا خاصا وخبرة قد لا تتوفر فيهم؟ لماذا لم تتحكم الحكومة في هذا الملف الحساس رغم طرحه منذ مدة طويلة؟ ثم، من يحركه ويستغله في كل مرة، ومن المستفيد منه؟

منير بن دادي

الخبيرة في علم الاجتماع، أمينة بوقروز لـ “أخبار الوطن”:

“ينبغي منح سكان الجنوب الأولوية في التوظيف بالصحراء “

أوضحت الخبيرة في علم الاجتماع أمينة بوقروز أن “عدم تلبية حاجات أهل الجنوب الاجتماعية من مسكن ومنصب شغل ملائم رغم توفر فرص التوظيف بالمنطقة يعزز لديهم الشعور بانعدام الأمن، والمساس بكرامتهم، كما يولد لديهم الغضب تجاه أبناء وطنهم ظنا منهم أنهم سلبوهم حقوقهم المشروعة”.

وأشارت الأكاديمية بوقروز، في تصريح أدلت به لـ “أخبار الوطن”، إلى أنه”ليس من المعقول أن تكون أكبر نسبة من البطالة في الصحراء، التي توجد بها مناصب التوظيف وتعد المصدر الأول للعمل”، وأكدت في الوقت ذاته على”وجوب إعطاء الأولوية لأبناء الجنوب في حال تساوت الحظوظ بالنسبة إلى القدرات والكفاءات مع بقية المتقدمين للوظيفة من جهات الوطن”.

وقال المتحدثة إنه “من المنطقي أن يشعر أهل الجنوب بالحقرة والتهميش في مسألة التوظيف، كون أرضهم تنتج الذهب الأسود، الذي يقوم عليه اقتصاد البلاد”، وأضافت بقولها “صحيح أن هؤلاء العاملين ينحدرون من كل جهات الوطن ومن حقهم العمل في أي شبر من بلادهم، إلا أنه أيضا وبدون تعصب يجب أن تراعى أولوية أبناء المنطقة، فكيف لزرع أرضك أن يحصده غيرك”.

منير بن دادي

النائب البرلماني عفيف بليلة لـ “أخبار الوطن”:

“نحن بحاجة إلى تعديل القوانين وانتهاج الشفافية في التوظيف”

“أخبار الوطن”: كيف تنظرون إلى ملف التشغيل في الجنوب؟

عفيف بليلة: ملف التشغيل في الجنوب كما في الجزائر عامة يعدّ من الملفات الشائكة المترابطة والمتشابكة بحكم تداخله مع عدة قطاعات، ناهيك عن ارتباطه بمعيشة المواطن، لذلك هذا الملف بحاجة إلى تعديل قوانين وتطبيق معايير الشفافية في التوظيف وغيرها من الأمور التي منها مستعجل ومنها ما هو بحاجة إلى رؤية وتخطيط.

هل يعقل أن يطرح الموضوع من زاوية أن أهل الجنوب يفترض أن تكون لهم الأولوية في التوظيف في المؤسسات البترولية، رغم ما تحتاجه هذه الأخيرة من مناصب نوعية تفرض على أصحابها الحصول على شهادة عليا وتكوينا خاصا وخبرة قد لا تتوفر في سكان الجنوب؟

في حقيقة الأمر، إذا تحدثنا عن الحڨرة فهذا أمر أكيد وحقيقي والأدلة كذلك موجودة؛ فكيف يعقل أن توجد شركات بترولية وغيرها في الجنوب وحسب القوانين الأولوية في التوظيف لأبناء المنطقة، ونجد أن من يوظف في هذه الشركات سواء في المناصب النوعية أو المناصب العادية من جهات أخرى، وظفوا بطرق ملتوية كالحصول على شهادة الإقامة. وهنا، حتى بعض الموظفين المحليين العاملين في البلديات متورطون في هذا الظلم. وتجدر الإشارة إلى أن لجنة التشغيل بالمجلس الشعبي الولائي قد أعدت تقريرا مفصلا عن ملف التشغيل، ووجدوا أكثر من 250 مخالفة تخص ملف التشغيل، بل حتى والي ولاية أدرار الحالي تدخل، ووجد أشخاصا وظفوا بطرق ملتوية وأحيانا دون الرجوع إلى مكتب التشغيل، هذا من جهة. من جهة أخرى، بعض أبناء الجنوب يوظفون في شركات أو مؤسسات في الشمال تكاد تكون القيمة مهملة أو منعدمة، نحن لسنا ضد هذه التقسيمات فهي تكرس للجهوية المقيتة، ولكن ضد الممارسات التي تكرسها وهي موجودة على أرض الواقع.

كيف يمكن معالجة الموضوع بعيدا عن أي استغلال سياسي، ودون إثارة النّعرات؟

لو وجدت عدالة اجتماعية ورؤية حقيقية لملف التشغيل وتطبيق مبدأ الحكم الراشد والشفافية في التوظيف، ولو انتقلنا للحكومة الإلكترونية ورأى المواطن في الجنوب أن الخيرات التي تخرج من تحت قدميه مجسدة على أرض الواقع ورأى القوانين تطبق، الأكيد أنه لن تكون احتجاجات أو أي شكاوى، فالمواطن في الجنوب يرى بعينه استغلالا لمقدرات بلاده ويحس أنه مواطن من الدرجة الثانية ولا يعرفه المسؤولون إلا وقت الاستحقاقات، في الغالب هذه هي النظرة الطاغية لدى الشباب حاليا، فإذا أردنا إبعاد هذا الموضوع عن التجاذبات السياسية وجب توفر إرادة حقيقية لدى النظام في ظل رؤية واضحة واستشراف قوي مع توفر مسؤول في المستوى وعلى جميع الأصعدة.

ما المطلوب من أجل تحقيق توزيع عادل لمناصب الشغل على أهل الجنوب والشمال في المؤسسات البترولية؟

المطلوب تطبيق القانون وتكريس الشفافية. والحل في نظري هو تسريع وتيرة رقمنة كل القطاعات سواء الجامعات أو المعاهد أو مراكز التكوين، وكذا مكاتب التشغيل بل كل القطاعات في الجزائر حتى نتمكن من معرفة عدد البطالين، والذين وظفوا والمتبقين حتى نتمكن من الضبط النهائي والتحكم في الملف حتى لا يحرم أي شخص من حقه في التوظيف.

هناك من يلوم الحكومة على عدم استوطان مقرات المديريات العامة للمؤسسات الكبرى في المدن الصحراوية، لكي تعود عليها بالفائدة من خلال الجباية، هل هذا صحيح؟

بالفعل، مشكل (la TAP) مطروح بقوة في عدد كبير من البلديات، إذ تستفيد بلديات لا توجد شركات البترولية على أراضيها من الجباية، وهنا وجب إلزامية استفادة هذه البلديات المعنية من هذه الجباية من خلال تعديل في القوانين، مع ضرورة مطالبة هذه البلديات ومسؤوليها بحقهم وعدم التفريط فيه ولا يهم أين يوجد مقر المديرية مادام الحق يصل إلى أصحابه.

منير بن دادي

النائب في البرلمان، صليحة قاشي لـ “أخبار الوطن”:

“لابدّ من قرار سياسي لإنهاء مشكلة البطالة في الجنوب

أوضحت صليحة قاشي النائب في البرلمان أن “مشكل الشغل في الجنوب ينقسم إلى شطرين، أولهما تسبب فيه وكالات التشغيل وانعدام الشفافية والعدالة في توزيع العروض بين البلديات، بينما الشق الثاني نجد على رأسه الشروط التعجيزية التي تفرضها المؤسسات مثل خمس سنوات خبرة وغيرها، ما يجعل العرض من حق الشركة بعد مضي 21 يوما لتوظف فيه من تشاء”.

وقالت البرلمانية في تصريح خصت به “أخبار الوطن” إن “الأمر لا يتطلب إنزالا وزاريا وإنما قرارا سياسيا، فالمطلوب إعادة فتح التوظيف المباشر كما كان سابقا وعدم إقصاء الشركات البترولية أي ولاية جنوبية من المسابقات الوطنية “، وحسبها فإن “أبناء الجنوب يحملون شهادات عليا بل أكثرهم متفوقون في دفعاتهم وعلى سبيل المثال بلقاسم حبة صنف من بين مئة عالم الأفضل في العالم”.

منير بن دادي

الخبير الاقتصادي والنائب البرلماني، عبد القادر بريش لـ “أخبار الوطن”:

“حان الوقت لتبني الحلول الجذرية”

يرى الخبير الاقتصادي، عبد القادر بريش، أن “ملف التشغيل في الجنوب يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف برامج التنمية في ولايات الجنوب، بالإضافة إلى عدم وجود سياسة تشغيل وتوظيف شفافة خاصة في منطقة حاسي مسعود وورقلة، حيث توجد كبريات الشركات البترولية والخاصة باللوجستيك ومختلف الخدمات الملحقة بالصناعة البترولية”.

وأوضح بريش، في تصريح أدلى به لـ “أخبار الوطن”، أن “عودة مشكل التشغيل بالولايات الجنوبية إلى سطح الأحداث في كل مرة سببه كون هذا المشكل لم يُتكفل به تكفلا جذريا لا مركزيا من طرف السلطات العليا ومن طرف الحكومة ولا محليا من طرف السلطات المحلية، وعوض التوجه نحو الحلول الجذرية يتم اللجوء إلى الحلول الظرفية الترقيعية والمسكنات”.

ويرى المتحدث أنه”حان الوقت لتبني الحلول الجذرية، ومواجهة المشاكل الحقيقية بكل جرأة وواقعية حتى وإن كان الظرف الاقتصادي والمالي للبلد يتميز بالصعوبة وهامش المناورة بدأ يتقلص عكس سنوات البحبوحة المالية، حيث كانت الحلول متوفرة والإمكانات المالية تسمح بذلك”.

منير بن دادي

الباحث في العلوم السياسية، قاسم حجاج لـ “أخبار الوطن”:

“مطالب أبناء الجنوب هي مطالب الشعب الجزائري برمّته”

يعتقد قاسم حجاج الباحث في العلوم السياسية أن “أزمة التشغيل تندرج ضمن سياق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلد، لأن احتجاجات أبناء الجنوب كانت بسبب الشغل والتنمية وتوزيع الموارد والفساد والتنمية، وهي مشاكل لا تخص بأبناء الجنوب فقط، وإنما هذه مطالب الشعب الجزائري كله”.

وأوضح الدكتور حجاج، في تصريح خص به شبكة “أخبار الوطن”، أن “الشغل في القطاع العمومي والقطاع الخاص تراجع بسبب الصدمة النفطية الثانية، وصدمة الكوفيد، والسلطات العمومية والحكومة أمام تحد كبير لإيجاد مخرج لهذه الأزمة”، مضيفا أن “البلد يحتاج إلى تنمية حقيقية ومستويات نمو اقتصادي مرتفعة، من أجل الاستجابة لمطالب الشعب والشباب الجزائري والفئات المطالبة بالشغل”.

وأضاف المتحدث أن “مطالب أصحاب الجنوب مشروعة، على غرار أولوية الاستفادة من المناصب والثروات كون حقول النفط وشركات البترول والمحروقات موجودة في الجنوب، مع أن استثماراتنا وإنتاجنا خارج المحروقات ضعيف”.

منير بن دادي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى