page contents
أقلام الوطن

الخطاب السياسي المنحط

بقلم الدكتور السعيد بوطاجين

يكشف الخطاب السياسي، إن وجد فعلا بالمواصفات العقلانية، وخاصة في الحملة الانتخابية المتعلقة بالسباق نحو البرلمان، عن مستوى غاية في التدني والعبث بذكاء المتلقي، وعن جهل مقنن واستخفاف بالعقل، سواء من حيث الأشكال، أو من جانب ما يسوّق من ملفوظات بطرائق فجة، وغير مدروسة سلفا، مع أنّ عملية التواصل تستدعي مجموعة من الضوابط التي تربط المرسل بالرسالة والمتلقي، وبالسياق وطرائق الاقناع التي تؤسس على معرفة كيفية القول بالدرجة الأولى.

العلامات المصاحبة للخطاب، لسانية أو غير لسانية، كاللباس والحركة والوقوف والجلوس والابتسامة والسكوت وطبيعة النبرة، كجزء من الأداء، ذات أهمية قصوى في تمرير البلاغ بإتقان، وهي معارف متداولة في السيمياء التعليمة، وفي سيمياء التواصل وسيمياء الملبس والسيمياء الخطابية، وفي الدرس السيميولوجي. كما أنّ للمقام دوره في التعامل مع المعجم واللغة ومكوّنات الجملة والمقطع، ومع الملفوظ الأكبر، أي مع مجموع المتواليات التي تجتمع لتأدية معنى مكتمل، ومقنع.

معرفة الشكل حتمية تواصلية يتعذر القفز عليها. لقد ظل الخطاب الديني مؤثرا بفضل التحكم في طرائق القول واستغلال المرجعيات المقوية للإقناع بوسائط شفهية ذات قيمة اعتبارية، مع أنّ المضامين قد تأتي باهتة في حالة قراءة الخطاب مكتوبا، أي بالتخلي عن المؤثرات الصوتية التي تميز الالقاء. أمّا في حالة التمثيل السياسي فإنّ ذلك يستدعي، اطلاعا على مجموعة من المعارف الضرورية للحديث باسم الأمة في مجلس تمثيلي: أشكال التواصل، القانون، التخطيط، الاقتصاد، الفلسفة، الآداب، العلاقات الدولية، الدبلوماسية، الدين، علم النفس، علم الاجتماع، التاريخ، الجغرافيا.

هذه بعض مواصفات النائب لدى الأمم التي لا تبني على تقاليد الدوار والعشيرة والقبيلة وخطاب اللحظة الذي عادة ما يؤسس على الجهل والعاطفة المترهلة والمصلحة الآنية، وذلك بالاتكاء على كلّ الكيفيات المتاحة، دون أيّ اعتبار للأخلاق، أو على إملاءات النخاع الشوكي الذي يحتكم إلى ثنائية الفعل ورد الفعل المباغت، دون العودة إلى العقل كجوهر ثابت في منطق أيّ دولة، بصرف النظر عن المستويات البراغماتية، أو عن أبعاد الاستثمارات المتعلقة بالخطاب كمادة قابلة لأن توظف توظيفا خاصا، كما أشار إلى ذلك جان جي مارشيمر في كتابه: لماذا يكذب القادة؟

لقد تابعت الحملة الانتخابية ببعض الألم، وبكثير من المرارة، وخرجت بملاحظتين: إما أنّ المترشحين ورؤساء الأحزاب لا يدركون معنى المسؤولية، ولن يدركوها بالنظر إلى تسبيق الأموال والمناصب على حساب التمثيل الفعلي للأمة التي تحتاج، في كلّ الأوقات، إلى مواقف عارفة، شجاعة وضاغطة على الأنظمة الأوليغارشية أو الفاسدة، أي قادرة على التأثير والتحويل المستمرّ، وليس على إنتاج الزغاريد والرثاث والسفاسف والتصفيق ورفع الأيدي والأرجل للموافقة على قضايا لا يعرفونها لأنهم أميون في مختلف المعارف، أو متواطئون مع الشرّ، ولذلك يظهرون في الحملات الانتخابية أبطالا في مواجهة طواحين الريح بخطابات بهلوانية تليق بالبهاليل والهمّل.

وإما أنهم في منتهى النباهة والذكاء لأنهم فهموا مسائل اجتماعية واقتصادية ونفسية وأنثروبولوجية فخاطبوا الأمة انطلاقا من مستواها ومداركها، ومن ثمّ تعاملوا معها بأساليب تعكس حقيقتها التاريخية وشخصيتها، كما فعل أولئك الذين سبقوهم إلى مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني ومختلف الوزارات، وإلىرئاسة الدولة أيضا، لذلك طغى الحماس وانتشرت الأخطاء والأورام الخطابية، غاب المنطق، وتبوأ خطاب مفارق تعذر تصنيفه لأنه فوق القدرات العقلية، فوق السريالية، وأقرب منه إلى المسرح الهزلي، وإلى الاستهتار والاستهزاء بالشعب.

عندما يعلن مسؤول حزب مجهري أمام الملأ أنه يملك برنامجا لإخراج البلد من الأزمة، أو أنه سيرسل الجيش لتحرير فلسطين من قبضة الصهاينة، أو يفتخر بتقديم مترشحات جميلات كالفراولة، أو يوزع الحلوى على القاعة بشكل كاريكاتوري، أو يشتري الناس بمائتي دينار ومشروب غازي لملء القاعة، أو يقدم وعودا خرافية لن يستطيع تحقيق ذرة منها في ظل تبوأ نظام له تقاليده وشبكاته التاريخية المعقدة، فهذا يعني أننا تجاوزنا مرحلة القبح والتهريج إلى مرحلة العبث بالقيم والإنسان والدين والفضيلة، وهذا السلوك الفجّ سخرية من المواطن وإذلال له، ما عدا إن كان هذا المواطن راضيا بالإهانة المعلنة، كما حصل سابقا، ويحصل الآن، وقد يحصل لاحقا لأننا عادة ما نقف مع المحتالين، ومع القبيلة، مضحين بالوطن والتنمية في سبيل الأشخاص والأطماع.

سيصبح هذا الخطاب المتردي جزء من ثقافتنا السياسية، من ذاكرتنا وعلاماتنا المميزة، ولا يمكن التخلص من بصماته أو تصنيفه كمظهر من مظاهر الماضي البائد. لا شيء يقبل النسيان، وكلّ علامة عبارة عن بطاقة دلالية يتعذر محوها، وتلك مأساتنا. عندما يغدو تاريخنا عبارة عن نكبات مماثلة، فلن نجد مقوّمات نتكئ عليها للذهاب إلى المستقبل. إذا كان الحاضر مسرحيا، فليس من السهل التأسيس عليه لأنه ممتد في تقاليدنا وأعرافنا، ومدمّر للحركية الممكنة من حيث إنه شخصية قائمة بذاتها. هل استطاعت الجزائر التخلص من فترة العصابة وخطابها المتخلف مثلا؟ هذه الشبكة العنكبوتية ليست خيطا يسهل قطعه، إنها ممارسات أجيال خلقت تبّعا متجذرين في المجتمع، حتى وإن بدوا معارضين على مستوى التجليات اللفظية.

لن تقوم لنا قائمة ما دمنا نسبّق مصالحنا وضحالتنا على المصالح العليا للوطن، ما دمنا نحتقر الأمة ولا نسعى إلى ترقيتها وتحصينها بخطاب راق لا يخدش الحياء، ولا يعتبر المواطنين مجرد قطيع من الأهالي، كائنات غبية لا تصلح سوى للتصويت والرقص والزغاريد: ما رأيكم أيها البرلمانيون السابقون واللاحقون؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى