page contents
أقلام الوطن

الجزائريون وقاطرة التّغيير المتوقّفة.. لماذا تجدّد الحَراك؟

بقلم: د. حسينة بوشيخ

وسط الحشود التي خرجت إلى الشوارع في الذكرى الثانية للحَراك عبر مختلف ولايات الوطن، مشاهد كثيرة تجذب الاهتمام وشعارات أكثر تلفت الانتباه، غير أنّ هنالك مشهدين استرعيا انتباهي، الأول من مظاهرة بالعاصمة، لكهلﹴ يحمل كشف راتبه، ويُسائل المسؤولين إن كانوا سيقدرون على العيش مقابل 18 ألف (د.ج) أو حتى 24 ألف (د.ج). أما المشهد الثاني، فكان مسرحيا، مجسّدا إن صحّ القول، حمل فيه شيخ من عنابة جذور شجرة وهاتف وممسحة (شيتة).

لقد أراد ذلك الشيخ أنّ يقول بطريقته الخاصة وبرمزية أجادها إنّ الحراك باقﹴ ما بقيّت الجذور الفاسدة في الأرض، وإنّه باقﹴ ما بقيّت استقلالية العدالة على المحك وتخضع للأوامر الهاتفية، وباقﹴ أيضا ما بقيّ المتملّقون والمتزلّفون الذين يزيّنون كل قبيح لأجل مصالحهم الشخصية وليس لأجل مصالح البلاد والعباد.

لقد نزلت أعداد كبيرة من الناس إلى الشوارع وهتفت كثيرا قبل أن تتفرّق، مع أنّ هنالك من راهن على انتهاء الحركة الشعبيّة وقدرة الناس على الخروج مرة أخرى للشوارع وتقديم لوائح مطالبهم، بعد “نجاح المسار الديمقراطي ” وتنصيب رئيس منتخب وتعديل الدستور في نوفمبر 2020، غير أنّ كل تلك التّحليلات سقطت في الماء وعاد الناس إلى التّظاهر بطريقتهم السلمية نفسها وشعاراتهم المبدعة المنحوتة من عمق حياتهم ومعاناتهم اليومية، معاناة عمّقتها الأزمة الاقتصادية وأزمة فيروس كورونا، والتعامل الأمني المشدّد مع النشطاء والمدوّنين عبر مواقع التواصل الاجتماعي والصحفييّن.

لقد تساءلت في مقال سابق قبل الانتخابات الرئاسية، إن كانت واقعية السياسة ستعيد دهشة وسحرية الحراك؟ وذلك بعد أن طغت الانقسامات والفرقة بين أقطاب الحراك وظهرت حملات التّخوين والتّشكيك والادعاءات باختراقه من كل طرف، وقد نجحت الواقعيّة السياسيّة في فرض منطقها ورؤيتها وسيّرت المرحلة كما ارتأت ونظّمت الانتخابات وعدّلت الدستور وانتظر الشعب التّغيير وانتظر، لكن لا شيء تغيّر واقعيا؛ فعلى المستوى السياسي استمرّ استدعاء وجوه سياسية قديمة عاصرت بوتفليقة ولم تقدم شيئا لكن الشعب يراها في حكومة الجزائر الجديدة، وعلى المستوى الاقتصادي استمرّت قيمة الدينار بالنزول، فيما استمرت الأسعار في الارتفاع، إلى درجة أنّ الرواتب لم تعد لها قيمة أو لم تعد تلبي مطالب حياة الناس.

واستيقظت الدولة لتحصّل كل غراماتها وديونها العالقة لدى الشعب عبر مصالح الضرائب وأملاك الدولة بعد عام من الكساد والإغلاق، جاع فيه الناس أو عاشوا على الكفاف بسبب إغلاق الحدود والحجر الصحي الذي استمر شهورا. أما على صعيد الحريات، وحرية التّعبير والصحافة تحديدا، فإنّ دسترة حرية الصحافة في المادة 54 من التّعديل الدستوري الجديد ودسترة حق التّظاهر والتّجمع والتّعبير عن الرأي المكفولان دستوريا، يصطدمان واقعيا بحملات اعتقالات من الشرطة وبمحاكمات قضائية تنتهي بالحبس، سواء النافذ أو مع وقف التنفيذ.

إنّ الفئة التي شكّلت حراك الثاني والعشرين فيفري قبل عامين، هي الفئة التي اقتنعت أنّ ” كأس الفساد قد امتلأ حتى فاض، وأنّ التّحرك لوقفه واجب وطني وضرورة كي تعيش الأجيال المقبلة بسلام، فوثِقت في قدرتها على إسماع أصواتها بسلميّة وتحضر، دون أن تُراق قطرة دم واحدة، لأنّ من في واجهة النّظام لطالما أقنعوا الشعب بأنّه غير قادر على التّجمهر في ساحة واحدة دون أن تنزلق الأمور إلى العنف ( من المقال السابق نفسه). إن ّ هذه الفئة، هي الفئة التي صنعت منذ البداية سحرية الحراك، وتجاهل هذه الفئة لا يعني القدرة على إنهائه أو إخماده. لذلك فإنّ عودة الحراك قد بدت صادمة لبعض النخب والسيّاسييّن وحتى من يملكون القرار، وكأنّهم لا يشعرون بتحولات المجتمع وبما تكابده تلك الفئة من مشقّات الحياة.

إنّ سيادة منطق فرض الرأي والخيار بالقوة توهم من في السلطة باقتناع الشعب وانصياعه في كل مرحلة، غير أنّه منطق برؤية قاصرة ولا يدرك فعليا المطالب الشعبيّة، أو يدركها ولكنه يستمر في تجاهلها.

لقد منح انتشار وباء كورونا في البلد شهر مارس 2020 فرصة سانحة لوقف مسيرات ومظاهرات الحراك الشعبي في إطار المصلحة الصحيّة العامة، واستجاب الحراكيون لذلك، إلا أنّ وباء التّخوين وحملات الاعتقالات لم تتوقّف، بينما انحرف التعاطي الإعلامي شيئا فشيئا إلى وجهة النّظر الرسمية فقط، وفجأة تشكّلت كتلة إعلامية يراها الشعب منحازة للنّظام أكثر ولا تشبه إعلام “الجزائر الجديدة” الذي ينشده.

لأنّ الخطاب الإعلامي الرسمي تركّز في خطاب التّخويف والمؤامرات الخارجيّة التي يقودها نشطاء يعيشون في دول أوروبية بالخصوص، مما جعله يبدو في نظر الناس مجرّد دعاية لا تهتم لواقعهم وأسباب تشبثهم بالحراك، لأنّ الحراك خرج من صلب  المجتمع وحمل أطيافا وتيارات عديدة لا يمكن إقصاؤها في فلسفته.

وإذا كان من الصعب اتّفاق الناس على رأي واحد، فإنّه دائما هنالك وقتٌ يستيقظ فيه النائم الذي يتعطّل فكره مؤقتا على حد قول “غوستاف لوبون”، تماما كما تستيقظ الشعوب التي لا تعرف معنى المستحيل أو لا تدركه لأنها “تستسلم للحظات الدهشة وكأنّها تبحث عن حل أسطوري أو ساحر..”، مع أنّ الشعب اقتنع أنّ الثقة المطلقة في سحرية الحراك أو قدرته على إيجاد الحلول لوحده وكأنّ يدا خفيّة تحركه، لم تعد ممكنة وأن الحراك نجح قبل عامين في وقف العهدة الخامسة واقتلاع العصابة لأنّه كان يمثل صورة ظاهرة لغابة فساد عهد بوتفليقة الذي أنهك الشعب والبلد، وهو الآن يتحرّك مرة ثانية تحت تأثير صور جمعيّة بدأت تتشكّل وتتضخّم في جزائر ما بعد بوتفليقة.

وعليه، فإنّ تشكل الصورة الجديدة في أذهان الناس هو الباعث على الانتفاضة والحراك مجددا، وواهم من يراهن فقط على فرضيّات التّخوين والأيادي الخارجية التي تتربّص بالبلد لتلحق به سوءا، فالسّوء الذي ينبع من دواخلنا يدمرنا أكثر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى