page contents
أقلام الوطن

الجيش والأمة في تركيا والجزائر..

العقيدة والأدوار (V)

سؤال السياسة الأول، الذي دائما يتردد معنا هو: من يحكم؟ بين طموح الحكم الفردي ومتطلبات العمل المؤسساتي المُدستَر وإكراهات الوقائع التاريخية التي تتراوح بين نزعات شعبوية مُعطلة وإرادة التغيير والتنمية، تبرز إشكالات معقدة كانت في أساس نشأة الفلسفة السياسية اليونانية دارت حول جدلية الحرية والنظام. جدلية ووفق تصور “هيغلي” ينبغي أن توصل إلى حيث تتكامل أدوار مؤسسات الدولة ليس فقط على مستوى ما هو منصوص عليه في الدستور، وإنما أيضا بناء تفاهمات تحدد ما يمكن أن يكون ضمن الأولويات خاصة فيما يتعلق بالأمن القومي والنظام الجمهوري وعدم السماح بأي نزعة نحو الحكم الفردي نظرا لخطورتها وتهديداتها. لقد أكدتُ، تبعا لهذا، أن يتم ترجمة هذه التفاهمات من خلال السعي الدؤوب والمتواصل لتحقيق تطلعات مختلف فئات المجتمع بواسطة نخبة حاكمة تدرك التحديات وتستطيع رسم سياسات عامة قادرة على تحقيق الأهداف العامة. إنها مرحلة تحقيق التوازن والتكامل وفق النظرية” الوظيفية – العضوية”، حيث يجب أن يوجد “عقل دولتي” يعمل بحسب المصالح العليا للأمة، لا يتزعزع بتغير النظام السياسي.

يمكن ملاحظة عمل هذا العقل ونجاحه في نقل دول من التخلف إلى التقدم، مثلما حدث في تركيا. لقد بلغت هذه الدولة درجة من إدراك التحديات، جعلتها تتجاوز الصراعات العقيمة بين النخب المدنية منها والعسكرية، بتحقيق فصل واضح وصريح بين التطلعات الفردية المشروعة وطموحات الأمة في العيش الكريم والتنمية المستدامة والمكانة الدولية المحترمة.

بشكل نسبي، يمكن مقارنة وضع الجزائر ما بعد هواري بومدين بوضع تركيا بعد أتاتورك. فقد تأكد دور الجيش ضمن الحياة السياسية، وخاصة بعد بروز علامات التأزم والخوف على مصير المشروع الوطني والنظام الجمهوري الفتي. مع تأكيد حالة اختلاف جوهرية في العلاقة مع القوى الاستعمارية السابقة. لقد انتصرت تركيا إلى المعسكر الغربي بعد الحرب العالمية الثانية، فانضمت إلى حلف الناتو سنة 1951. هذا التوجه ساعد على رسم دور محوري لتركيا في المنطقة كواجهة صد للتمدد الشيوعي، بحث ساهم في بناء قدرات الجيش التركي التي جعلت منه أحد أقوى جيوش المنطقة، ثم سياسات التطوير والتكوين المحلية من خلال الأكاديميات العسكرية التي توفر تدريبا احترافيا وتكوينا عالي الجودة.

ترجم الدور السياسي للجيش التركي في عديد الانقلابات العسكرية بحجة الدفاع على النظام الجمهوري والعلمانية، حيث قام بالاستيلاء على الحكم سنة 1960 تحت وازع: إقامة نظام أكثر ليبرالية وديمقراطية من النظام السابق وإعداد دستور ديمقراطي جديد. استمرت هيمنة قادة الجيش عبر “نظام مراقبة الديمقراطية التركي” حتى سنة 1973. وعاود الجيش الكرَّة في انقلاب سنة 1980 بأن سيطر على الحكم تحت ذريعة مواجهة قوى اليسار، وهذا إلى غاية سنة 1983 حين انتخب المدني “تورغوت أوزال” رئيسا للدولة إلى غاية سنة 1993. وقد تميزت فترة حكمه بتعزيز الممارسة الديمقراطية وتأكيد الحكم المدني ولكن أيضا “بأسلمة” مؤسسات الجمهورية كجزء من محاربة نفوذ اليسار. ولذلك قُيِّم هذا التوجه كتحالف بين “الثكنة والمسجد”. استمر هذا الوضع إلى غاية سنة 1997 عندما أجبر الجيش حكومة نجم الدين أربكان (حزب رفاه) الموالية للإسلاميين على الاستقالة عام 1997.

يحلو لأنصار الكمالية استخدام عبارة “انقلاب ما بعد الحداثة”، لوصف تدخل الجيش في السياسة، من خلال “تشكيل تحالفات اجتماعية، والهيمنة على الإدارة وإنتاج خطاب حول الشرعية الأمنية”. أو بما يملكه من ثقل في الاقتصاد والشركات التي يسيطر عليها إضافة إلى الإنفاق الأمني الذي يتحكم فيه، عبر صندوق الاستثمار (OYAK) الذي يديره حصريًا. تم تصميم هذا الأخير في الأصل “كمؤسسة ذات غرض اجتماعي لإعادة التوزيع، وتعمل على نموذج صناديق التقاعد الأمريكية، وقد قامت ببناء إمبراطورية حقيقية من مختلف المقتنيات المالية والصناعية في القطاعات الرئيسة”. فيتم إعادة استثمار أرباحه في البورصة التركية مما “يسمح للجيش بالتأثير على الحياة الاقتصادية للبلاد وكذلك التمويل الذاتي يعني السماح لها بتبرير النفقات”. هذا الثقل ناهز ربع الميزانية العامة. كان هذا التدخل يتم بشكل مباشر (الانقلاب العسكري) أو عبر “مجلس الأمن القومي” (MGK) الذي يهيمن العسكريون عليه، والذي كان يقدم ” توصيات” إلى السلطات المدنية.

مع وصول حزب العدالة والتنمية في نوفمبر 2002، تم المبادرة سريعا بتقليص دور الجيش في السياسة لما أقر البرلمان في 30 جويلية 2003 قانونا (استجابة لمتطلبات الاتحاد الأوروبي من أجل الانضمام إليه) من خلاله جرد مجلس الأمن القومي من سلطاته التنفيذية وحوله إلى مجلس استشاري للحكومة، وأصبح عدد أعضائه المدنيين تسعة مقابل خمسة عسكريين، وكان عدد المدنيين أربعة منذ تأسيس المجلس عام 1937″. وعليه، راح نفوذ الجيش يتراجع بل إن “القادة العسكريين غابوا عن الساحة السياسية بين 2010 و2011 بعدما كانوا قطبا أساسيا في السلطة”، مثلما يقول المتخصص في الشؤون التركية “جان ماركو”.

تأكدت نهاية نموذج “نظام مراقبة الديمقراطية” بعد فشل المحاولة الانقلابية لسنة 2016 بسبب “دعم الشعب”، ومن ثمة “إنهاء المهام السياسية غير الدستورية لهذه المؤسسة الجمهورية العلمانية وإعادتها للثكنات لتتولى مهامها القانونية”[1].

هل يمكن إرجاع هذا التطور إلى دور رجب طيب أردوغان المعروف “بكاريزما كبيرة وبتسلطه”، ففي مقابل “إضعاف دور وحضور الجيش في الهياكل والمؤسسات العمومية، مثل الجامعات والعدل” عمل على دعم وتعزيز قدرات الجيش ورفع رواتب الجنود والضباط. أم أن الأمر مرتبط بتطور المجتمع التركي ونجاح السياسات الاقتصادية، اللذان فتحا الطريق أمام تحديد مفهوم أكثر حركة وفاعلية للسياسة. كما تبيّن أن “حماية الديمقراطية والنظام العلماني” لم يكونا سوى فزاعة من أجل مصادرة الديمقراطية نفسها، فلم يحدث أن تم تهديد أساس النظام الجمهوري وقيمه المؤسسة من قبل حزب العدالة والتنمية.

يمكن القول إن وضع تركيا اليوم قد تغير. هل أنه زعزع أسس الجمهورية التركية بوطنيتها وعلمانيتها؟ يعاين الزائر لها بعد كل هذه التحولات وهو يسترجع زخم المظاهرات التي كانت تخرج منددة بالخطر الذي يحدق بها، في تجاور الحملات الانتخابية في المكان والزمان ذاتيهما من أجل الفوز برئاسة بلدية اسطنبول، والتي فاز بها مرشح المعارضة، يدرك أن الحرية ورفع الوصاية على الشعب التركي قد تركت الأثر الحسن، من حيث ثقة المواطنين في بلادهم وما تزخر به من طاقات ترجمت على صعيد الاقتصاد والثقافة. الوصاية سواء ممن يفترض أنهم إسلاميون أو علمانيون.

بهذه الخلاصة، نستعيد فرضية نجاح مسار الإصلاحات الذي بوشر فيه في بداية التسعينيات في الجزائر، فنعيد وبواسطة عملية استعاضة للفاعلين الأساسيين حسب سيناريو التحول التركي، لو كان جميع الأطراف قبلوا لعبة الديمقراطية وفق قواعد محددة، بإعطاء الكلمة أولا وأخيرا للسياسة لكي تحسم أي إشكال أو صراع دون فرض الوصاية أو التخوين والتكفير.

يعتقد “جيمس د. لوسيور” (James D. Le Sueur) أن :” الخطأ الأكبر أو ربما التراجيدي لمرحلة الإصلاحات هو أن نجاح المسار الديمقراطي في النهاية سمح للعسكر بوضع اليد بشكل كامل”. لقد حل منطق القوة والمواجهة محل الحوار والتوافق، ولكن أيضا نظرة التعالي والتخوف من نجاح مسار الإصلاحات، مثلما تبرز في تصريح للجنرال العربي بلخير:” إن حمروش رجل موهوب، وهو عبارة عن آلة حقيقية في العمل، لكن للأسف إن الرجل أصبحت له طموحات كبيرة، أراد من خلالها تجاوز من ساهموا في صناعته. وقد أدت به مثل هذه الطموحات إلى خلق مجموعة من حوله، كانت غايتها الاستيلاء على الحكم، حتى وإن تطلب ذلك التحالف مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ. لقد عمل حمروش ومجموعته ممن كانوا يسمون أنفسهم بالإصلاحيين على إستراتيجية خطيرة، وهي إستراتيجية التعفين الخلاقة للفوضى المنظمة، ولقد كانت هذه الإستراتيجية السبب الحقيقي وراء دفعه إلى تقديم استقالته عندما انفلتت الأمور في أثناء إضرابات الفيس (الجبهة الإسلامية للإنقاد) السياسية من بين يديه”.

د. عبد السلام فيلالي

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. الاخوان المسلمون يروجون لتركيا في الوطن العربي.تراجع دور الجيش التركي في صنع القرار كان بسبب تسلل الاخوانجية الى قيادته، حتى قبل سيطرة حزب اردوغان على الحياة السياسية في تركيا، ولا مجال للمقارنة بين وضع الجزائر بوضع تىكيا، بهذا قد جانبت الصواب.. يا دكتور….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى