page contents
أقلام الوطن

الجيش والأمّة في تركيا والجزائر.. العقيدة والأدوار (I)

بقلم الدكتور عبد السلام فيلالي

إلى إحدى الملفات التي احتوتها جريدة (ألجيري أكتُياليتي) في أحد أعدادها لسنة 1990 (ربما)، تحيلني ذاكرتي حين التفكير في الشؤون التركية، وفي رأسية الصفحة وضع عنوان: “نموذج”. كان الوضع العام في بلادنا يتداعى على وقع مخاض عملية الانتقال الديمقراطي والتساؤلات المؤرقة حول إمكانية تعزيزها والمرور بها إلى بر الأمان. لقد كانت الحياة السياسية تنوء تحت ضغط التهويل لخطر ما مُحدق بها مصدره الخطابات الإعلامية المتشنجة وخاصة التي تنقل عن قادة وناشطي الجبهة الإسلامية للإنقاذ. كان الملاذ والفكرة – حسب معدي هذا الملف – هما أنه يجب الأخذ من التجربة التركية وخاصة في مسألة عدم توظيف الدين في السياسة بالطريقة التي كانت تبدو مجتزئة وتزرع بذور الانقسام والفتنة، مثلما قرر ذلك باني تركيا الحديثة: مصطفى كمال أتاتورك.

الحقيقة أن تركيا بداية التسعينيات كانت أبعد من أن تكون نموذجا، فقد كان وضعها الاقتصادي يشير إلى فشل متجذر مع فداحة الأزمة الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي. حيث عجزت الحكومات المتتابعة على إيجاد الوصفة الناجعة لتحسين الوضع الاقتصادي. وقد كان وضعها يوافق وضع الجزائر، حيث إن حكومة الرئيس تورغوت أوزال (1991) قد بادرت بخطة إصلاحية تقوم على ” إستراتيجية تنمية تركز على نمو الصادرات”، وإقرار خطة الإنعاش الخماسية السابعة (1996-2000)، بتخفيض قيمة العملة التركية على نطاق واسع والانتقال إلى نظام سعر الصرف العائم،  وإطلاق برنامج خصخصة للمؤسسات العامة وخفض الدعم للزراعة، وتحرير الواردات، ودعم الصادرات الصناعية بتخفيض الضرائب، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية[1]. تماما كما فعلت حكومة مولود حمروش وقراراتها الإصلاحية الرائدة.

كانت الأزمة الاقتصادية والمالية عميقة وخطيرة إلى درجة أنها رهنت قرار صانع القرار التركي خلال السنوات اللاحقة والخضوع من ثمّ إلى إملاءات المؤسسات المالية الدولية، استمرت إلى غاية بداية الألفية الجديدة حيت سيأخذ مسار الإصلاح أبعادا شاملة مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بعد فوزه في انتخابات عام 2002 وتعيين زعيمه رجب طيب أردوغان رئيسا للوزراء. عندها، ستدخل تركيا مرحلة جديدة سمتها الاستقرار السياسي وإنجاح الإقلاع الاقتصادي، حيث حققت تركيا معدلات نمو جيدة كفلت لها الصعود في سلم الترتيب العالمي للقوى الاقتصادية العشرين الأولى. من هنا بدأت قصة نجاح تركيا،  نجاح ينال وصفا من لدن مجلة الإيكونوميست في عدد عام 2010 بأن تركيا هي بمثابة “الصين الأوروبية”[2].

كانت بداية الإقلاع الاقتصادي في تركيا متزامنة مع إطلاق الجزائر مخطط للإنعاش والنهوض الاقتصادي سنة 2001 حدد له هدف عام يقوم على تنويع صادرات البلاد المرتبطة بشكل شبه كامل بقطاع المحروقات، غير أنه يمكن تمييز الفارق الشاسع في النتائج، التي تجعلنا كجزائريين نتحسر على الفرص الضائعة. حسرة تحيلنا إلى فشل الجزائر في تهذيب الحياة السياسية وترشيد عمل مؤسسات الدولة وفق معايير الحكم الراشد وفي مقدمتها أداء القطاع الخاص.

إن السؤال حول النهضة التركية هو سؤال حول وجاهة الخيارات ونجاح الممارسة السياسة في تدعيم أسس الديمقراطية، وخاصة ما تعلق بتعزيز استقلالية الجهاز التنفيذي وتخلصه من الوصاية وحالة عدم الاستقرار وتَواصل تطبيق برنامج الحكومات دون حدوث قطائع مؤذية.

لقد تلاقت طموحات عدة في هذه النهضة، لعل أبرزها هو فرض حضور القوة العسكرية في الخارج الذي تجاوز سقف المسموح به من قبل القوى العظمى. في سوريا أولا ثم في البحر الأبيض المتوسط وليبيا وجمهوريات آسيا الوسطى. وربما سيتمدد هذا ويتوسع مستقبلا، ليرسِّم مناطق نفوذ وتأثير واتفاقيات تعاون جديدة. تماما مثلما حدث في الجزء الشمالي من قبرص منذ سنة 1974 بعد التدخل العسكري المباشر، رغم اعتراض وعدم اعتراف المجتمع الدولي به.

وهكذا نلاحظ كيف يحقق الجيش التركي طموحات السياسيين، بحيث يجعلنا نقول إنه عاد إلى الدور الأول الذي حدّده له باني تركيا الحديثة القائد مصطفى كمال أتاتورك بعد نجاحه في تجسيد مشروع جمهورية مستقلة (بإخراج القوات الأجنبية المحتلة) وثابتة الأركان سنة 1923. من خلال بناء دولة مدنية ذات مؤسسات حديثة، حيث جعل الحكم يعود إلى السلطة التنفيذية مع التأكيد على دور الجيش بما هو ” العمود الفقري للنظام الجمهوري الناشئ” وسند مشروعه الوطني بقاعدة نخبة من “البيروقراطيين ووجهاء الأناضول”، بمهمة “مزدوجة لبناء الأمة وتحديثها”.

لقد جعل مصطفى كمال أتاتورك رفاق السلاح في سنة 1925 يقررون الاختيار بين المهن العسكرية والسياسية، وحسم في طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والجهاز التنفيذي بحيث رسم حدودا فاصلة بينهما فلا يتدخل الجيش بالتالي في عمل السياسيين إلا حين وجود خطر على وجود الدولة أو النظام العلماني[3]. هذا مع التذكير أن القائد أتاتورك كان عسكريا في تكوينه، بيد أنه ظل يحافظ على ظهوره كزعيم سياسي بلباس مدني.

وفي سبيل بعث مشروعه الدولتي، استند في حكمه إلى حزب واحد هو حزب الشعب الجمهوري الذي احتكر الحكم إلى غاية سنة 1950، فجهز مبانيه الإيديولوجية بمبادئ رئيسية ” موروثة من المسار الأيديولوجي للنخبة العسكرية” أبرزها: القومية التركية، النظام الجمهوري، والعلمانية التي تجعل الدين جزء من هذا المشروع الذي تقوده الدولة يظل مقوما أساسيا للهوية التركية. وكخلاصة ثابتة ومختبرة باستمرار،  أن يكون ويظل الجيش هو حاميها.

يبرز ضغط التاريخ والأحداث الجسام التي رافقت إعادة هيكلة الجيش التركي، فهو سليل الإمبراطورية العثمانية التي هيمنت طويلا على الساحة الدولية وعلى مساحة جغرافية كبيرة. حيث يعود تأسيسه إلى سنة 1363 حين شكل شندرلي خير الدين باشا (الصدر الأعظم الخامس في تاريخ الدولة العثمانية) الأوجاق (وحدات عسكرية) الإنكشارية الشهيرة. لقد ارتبط مفهوم الحكم بهذا النخبة العسكرية، بسبب تدخلها الدائم في الحياة السياسية إلى غاية سنة 1826، حين قرر السلطان محمود الثاني حلها بعد تمرد. وقد كان للجيش دور بارز في الحياة السياسية في بداية القرن العشرين، حين ” وافق “الأتراك الشباب” على ضرورة إشراك الجيش في عملية تغيير النظام”، وثم مشاركته في قيام “ثورة تركيا الفتاة” في عام 1908 التي أدت إلى إعادة العمل بالدستور ودشنت فترة ثانية من الملكية الدستورية.

لقد وجد الجيش التركي نفسه أمام حقائق جديدة لعصر يموج بالتغيرات والانقلابات خاصة بعد محاصرة وسقوط الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، فلولاه لكان يصعب تصور مآل تركيا الحديثة التي كانت ضمن قوات دول المركز، بالتالي النتائج الوخيمة للاحتلال الأجنبي. دور تم مأسسته بأن: “القوات المسلحة التركية هي حامية الجمهورية التركية”.

بشكل أو بآخر، يرتبط بعث وبناء دولة تركيا الحديثة بنجاح مصطفى كمال أتاتورك في قيادة بقايا جيش إمبراطوري مهزوم ومقيد بمعاهدة سيفر سنة 1920، بخوضه حربا ضد الحلفاء وتحقيقه انتصارات مثيرة توجت بمعاهدة لوزان الثانية لسنة 1923 وإعلان “الجمهورية التركية”.

[1] – Deniz Ünal, La croissance économique turque: aux sources des dix glorieuses. La lettre du CEPII N° 326 – 15 novembre 2012. Centre d’études proset d’informations internationales

[2] – Khalid Adnane, Le miracle turc. https://www.usherbrooke.ca/politique-appliquee/fileadmin/sites/politique-appliquee/espace_admin/enseignants/KA-Miracle-turc.pdf

[3] – Ünsaldi Levent. Le système de valeurs de l’armée turque. In: CEMOTI, n°37, 2004. Jeune recherche (II) pp. 177-208. https://www.persee.fr/doc/cemot_0764-9878_2004_num_37_1_1725

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى