page contents
أقلام الوطن

الجالية الجزائرية والفوبيا المصطنعة !

جاء في مذكرات أحمد طالب الإبراهيمي الجزء الأول، أنه بمجرّد أن تلقى رسالة من عبان رمضان، أين طالبه فيها التخلي عن رئاسة اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين والتفرغ كليا لفدرالية فرنسا كمسؤول قيادي مع زملائه الآخرين، حتى دخل في العمل السّري، انتقل من باريس إلى مرسيليا عبر القطار يحمل حقائب معبأة بأسلحة ومتفجرات سلّمها لأحد عناصر التنظيم الثوري، لينقلها هذا الأخير في باخرة راسية في ميناء المدينة إلى الضفة الجنوبية للبحر المتوسط.

كان للتنظيم الثوري شبكته الخاصة القادرة على فعل المستحيل ونقل أي بضاعة يريدها المجاهدون الذين اتخذوا من تضامن الريف الجزائري سلاحهم الأول، لقد قرّروا في لحظة تاريخية رمي المستعمِر في مياه البحر. لم يكن ذلك الفعل الذي قام به سي أحمد طالب استثناءً، فمنذ أن ظهر نجم شمال إفريقيا ومن بعده حزب الشعب الجزائري ثم حركة الإنتصار للحريات والديمقراطية بقيادة مصالي الحاج، ظل الأمل يكبر، أمل تفجير الثورة، تعزز هذا الأمل يوم أن بكى سويداني بوجمعة في لقاء 22 الشهير، ثمّ راح الحكيم بن مهيدي يطالب إخوانه برمي الثورة إلى الشارع يلتقطها الشعب، حينها فقط أدرك الشعب المغبون أنّ ساعة الحسم قد دقّت.

قبل لقاء 22 بالمدنية، تواجد الثلاثي بن بلّة وبوضياف ومهساس في باريس وسط العمال المهاجرين، ظلوا أياّماً وليالي يتناقشون محاولين تفكيك معادلة بدت مستحيلة بعد أن حُلّت المنظمة الخاصة من طرف قيادة الحزب، ما هي السُبل المتاحة لبعث التنظيم الثوري من جديد في ظل الانقسام الحاصل بين زعيم الحزب ولجنته المركزية؟ منذ تظاهرات 8 ماي 1945، اكتشف الشباب الثوري، هدير الهتافات المعادية للاستعمار والإمبريالية وحلف الأطلسي يصمّ أذنيه، أنّ درب القوة يستطيع اختراق كل الحشود إذا توفّرت عزيمة مناسبة على رأس مجموعة صغيرة منظمة مؤمنة بالحرية والانعتاق من قيدٍ طال أمده.

قاعداً في كرسي بحي مونروج بباريس عند العصر يشرب قهوته السوداء في بداية جانفي 54، استمع أحمد بن بلة لمحمد بوضياف، وهو يحدّثه عن كوادر وطنية مخلصة في الشرق الجزائري، بن بلّة لم يكن حينئذٍ يعرف جيّدا تلك المنطقة. قال بوضياف: يعيشون في أكواخٍ قصديرية بائسة مثل عموم الشعب، لكنهم صيادون مهرة، يصيبون الطير العابر وهو يحلق في السماء على علو 150 متر. في مارس 54، عاد ديدوش مراد ومحمد بوضياف من باريس إلى الجزائر العاصمة، خلال تلك المدة الزمنية الممتدة من مارس إلى جوان، جرت اتصالات وترتيبات واجتماعات، حضرها الكثير من قادة الصف الأول للمنظمة الخاصة، كان هناك بن بولعيد وبن مهيدي وبيطاط وزيغود وبوالصوف وبن طوبال وسويداني وغيرهم، جلس بن بولعيد مقدّماً آخر تقرير له عمّا انجزه في منطقة الأوراس من شراء السلاح وتخزينه وتدريب المناضلين على استعماله إلى صناعة القنابل والمتفجرات وتكوين مختصين في هذا المجال، كما راح ديدوش يقدّم تقريره عما حصل في فرنسا بعد أن سافر هناك بتكليف من النظام، كان ديدوش متعباً من رشحٍ أرهقه ذلك الأسبوع. شرب كوب شاي ساخناً ممزوجاً بالنعناع الأخضر، بينما راح بوضياف يرتشف قهوته المرّة.

في الخارج كانت رياح مارس قوية وعاصفة ترتطم بجدران البيت والحي السكني المجاور لسهل متيجة الشهير. خلال تواجدهما خارج البيت، سأل بن بولعيد رفيقه ديدوش عن إقامته بفرنسا، وسُبل تعزيز العمل الثوري بمشاركة المهاجرين المنضوين في فيدرالية فرنسا. رفع ديدوش رأسه عالياً، نظر إلى غيوم الشتاء تعبر سماء الجزائر العاصمة، ثم أجابه بنبرة واضحة، هؤلاء سيكونون المدد الأكبر للثورة، إنهم مؤمنون بالثورة أكثر من غيرهم، ثمّ أردف قائلاً: الملك خارج مملكته كلب، بعبارة أدق، المهاجرون يحنون للثورة والعودة إلى الوطن لقلب الطالولة على المستوطنين الذين سرقوا الأرض واغتصبوا الوطن. بعد ما يزيد عن أربعة عقود، راح بعض “قادتنا” يترجون شيراك وساركوزي، ثم هولاند وماكرون الاعتذار، حصان طروادة الذي صار يحتكم إليه كل زعيم يصل إلى القصر الرئاسي، خرجتهم الإعلامية لم تزد عن كونها مشهدا شوفينياً بائساً بالصوت والصورة، حدث هذا في الوقت الذي يصرّ فيه هؤلاء على العبث بهوية الشعب وخيراته، تحوّلت هذه الأخيرة، منذ أن سُلب الشعب حرّيته وخياره، لأملاك شاغرة.

راح “المجاهدون الجدد”يتفنون في التمتع بها ونقل الملايير من مداخيل النفط إلى خزائنهم الخاصة المتواجدة في جنيف ومدريد وباريس. ظلوا يكذبون على الشعب باسم الثورة والعزة والكرامة وهم ينبطحون لساكن الإليزيه، كم كانت فرحة هذا الأخير وهو يرى ثورة التحرير الجزائرية قد خبت في وجود مسؤولين باعوا ضمائرهم للشيطان. في لحظة ما من خمسينات القرن الماضي اجتمع المدني والعسكري ليقررا طريق النّصر والحرية. تغير الزمن وتغيّر الرجال، ظهر مشهد بائس مغاير ومعاكس، اجتمعت القبعة والنياشين مع البدلة القادمة من أكبر المحلات الباريسية، قرّر الاثنان في لحظة ما التحالف على حساب حرية الشعب، أضحت الجزائر رقعة شطرنج كبرى، باتت قلعة الملك محصّنة من مكائد اليمين والشمال، لم تكن اللعبة مقتصرة على ستّة عشر قطعة بل ظلّ العدد يزيد وينقص حسب رغبة الملك الذي لم يكن يرضى بأي تهديد حتمي لمملكته الخاصة، استسلم اللاعبون الآخرون بعد أن تيقنوا من خسارتهم أو هكذا بدا المشهد، لكنهم كانوا متأكدين أن خسارتهم في حقيقة الأمر هي ربح كبير، ستنمو أرزاقهم أكثر وستتضخم حساباتهم المصرفية المتعددة المنتشرة داخل وخارج الوطن، لقد فضّلوا أن يلقوا أنفسهم في بركة من الوحل والوسخ.

الراحل أحمد مهساس عبّر عن هذا المشهد في تصريح له: ” المشكلة تكمن في أنّ بعض الجزائريين يرون بأنّ صلتنا بفرنسا يجب أن تبقى دائما. نحن لا نحتاج إلى اعتراف الفرنسيين بنا، يجب علينا أن نترك دائما مسافة فاصلة بيننا وبين عدو الأمس الذي يطمح إلى إعادتنا تحت عباءته في إطار ما يُسمّى بالاستعمار الجديد. إتمام مسيرة الاستقلال ليست في رفع العَلم فقط”. ظلّت قوارب الموت تصنع الحدث في عهد “فخامته” رغم عائدات النفط الهائلة، ظلوا “حيطيست” لعقود من الزمن، بينما راح كل الرؤساء الفرنسيين وهم يتجوّلون في أحياء العاصمة، يستمتعون بالهتافات القادمة من الأمواج البشرية التي خرجت مرحبة بهم، ظلّت هذه العبارة SOYEZ LE BIEN VENU MONSIEUR LE PRESIDENT تصمّ الآذان وتزكم الأنف، بينما راحت صورة تلك المواطنة وهي تحضّن الضيف القادم من قصر الإليزيه بذراعين مفتوحين تصنع الحدث في مشهد بائس. منذ أن وطأت أقدامه قصر الإليزيه، لم يجد الرئيس الفرنسي استقبالاً رائعاً كالذي وجده في شوارع الجزائر البيضاء. حين زار مؤخراً دولة رواندا، الدولة التي نهضت من كبوتها بعد حرب إبادة تركت الحليم حيران، لم يجد في استقباله على أرضية المطار إلا وزيرا عادياً أرسله الرئيس الرواندي المثقف بول كاغامه، إنها المعاملة بالمثل، فرؤساء فرنسا تعوّدوا على استقبال ضيوفهم على درج الإليزيه وليس خارجه.

هذا الأسبوع، لم يجد الرئيس الفرنسي ذلك الاستقبال الذي وجده في الضفة الأخرى من المتوسط. سارع داميان تاريل (28 عاما) والمولع بتاريخ العصور الوسطى، لصفع الرئيس الفرنسي على وجهه خلال زيارة قادته إلى منطقةٍ بجنوب شرق البلاد، صنع الشاب الفرنسي الحدث، دخل التاريخ دون تفكير أو تخطيط أو هكذا بدا المشهد الدرامي ! تابع الجزائريون هذا الأسبوع مقابلات فريقهم الوطني لكرة القدم، وبالرغم من كون المقابلات ودية، إلا أنّ الجزائريين، داخل الوطن وخارجه، تعوّدوا على الجلوس أمام التلفاز، هي فرصة للتنفس من جديد بعد يوم متعبٍ وأيام مرهقة. ظلت تشكيلة الفريق الوطني تتعزز بأبناء المغتربين، كانوا ومنذ الثورة التحريرية يصنعون المجد جيلاً بعد جيل، من مخلوفي ولعريبي وكرمالي إلى دحلب وقريشي وبلماضي، في الوقت الذي راح فيه الشعب يفتخر بأبنائه دون تمييز، راح البعض الآخر يصبّ جام غضبه على الجالية الجزائرية، وكأنها أكلت عشاءه أو سرقت جيبه. علما أنها تقتات من عرق جبينها وفقط، لم تشارك في اغتيال الوطن ولا في وأده وهو حيّ يُرزق.

راح السلاطين الكبار يكرّرون في خطاباتهم وخرجاتهم الإعلامية الهلامية أهمية الجالية الجزائرية التي لم تقصّر أبداً، كما ظلوا يقولون، في الاستجابة لنداء الوطن في مختلف المناسبات والاستحقاقات الوطنية، من حرب التحرير إلى فاجعة باب الواد وبومرداس وقبلها في زلزال الأصنام في بداية الثمانينات، فجأة راح النظام الحالي يعاقب الجالية بمنعها من زيارة الوطن تحت تبرير الحدّ من انتشار الكوفيد. حين يرى المواطن تلك التجمعات البائسة خلال الحملات الانتخابية للتشريعيات وقد تخلى المترشحون والحضور عن لبس الكمامة وعدم التقيد بالاجراءات الصّحية والمعايير العلمية التي يفرضها الظرف المعاش، تنتابه لحظات حزن ويأس، فقد أضحت الجهة الوصية على إدارة الشأن العام غير محايدة، إنها تتعامل مع المواطن بوجهين مختلفين.

حين يُنقل المواطن القادم من خارج الوطن من المطار في حافلة تطوّقها سيارات الشرطة وهي تضع صفارتها أو ما بات يُعرف بـ La sirène، يتساءل القادم إلى الوطن عن مغزى ذلك، هل هو سجين أو مجرم؟ هل صار المواطن الجزائري القادم إلى وطنه خطراً حقيقياً على وطنه؟ ما هذه الفوبيا المصطنعة التي يهلل لها البعض؟ حين يتخلى سائق الحافلة والشرطي ومدير الفندق وعماله عن لبس الكمامة والالتزام بإجراءات وتعليمات الحجر الصحي، يتساءل المواطن في أي جمهورية نحن ؟ هل القانون يطبق فقط على المغتربين وفقط ؟ حين تقرّر حكومة الوطن المبجّل عدم الاعتراف بنتائج تحليل المخابر الأوروبية ولا باللقاح الذي أجراه في المستشفيات والمراكز الطبية الأوروبية، يتساءل المواطن، لماذا ؟ ماذا تريد اللجنة الطبية وحكومة البلد من خلال تغوّلها في فرض شروط تعجيزية ؟

عوّدنا “فخامته” على التداوي في فرنسا، كما عوّدنا “سيادته” على التّداوي في ألمانيا، كما عوّدتنا “لجماعة” على قطع البحر للتداوي بمستشفيات أوروبا وعلى حساب الخزينة العمومية، لكنها تصرّ مرة أخرى على رفضها لنداء المنطق والعقل لفتح الحدود للجزائريين القادمين من خارج الوطن رغم أنه يحمل تقريرا طبيا حديثاً يثبت أنه بصحة جيدة، حين تقرر حكومة الوطن المفدّى الإبقاء على طائرات جد قليلة لنقل المواطنين من خارج الوطن وهي تعلم أن ملايين المواطنين يرغبون في زيارة وطنهم على غرار ما يفعله الجيران الذين نعايرهم عادة بأنهم يعيشون تحت سلطة المخزن والسكين والخنجر، حين يصل المواطن ليفكر في تقديم Pot-de-vin ليتمكن من الفوز بتذكرة سفر تسمح له زيارة البلد، حينها تنتابنا لحظات حزن وغضب، فهذه الأساليب والممارسات تأخر ورجعية ومنافٍ للأنفة والكرامة الإنسانية.

حين تقرّر حكومة البلد مواصلة إغراق السفينة مع سبق الإصرار والتّرصد، في مخالفة صريحة لحقوق المواطنة، حينها يتأكد المواطن أن حكومة بلده تعاقبه لأسباب يجهلها، لم تعد في حاجة إليه رغم خطابها المتلوّن الذي بات يزكم الأنوف. بات هذا المواطن في نظرها خطراً على النظام العام وعلى المنظومة الصحية الوطنية، لكن قولوا لي بربكم، ألم يغطي الصحافيون الفرنسيون وغير الفرنسيين الانتخابات التشريعية الأخيرة، هل أُخذوا من المطار في حافلات محاطة بسيارات شرطة مع La sirène، وهل حُجزت جوازات سفرهم، وهل أُدخلوا إلى فنادق الحجر الصحي، أم أنّ الأمر كان عكس ذلك؟ الركبة ما زالت مايلة إلى أن يثبت العكس، المواطن الزوالي فقط من يدفع الثمن ؟

د. عمر صافي/فرنسا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى