page contents
أقلام الوطن

الجزائر وفرنسا.. الحكاية المريرة !

الحلقة 4

ذات عام من تسعينات القرن الماضي، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، وبينما كان بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة يبذل جهوداً معتبرة لإعادة القاطرة الجزائرية الفرنسية إلى سكتها الحقيقية وإرجاع المياه إلى مجاريها، تفاجأ بإشارة من الرئيس الجزائري اليامين زروال إلى أنفه، في دلالة على أن أنفته كرئيس للجزائريين تمنعه من عقد لقاء مع الرئيس الفرنسي في الخفاء.

جاء ذلك الموقف الشّجاع من الرئيس الجزائري عقب اشتراط الرئيس الفرنسي جاك شيراك أن يتمّ اللقاء في الكواليس دون حضور وسائل الإعلام، تعلّل الرئيس الفرنسي بأنّ الرئيس الجزائري غير منتخب، بينما هو قد انتخبه الفرنسيون، لقد نسي شيراك، وقد كان رئيس حكومة في عهد جيسكار ديستان، بأن رئيسه زار الجزائر في عهد بومدين، لم يكن هذا الأخير قد انتخبه الشعب بعد، ومهما قيل عن سلطته الفردية واجتهاداته، فإنه انتزع شرعيته عبر المشاريع التنموية التي برمجها لأبناء الشعب والانجازات الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت في عهده، والتي لا ينكرها إلا جاهل أو حاقد، إذ كان يسهر عليها شخصياً لإخراج الجزائر من مأساتها التي تعيشها جرّاء استعمار استيطاني بغيض دام قرناً وربع قرنٍ من الزمن.

عقب ذلك، وعلى هامش اجتماع الرؤساء، تقدّم الرئيس شيراك لمصافحة الرئيس زروال، محاولاً استدراك ما حدث، لكن الرئيس الجزائري رفض التحدّث إليه، قائلاً له: “نتحدث لما تكونوا جاهزين” ! كانت الجزائر آنذاك تعيش زمن الجمر، إذ أدّى تدخّل قيادة الجيش في الشأن السياسي إلى عواقب وخيمة، رمى الرئيس الشاذلي المنشفة بعد أن قضى أياماً عصيبة منعته النوم، فقد الثّقة في الرّجال الذين دفع بهم إلى هرم المسؤولية، أراد التغيير في آخر لحظة، لكن التحدي كان كبيراً، ظلّ في الحلبة لوحده يصارع ثيراناً هائجة كانت تبحث عن فرصتها الذهبية منذ زمن للانقضاض على السلطة، لم يوفق الرئيس في إقناع تلاميذه، كما فشل في إعادة رجاله إلى جادة الصواب، لقد باتوا خصوماً له.

راحت المعارضة الراديكالية تنعثه بمسمار حجا، ثم ظهر شعار ” لا ميثاق لا دستور قال اللّه قال الرسول”، بينما راح بعض الوعاظ القادمين من “جنّة النعيم” يتهمون الرئيس بالكفر، ضاق الحبل حول رقبته، لم يعد بإمكانه قيادة السفينة بعد أن أُصيبت في القاع بعطب كبير، راح الثّقب يكبر ويتّسع، أضحت غير قادرة على الإبحار من جديد، بات نزار وبلخير في مقدمة المشهد البائس، واكربتاه، كانا لا يمثلان شيئاً مذكوراً في عهد بومدين، ظلاّ حريصين على وأد أي محاولة لرأب الصدع وإنقاذ الوطن، ابتهجا بموت جزء كبير من الشعب، وهجرة نخبه للبلد، وجدا نشوتهما في إذلال الشعب، لذلك تمسكا بالسفينة مع الحرص على توسعة ذلك الثقب مهما كانت النتائج والعواقب، قرّرا في ليلة واحدة سجن الشعب وذبح الوطن ! لم يكن نزار القادم من مدرسة سان سير الفرنسية قادراً على أن يكون القبطان الأساسي للسفينة، فمؤهلاته السياسية منعدمة وكفاءته الديبلوماسية لا تزيد عن مستوى طالب لم تتعد دراسته المرحلة الابتدائية، كما أن صورته الجماهيرية مهتزة بعدما سمح لنفسه قتل المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشارع في أكتوبر 88.

فضّل أن يكون مساعداً، لكنه سيظلّ في الكواليس يتحكم في كل الطّرقات والممرات والحنفيات، كما لم يكن زملاؤه الآخرون مؤهلين ليكونوا في الواجهة، لقد جاءت بهم الصدفة إلى قلب الحدث دون تحضير مسبق، لم يكونوا متفقين على من يرأسهم. وجود علي كافي قائد الولاية التاريخية الثانية لم يملأ عيونهم، لاشك أنهم استغلوا ماضيه الثوري لتزيين المشهد الهلامي، فكراهيته للاستعمار وأذنابه لا جدال فيها، لكنهم لم يكونوا مطمئنين إليه، فهو خرّيج مدرسة الكتانية بقسنطينة والزيتونة بتونس، القيم التي تربى عليها في صغره تستفزّهم، عروبيته القحّة يكرهونها ويمقتونها، فهم مفرنسون لائكيون عقلاً وفكراً وممارسة.

بعد الاستقلال رضي كافي بمنصب سفير في القاهرة بعيداً عن هموم السلطة وقنابلها الملغومة، كان أول من حذّر بومدين من بن بلّة، راح يشرح له بإسهاب، وهما يستقلان ذات يوم الطائرة، ما نما إليه من أخبار موثوقة بأن بن بلّة سيقوم بتغيير المشهد كله بعد القمة الأفروأسيوية التي ستُعقد قريباً في الجزائر، سيخرج بن بلّة من هذه القمة زعيماً لا يشق له غبار، أومأ لبومدين أن يتحرك، عليه أن يتغذى ببن بلّة قبل أن يتعشى به هذا الأخير.

بعد انقلاب جوان 65، أغدق عليه بومدين الكثير، تركه يخلد في القاهرة منتشياً في حاراتها وزائراً لقلاعها وأهرامها، مواضباً على موائدها وملذاتها، ظلّ يتجوّل ليلاً على ضفاف نهر النيل مستمعاً تارة لأم كلثوم وعبد الحليم، وأخرى لخطب حبيب الجماهير، لكن بوفاة بومدين فقد هذا الامتياز، أنهى الشاذلي مسيرته الديبلوماسية بجرة قلم، لكنه اتّصل به ذات يوم في أواخر سنوات حكمه، مقترحاً عليه أمانة المنظمة الوطنية للمجاهدين، وهي الصفة التي مكنته عقب اغتيال محمد بوضياف من ترؤس المجلس الأعلى للدولة.

انحاز علي كافي لجماعة يناير، ربما انتقاما من الشاذلي أو طموحاً في مغرم آخر أو الاثنين معاً، وجوده في منصبه مرّ دون تأثير ايجابي كبير، كان خضرة فوق عشاء، لم يتحرك ساكناً عند إقالة بلعيد عبد السلام من رئاسة الحكومة بعدما رفض هذا الأخير إعادة جدولة الديون الجزائرية الخارجية مع صندوق النقد الدولي، وهي المهمة التي قام به مباشرة رضا مالك بعدما أُبعد عبد السلام.

لقد تآمر محمد تواتي مع الفرنسيين، حسب شهادة عبد السلام، بعدما قام بالإتصال، من وراء ظهره، بمسؤولي الخزينة العمومية الفرنسية بباريس لمعرفة حجم أموال الخزينة الجزائرية سنة 1993، بهدف الضغط عليه ودفعه إلى التوقيع على إتفاق إعادة الجدولة مع صندوق النقد الدولي.

لقد سمح الجنرال “المخ” لنفسه زيارة باريس والتحقق لدى مصلحة أجنبية من معطيات متوفرة لدى حكومة بلده ذاتها،كانت فرنسا تدرك تمام الإدراك أنه مقرب جداً من عضو يعتبر الأكثر تأثيراً على مستوى المجلس الأعلى للدولة. لا يمكن إلا أن أظن، يقول السيد عبد السلام، أنّ “المخ” قد أخبر الحكومة الفرنسية أنّ السياسة المتبعة من طرف حكومته لم تكن تحظى بالمصداقية والتأييد من الذين كانوا، في تلك الفترة، أصحاب القرار الفعلي في الجزائر.

قصد رئيس الحكومة مقر إقامة رئيس الدولة، وجد كافي ونزار جالسين، استفسر عبد السلام من كافي ” واش هذه الخدمة سي علي” أجابه كافي: أنا خاطي، شوف مع سي خالد، كان نزار يكاد يفقد الوعي وهو يحتسي نبيذاً فاخراً كعادته، تكلم حينها بصوتٍ يشبه صوت عجوز على وشك أن يغادر الحياة ” لقد برمجناك لتترشح للانتخابات الرئاسية القادمة”، وهو الوعد الذي لم يتحقق أبداً.

في طريقه إلى بيته، في ذلك اليوم الحار من شهر أوت الذي اُغتيل فيه أيضاً رئيس حكومة آخر، السيد قاصدي مرباح، وتحت وقع الخبر الذي جاءه، رأى رضا مالك أعمدة الكهرباء التي تضيء الطريق من زرالدة إلى بيته الكائن بحي حيدرة الراقي، كأنها أعجاز نخل خاوية، والمياه التي تسكن واد الحراش تتخبط بين حيطان المتاهة وتدفعها إلى هذا الجانب أو ذاك، كانت مياه تتدفق بلا حول ولا قوة، بلا جثث، بلا جيف أبقار وماعز وطيور ميّتة، بلا أوان محطمة وألواح وخشب، كانت مياهه “صافية”، كأنها العرق الذي شربه ممزوجاً بالماء الزلال ومكعبات الجليد.

قبل أسبوعٍ من إعفاء بلعيد عبد السلام، أدلى وزير الخارجية الفرنسي ألان جيبي بتصريح مدوٍ، أصدر فيه حكماً بفشل حكومة عبد السلام، قال فيه: “الوضع القائم لا يمكن أن يستمر”، سامحاً لنفسه بالتدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية، وقد تبع هذا التصريح مباشرة تعليق في يومية Le Monde تبنى صاحبه الانتقادات التي وجّهها الوزير الفرنسي، مشيراً إلى مقال كتبه عمر بلهوشات مدير يومية El Watan الموصوفة بـ”المستقلة” في شكل افتتاحية تندد بنشاط الحكومة، معتبرة عبد السلام، من رجال الماضي ويحمل أفكاراً بالية.

ظلّت باريس تحمل في ذاكرتها الكثير من الآلام والآمال، كانت تبحث عن فرصتها الذهبية لفرض وصايتها على الجزائر، راح الرئيس الفرنسي ميتران يبرّر استيلاء الجيش على مقاليد الحكم وتوقيف المسار الانتخابي، قائلا في مجلس للوزراء “ماذا لو لم يتدخّل الجيش، ننتظر الأسوء ربما” وهي نفس السياسة التي تؤكدها مختلف الحكومات الفرنسية، لقد اُغتيل الرئيس التشادي مؤخراً، لم تجد فرنسا بداً من تقديم الدعم الكافي لأولئك العسكريين الأوفياء لها للسطو على الحكم. حين أُعفي بلعيد عبد السلام من رئاسة الحكومة، كان يسعد ربراب يقوم بأكبر عملية احتيال في الجزائر، ظلّت عملية استيراد الحديد المشع من أوكرانيا، حديث الشارع الجزائري، فجأة، سكت الجميع عن التطرق لهذه النقطة. بعد مجيء بوتفليقة، عاقبت جماعة الحل والعقد علي كافي بمنعه نشر مذكراته، لقد تجرأ على الإشارة لبعض الزلل الذي رافق الثورة.

جماعة يناير التي أعلنت حرباً على كلّ ما يمت للشعب من مبادئ وقيم، لم ترض أن يتحدّث علي كافي عن عبّان رمضان ولا عن الضباط القادمين من الجيش الفرنسي، باتت الجزائر تعيش الممنوعات الثورية منذ أن قرّر السّاسة ذبح الديمقراطية باسم الحفاظ على هيبة الدولة، وهي الثورة التي لم تتردد في ذبح الكثير من المجاهدين لأسبابٍ يراها الكثيرون انتهازية وتعسفية وانتقامية.

الجماعة التي دفعت الشاذلي إلى الانسحاب من المشهد، لم تسيء للشاذلي بن جديد بعد أن أنزوى في بيته، حافظ الجميع على جزءٍ من الخيط، خيط الوفاء، لكن نزار، المنقلب المزاج، راح يشتم الرئيس في مذكّراته ويعايره بأقبح الصفات، كان يراه ليس أهلاً ليكون خليفة لبومدين. عقب وفاة هذا الأخير، حسم الجيش اختياره، ليكون بن جديد الرئيس المقبل للجزائر، بمجرّد أن سمع الرائد نزار بالأمر، كان يومها في بشار، طار إلى العاصمة، اتصّل بقاصدي مرباح مستفسراً ومقترحاً لقاءه، تجاهله قائد الأمن العسكري، مَن هذا الصغير الذي يريد لقائي لمناقشة قراراً اتخذه الجيش؟ تساءل قاصدي مرباح، لكن بعد عشر سنوات حدثت المفارقة، رقاه الشاذلي ليكون قائداً للأركان ثم وزيراً للدفاع رغم أنّ الكثيرين من استشارهم الرئيس قد زكوا غيره للمنصب الحساس.

ماذا حدث للسيد الرئيس، تساءل بعض الملاحظين المقربين، كانت المفاجأة بادية على وجوههم. في الفترة الثانية من عهدته، أصبح الشاذلي، كما جاء في مذكرات أحمد طالب، “يقرّر دون مناقشة أو تفكير، وغالبا دون استشارة، لقد تضاءل استعداده للحوار، وأصبح لديه حساسية من الاستشارة كما لو أن الكرسي الرئاسي انتهى بإعطاء الجالس عليه العلم المطلق”. الجماعة التي انقلبت على الرئيس، ورغم غدرهم به، إلا أنهم راحوا في قرارة أنفسهم يشكرون الرئيس أن مكّنهم من الحكم، لقد جاءهم على طبق من ذهب، استيلاؤهم على السلطة لم تمر دون آثار، كانت فرصتهم الكبيرة، لقد اغتنوا أكثر.

راح نزار يعتني بقصره الفخم وحديقته الواسعة، كان من قبل مقرَ سفارة أجنبية، كما راح يقتني الهكتارات من غابة بوشاوي وأراضي النخيل في بسكرة، فتح الانقلاب له ولزملائه ليصبحوا بورجوازيين كباراً بعد أن كانوا من قبل يعيشون الكفاف كغيرهم من أبناء الشعب، لقد ساوت الاشتراكية بين الجزائريين، لم يترك بومدين في حسابه البنكي إلا دنانير معدودات، ظلّ التقشف والزهد عنوان الثورة والمجاهدين، فجأة انقسم المجتمع إلى فئتين، فئة بورجوازية جشعة وأخرى فقيرة مُعدمة، لقد قرّر الخلفاء الجدد الاقتداء بأمراء وقادة بني أمية!

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، راح الأوصياء الجدد على الشعب، يمارسون التضليل والانتقام، كانت الخصومة بين نزار وبلوصيف كبيرة، حين كان هذا الأخير أميناً عاماً لوزراة الدفاع الوطني، اتخذ قراراً بتحويل نزار إلى ولاية بشار، لم يتردد الجنرال بلوصيف في رفض بعض الصفقات العسكرية الغالية الثمن المقترحة من فرنسا لتغطية الإقليم الجوي الجزائري، كم رفض منح الترخيص للطيران الفرنسي لضرب دول مجاورة، راح الرئيس الفرنسي يشتكي للرئيس الشاذلي من تصرفات الأمين العام لوزارة الدفاع، غضب الشاذلي من مساعده الذي أحاله إلى التقاعد وهو في سن مبكرة، لم يتوقف المشهد عند هذا الحد، حين وصلت جماعة يناير إلى الحكم، أدخلت الجنرال بلوصيف إلى السجن بعد أن حكمت عليه بعشرين سنة نافذة، بعدما وصل الجنرال زروال إلى الحكم، عفا عن رفيقه في الجهاد، كان ذلك في عام 96 من القرن الماضي، وهو القرار الذي لم تهضمه باريس ولا تلاميذها، راح هؤلاء يشعلون النار في البلد للدفع برئيس البلاد لرمي المنشفة ! …يتبع

د. عمر صافي /فرنسا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى