page contents
أقلام الوطن

الجمهورية العيّة

بقلم الدكتور السعيد بوطاجين

كلما سمعت الجزائريين يتحدثون كما شاءوا، تذكرت ما قاله المترجم والشاعر السوداني الدكتور عبد الرحمن جيلي الذي بقي حاضرا في البال، وسيظل شامخا بحكمته ونكثته. كان رحمه الله أستاذا بقسم الأدب العربي بجامعة الجزائر، رفقة جيل من الأسماء الكبيرة التي تركت فجوات يتعذر ترميمها غدا. جاء إلى البلد هاربا من حكم الرئيس جعفر النميري، مع أنه دعاه إلى العودة إلى بلده. قرأ عليّ الرسالة في بيته، بحضور الإعلامي عبد العزيز بوباكير، وغرق في الضحك وهو يردد: يريد اللعين أن يشنقني بهذه الدعوة. لم يرجع إلى الخرطوم، وفضل المنفى على التعذيب.

عاش عبد الرحمن جيلي حياة شفق وفلق، غريبا وعليلا ووحيدا ما بين العواصم والمدن، ثم انتهى إلى العبث واللاجدوى، خاصة في أيامه الأخيرة التي شهدت دخوله إلى المستشفى الجامعي مصطفى باشا بالعاصمة بسبب تعقيدات صحية مركبة، قبل نقله إلى القاهرة حيث توفي، دون أن ينعم بزيارة وطنه. أذكر أنه قال لي وهو على السرير بالمشفى الجامعي، وكنت رفقة الشاعر العراقي محمد حسين الأعرجي: “ألا زلت تكتب يا سعيد؟ انظر إلى هذا الركام الثقافي كيف يتهاوى”. لن انسى أبدا تلك اللحظة، ولا تلك العبارة الدالة على حالة وجودية مربكة، كما لو أنه أدرك الحقيقة المعرفية في أوطان لا عقل لها.

كان الشاعر جيلي موسوعة من المعارف التراثية والحداثية، كائنا أسطوريا، شلاّلا من المعلومات الدقيقة، وقامة في الترجمة من الروسية إلى العربية. كما تميز، إضافة إلى ثقافته الواسعة، بروح النكتة والدعابة وسرعة البديهة، ولذلك أحببناه. لقد كنّا نعيش معا رفقة مجموعة من الأكاديميين والكتّاب والشعراء، وكان معنا الموسيقار محمد بوليفة الذي ما فتئ يؤثث جلساتنا بألحانه الخالدة. ذلك الزمن البعيد كان هبة من السماء، ولن يتكرر إلا بعد مغادرتنا الدنيا.

قال لنا جيلي الذي لم يكن يفهم كلامنا في البدايات الأولى من قدومه إلى الجزائر، لأننا كنا ندخل شعبان في رمضان: “عندما خلق الله الأمريكيين قال لهم تكلموا الانجليزية، وعندما خلف السوفييت قال لهم تكلموا الروسية، وعندما خلق الفرنسيين قال لهم تكلموا الفرنسية…وعندما خلق الجزائريين قال لهم تكلموا كما شئتم”. كانت ملاحظته العظيمة، كأجنبي لا يعرف دارجتنا،محاضرة مؤسسة على معاينة لغتنا الملوثة التي لا تبين بسبب التداخلات اللسانية واللهجية، وبسبب التحريفات المعجمية التي تميزها عن باقي اللهجات، وبسبب تنوعها وتغيرهاوغموضها الكبير. كما قال لي الراحل الطاهر وطار، في السياق ذاته: ” كيف ننقل إلى النص الأدبي جملة كهذه: يا خو دحسو كاميو فالثورنةرمصوه مورصو مورصو”؟ ومعنى ذلك في الترجمة إلى العربية المعيارية: يا أخي، دهسته شاحنة في المنعرج فجمعوه قطعة فقطعة.

تتعقد المشكلة أكثر فأكثر عندما تصبح هذه اللهجة الملوثة لغة الحصص التلفزيونية والخطاب الرسمي ومهاترات الشخصيات السياسية التي تعكس وجه البلد المنهار على كافة الأصعدة، بما في ذلك ما تعلق بالجانب اللساني واللغة الوطنية. إننا ننتقل، في أحايين كثيرة، من اللغة الفرنسية، كلغة رسمية لأغلب المسؤولين الذين يخاطبون بها الأمة بالقفز على الدستور، إلى دارجة عبارة عن خليط تمسك به دعاة اللغة الثالثة الذين اتخذوا موقفا مناهضا للمعربين وللعربية، مبررين ذلك بعدم قدرتها على مسايرة العلوم، دون أن يعرفوا عنها شيئا، أو بإخفاء كل الأشياء الايجابية التي يعرفونها عنها، مفضلين بذلك جعل الشعب يتأتئ بلا لغة واضحة المعالم، وهي حالة استثنائية في تاريخ شعوب العالم.

يحضرني في هذا السياق ما حصل بين الموسيقار اللبناني مارسيل خليفة وأحد هؤلاء التقدميين الذين يفهمون المجتمع  بطريقتهم الخاصة، او تأسيسا على منطق معزة ولو طارت، وباحتكار المنطق. كنّا، نحن الثلاثة، في المقر الجديد لمجلة الوحدة في أعالي شارع ديدوش مراد، وكان الصحفي يحدّث المطرب بالفرنسية، ثم بالعامية الجزائرية المتقعرة، وكان مارسيل يستمع بجدية كبيرة، أو يتظاهر بذلك لأنه لم يفهم شيئا مما يقال، وإذ أنهى الصحفي كلامه الذي استغرق وقتا طويلا، عقب مارسيل خليفة بنوع من الاستهزاء الموجز: اسمع يا…من لا يفهم لغة أمته، أو يتنكر لها، لا يمكن أن يكون ثوريا أبدا.

الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية المستقلة منذ 58 سنة، جمهورية لا لغة لها بشهادة الواقع العيني. إنها تتلعثم أمام العالم محاولة أن تتهجى ما تيسر من الحروف والكلمات. لم تعد القضية متعلقة فقط بالاقتصاد المدمّر، أو بهجرة الأدمغة، أو بالاستراتيجيات الغائبة، أو بالنزيف العام الذي شهدته البنوك منذ عقود من الاختلاسات، أو بالعبث الذي ميز مختلف السياسات الفاشلة عبر الأوقات. هناك شيء آخر أسهمنا في كسره بميزانية الدولة وإطاراتها، وبعبث الأنظمة المتعاقبة: اللغة كعنصر قاعدي يسهم في تمتين الهوية، وعندما تسخر منا الأمم لأننا لا نعرف كيف نتكلم، فمعنى ذلك أننا لم نصل بعد إلى مرحلة المجتمع، ومن ثمّ استحالة الحديث عن المشاريع الوطنية، وعن أيّ خطة إنعاش ما لم نملك لسانا جامعا يوحد الأمة.

قد نتفهم المستوى العام للشعب الغارق في الأمية، لكننا لن نفهم أبدا كيف يخاطب المسؤول الكبير هذه الأمة بخليط من الألفاظ والجمل، وبتداخل فظيع للألسنة، كما لو أن الأمر لا يتعلق بسيادة الدولة، وبصورتها التي تزداد اتساخا لدى الأمم التي تتابع خطابات رسمية قريبة من السوقية، من الفوضى والجهل والعمى نتيجة عدم الإحساس بالمسؤولية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق