page contents
أقلام الوطن

الجيش والأمة في تركيا والجزائر..

العقيدة والأدوار (II)

الجيش التركي هو سليل الجيش العثماني، والجيش الوطني الشعبي الجزائري هو سليل جيش التحرير الوطني. والمقارنة نفسها تجوز بين مؤسِسَيهما، فقد كان مصطفى كمال أتاتورك قائده قبل أن ينزع بدلته العسكرية، وهواري بومدين هو قائد جيش التحرير الوطني منذ تعيينه على رأس هيئة الأركان العامة في جانفي 1960 ثم وزيرا للدفاع بعد الاستقلال، المنصب الذي لم يتخل عنه بعد رئاسته لمجلس الثورة سنة 1965 ثم انتخابه رئيسا للجمهورية سنة 1976. وكلاهما لعب دورا حاسما في المرور ببلديهما إلى بر الأمان.

في الحالة الجزائرية، إن هذا الدور مرتبط بالقدرات القيادية التي تميز بها العقيد هوراي بومدين، خاصة بعد نجاحه في تنظيم” لجنة التنظيم العسكرية” للمنطقة الغربية (com-ouest) لجيش التحرير الوطني التي عين على رأسها في أفريل 1958، ولاحقا في الجهة الشرقية مع ما عرف بجيش الحدود. حيث استطاع ببراعة وصرامة في تجاوز فشل كريم في فرض الانضباط والطاعة والوحدة داخله، فشل كان أدى إلى بروز فوضى كبيرة. يقول المؤرخ محمد حربي :” بعض الضباط اقتطعوا مناطق نفوذ، وكانوا يرتكزون على عناصر مجندة في ولاياتهم وفي عشائرهم أو في مناطقهم في منافستهم وزرع الشقاق بينهم (…) فشل كريم بلقاسم في وضع إستراتيجية عسكرية وتنسيق هجمات فورية على الحدود الجزائرية التونسية”[1]. إذن فرض الانضباط والاحـتراف وتطوير أجهزة الاستعلامات والإمدادات، وإجمالا إعادة تنظيم جيش الحدود بحيث خرج من وضع التجميع المتشتت إلى وضع الجيش المحترف الذي يؤتمر بأوامر قائده.

نعم، يمكن الأخذ على هذا الدور بحسب جدلية العلاقة بين السياسي والعسكري، ولكن يصعب جدا تصور كيفية ضبط النظام وولادة الدولة الجزائرية المستقلة في وضع التفكك والصراع الذي مرت به الجزائر بعد توقيع اتفاقيات إيفيان (ومستلزماتها) ثم غداة الاستقلال. إن تحول جيش الحدود إلى قوة عسكرية جد منظمة ومنضبطة قد غير مسار الأحداث والتاريخ. سيتأكد هذا بعد إزاحة الرئيس أحمد بن بلة من على أعلى هرم الحكم في 19 جوان 1965. هذا الأمر لم يحدث في تركيا، إذ لم يدخل الجيش معترك السياسية إلا في سنة 1960 بعد انقلاب عسكري. فلقد حسم مصطفى كمال أتاتورك في مدنية الدولة وإبعاد الجيش عن السياسة بعد انتخابه رئيسا للجمهورية التركية سنة 1923، بأن اعتمد على حزب الشعب الجمهوري (CHP) كحزب واحد حاكم. فكان بناء الدولة التركية الحديثة متوازنا انطلاقا من مبدأ الفصل بين السلطات الذي هو الدعامة الأساسية لأي نظام سياسي. فنستطيع تمييز هذا التقسيم تبعا لثلاثية الحكومة (الحزب) الجيش، هذا الأخير الذي سيحتفظ له بالاعتراف بعد معارك الاستقلال وحسم خيارات الدولة وريثة السلطنة.

يمكن القول إننا في الجزائر لما بعد نصل إلى مرحلة التقييم الموضوعي لدور الجيش الوطني الشعبي في تجاوز مخاض التأسيس، خاصة داخل وضع معقد الذي كانت تمليه الاتفاقيات الموقعة مع فرنسا، وما كان يبرز من تحديات أمام الخط الاستقلالي القومي. ثم النزاع الأخوي المُضر الذي لاحت عبره بوادر انقسام (مؤتمر طرابلس) وصراع دام بين الحكومة المؤقتة والمكتب السياسي. كتب علي هارون في هذا الصدد:” هدم الصراع بين الحكومة وهيئة الأركان العامة مبادئ الحكم وخلق فراغا، في غياب سلطة فعلية. إن الولايات تتصرف بدون تنسيق، إن خطرا يهدد الوحدة ليس فقط على وحدة البلاد وإنما وحدة الأمة أيضا”[2]. وخاصة بعد القرار الخطير بحل هيئة الأركان العامة من قبل الحكومة المؤقتة في 30 جوان 1962، قرار تم رفضه واعتبر بمثابة انقلاب العسكري وأنه غير شرعي من حيث أن المجلس الوطني للثورة الجزائرية هو الوحيد الذي يحق له اتخاذ مثل هذا القرار.

إن ضعف حجية الحكومة المؤقتة وتوالي الاستقالات منها ثم اعترافها بالمكتب السياسي (في 23 جويلية) قد حسم مسألة شرعية هذا الأخير (التي يستمدها من المجلس الوطني للثورة الجزائرية في اجتماعيه الأول والثاني بطرابلس:1961 و1962)، وبالتالي فتح المجال أمام حسم الموقف بتقدم وحدات جيش الحدود نحو الولاية الثانية أولا ثم الولاية الرابعة. هذا الحسم سمح بإجراء انتخابات اختيار أعضاء المجلس التأسيسي في 20 سبتمبر 1962، الذي سيجتمع يوم 25 سبتمبر ويتم الإعلان عن قيام الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.

طرحت أسئلة كثيرة حول مخارج حرب التحرير الجزائرية، من حيث تبني الإيديولوجية الاشتراكية ونظام الحزب الواحد. والأهم من هذا وذاك هو عملية الإبعاد والإقصاء التي تعرضت لها عديد الشخصيات السياسية الفاعلة في مسار الحركة الوطنية. ومن ثم خسارة روافد جد هامة في بناء الدولة الجزائرية. إنه لا يجب أسطرة أي رافد منها، ولكن من المهم ملاحظة غياب روح الوفاق والنقاش بين الفاعلين الأساسيين، التي كانت جدّ مهمة بالنسبة لفسح المجال أمام المبادرات التي تعززها وتؤول نحو فشل عام أثر على موجهات الفعل السياسي والارتهان إلى فعل القوة. هذا ما يعبر عنه محمد بوضياف بعد توجهه إلى تأسيس “حزب الثورة الاشتراكية”، كإشارة دالة بأن ميراث جبهة التحرير الوطني ليس لفئة محظية بل لجميع الجزائريين وأن دورها قد انتهى مع نيل الاستقلال، متهما بأنه صارت :”أداة هيمنة في يد فئة مصالحها مختلفة عن مصالح الجماهير، وهي لهذا لا تبقى في السلطة إلا عن طريق القوة والرشوة”[3]. ثم الحكم الذي قال به من قبل فرحات عباس بعد استقالته من رئاسة المجلس التأسيسي على جرى في صائفة 1962: “إنه بلا جيش لا توجد حقيقة واقعة”، مستطردا أن جبهة التحرير الوطني “أصبحت جثة هامدة، وتنظيما بلا قمة، لقد كانت مجرد لقاء”[4]. فانتهى كل شيء إلى تثبيت الحكم الفردي الذي مضى الرئيس أحمد بن بلة فيه بعيدا، بحيث تم تعديل مفهوم الشرعية الذي كان قد بُني على مبدأ القيادة الجماعية في أدبيات جبهة التحرير الوطني بعد القطيعة مع المصالية.

لم يجد الرئيس أحمد بن بلة سوى قوة الجيش التي باستطاعتها كبح جماح هذا النزوع الذي تجلى بشكل مزعج في أثناء سعيه لتكوين”ميليشيات” شعبية خاصة بالحزب، كان الغرض منها إيجاد قوة موازية للجيش. حجته كانت “أن المعركة مع قوى الثورة المضادة تتطلب ذلك”4. وأيضا مثلما ذكر لطفي الخولي، بقيامه بإنشاء جهاز مواز للمخابرات على مستوى رئاسة الجمهورية.

ما يهمنا في سياق موضوع دراستنا، أن مهمة القائد التي نجح مصطفى كمال أتاتورك في فرضها، قد أدت صوبا إلى طريق مسدود في حالة الرئيس أحمد بن بلة بتشكل جبهة معارضة كبيرة له تقدمها وزير الدفاع هواري بومدين نتيجتها ما عرف بالتصحيح الثوري لـ 19 جوان 1965، الذي عجزت بتوصيفه بالانقلاب العسكري لما ألاحظ حيثيات وكيفية إبعاد الرئيس حين دخل عليه الطاهر الزبيري في غرفته معلنا له:” لم تعد رئيسا يا سي أحمد”.

لم يحدث فعل التأسيس لنظام سياسي مدني على الطريقة التركية بعد 19 جوان 1965. في حواره للطفي الخولي يوجه هواري بومدين مهمة مجلس الثورة إلى نقاط عدة منها :” تدعيم الشرعية الثورية وضمانات الديمقراطية الاشتراكية ومؤسساتها في بلادنا”[5]. توجيه أعاد صياغة مفهوم الحكم إلى مربع الحكم الفردي مرة ثانية، بعد بروز انقسام حاد داخل مجلس الثورة بين ما يسمى “جماعة وجدة” من جهة وكبار ضباط جيش التحرير الوطني من جهة ثانية، الذين تضامنوا مع علي منجلي ورفضهم إبعاده من اجتماعاتهم. هذا الحدث كان أحد أسباب حركة 14 ديسمبر 1964، بنتائجها الحاسمة في ضبط إيقاع السياسة ونظام الحكم في الجزائر لصالح الحكم الفردي تحت غطاء واسع للجيش.

بقلم الدكتور عبد السلام فيلالي

[1] -حربي، محمد. حياة صمود وتحد.1945-1962.ترجمة عبد العزيز بوباكير وعلي قساسية. دار القصبة للنشر.الجزائر.2004.ص ص 286-287.

[2] – Haroun, Ali. L’été de la dicorde.Algérie 1962. Casbah éditions.Alger.2000.p p 64-65.

[3]– Boudiaf, Mohammed.ou va l’Algérie.Hiwar com.alger.1992.p 200.

[4] -Abbas, Ferhat.l’indépendance confisquée. édition Flammarion.Paris.1984.p108.

[5] – لطفي الخولي، مرجع سابق، ص ص 114-115

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى