page contents
أقلام الوطن

الخيانة والانتقام.. بيلوسي ومعركتُها مع ترامب !

حين أقدمت ناسي بيلوسي على تمزيق خطاب دونالد ترامب أمام وسائل الإعلام وداخل مجلس النواب، يومها أدرك الجميع أن الزعيم على وشك السقوط، إنّ امرأة تهان في كرامتها لا تستطيع الصمت أبداً.

في ذلك اليوم، ألقى ترامب خطاباً أمام مجلس النواب الأمريكي، بعد انتهائه، التفت بكبرياء ينظرُ خلفه، كانت رئيسة مجلس النواب تقف على بعد متر واحد منه، مدّت يدها مصافحة، لكن المغرور تجاهلها، منذ تلك اللحظة، اقتنع الأمريكيون بأن رئيسهم مراهق كبير ويعاني من تمزّق نفسي خطير!

بسقوط ذلك الحاجز، حاجز الاحترام، الذي كان يفصل بين الرئيس المنتهية عهدته ورئيسة مجلس النواب، راحت مدام بيلوسي تتكلم لغة أخرى، لغة قريبة من لغة الرّجال، تسخر من هذا الذي يدير ثروته وشركات عقاراته على ظهر الأمريكيين بعد أن وسّخ صورة أمريكا وأعادها إلى زمن أغبر كان فيه التمييز العنصري ممتداً بجذوره في أعماق المجتمع الأمريكي، كان قرار الوافد الجديد على البيت الأبيض غلق الحدود أمام سبعة دولٍ دفعة واحدة، ثمّ التّنصل من الاتفاق النووي مع إيران والاستهزاء بالرئيس السابق باراك أوباما وبكل أسود، القشّة التي قصمت ظهر البعير، ظلّت بيلوسي تدير لعبتها بذكاء نادر تشرّبت جزءًا كبيراً منه في الصالونات السّياسية التي ارتادتها منذ صغرها من خلال مرافقتها لوالدها الذي كان عضوًا في الكونغرس.

سيطرت هذه المرأة على مجلس النواب الذي يضمّ أغلبية ديمقراطية، واُنتُخبت رئيسة له لعهدتين، أرادت أن تنتقم بكل وسيلة قانونية، حرّكت دعوى في مجلس النوّاب ثم في مجلس الشّيوخ بهدف محاكمة ترامب والإطاحة به، وهي المهمة التي ما زالت سارية لحد اللحظة حتى ولو غادر البيت الرئاسي!

بسقوطه في الانتخابات الرئاسية وعدم اعترافه بنتائجها، راح يعمل على عرقلة انتقال السلطة بعد أن أمر الموظفين الحكوميين بعدم التعاون في فترة الانتقال الرئاسي، كعادته كانت شبكات التواصل الاجتماعي مجالاً خصباً لتغريداته، محرّضاً أتباعه على عدم القبول بسرقة نتائج الانتخابات، مهدّدا ببثّ الفوضى في الشارع والعمل على احتلال المؤسسات السيادية، إنه داعية كبير للعنف اللفظي والعملي، وهو العنف الذي طال الكونغرس في مشهد خطير لم يتعود عليه الأمريكيون!

قبلها بسنوات طويلة، كان التاجر الأمريكي يتجول في بقاع العالم للدعاية لسلعه الكثيرة في مجال العقارات، سهّلت له روسيا مهمته واستضافته في فيلاتها وكباريهاتها، استجابت لأحلامه وملّذاته، وجدت فيه فرصتها الذهبية، إنه كبش فداء وصل العاصمة الروسية في اللحظة المناسبة بعد أن ظل الـ (كي. جي. بي) يعمل بلا هوادة منذ الحرب الباردة للوصول إلى مركز القرار الأمريكي!

قبل أن يغادر موسكو، تلقى تاجر العقارات وعداً روسياً بالعمل لصالحه لإنجاحه في الانتخابات الرئاسية القادمة، صارت روسيا وأوروبا الشرقية قبلته المفضّلة، كان معجباً ببوتين الذي يدير روسيا من مكتبه بقبضة من حديد، مثلما كان معجباً بزوجته السابقة إيفانا والحالية ميلانيا القادمتين من تشيكيا وسلوفانيا على التوالي، حمل داخل حقيبته الجلدية وثائق قدّمها لرئيس جهاز الأمن الروسي، الـ (كي. جي. بي) سابقاً، وثائق تؤكد برنامج هيلاري كلينتون المعادي لروسيا ولبوتين شخصيا.

في الطائرة الخاصة التي حملته عائداً إلى أمريكا، شرب التاجر الأمريكي كوباً من الفودكا الروسية مع ثلاثة مكعبات جليد. أحسّ الصقيعَ يغادر عظامه رويداً رويداً. حين فكّر في ما أنجزه، أخذ الدّم يجري سريعاً حاراً في عروقه، بضربة واحدة سيقهر ثلاثة أعداء: الديمقراطيين وفي مقدمتهم هيلاري، والشركات الكبرى الأخرى التي تنافسه في استثماراته ومشاريعه التجارية المستقبلية، ومنافسيه الجمهوريين الذين لم يقتنعوا به كمرشح للحزب الجمهوري، إذ يرون أنّ ثروته مَن دفعت به إلى الواجهة الحزبية.

بعد وصوله نيويورك، صعد تلك الظهيرة إلى الطابق الخمسين من فندق ترامب بلازا، قضى يومه مسترخياً انتظاراً لبدء معركته الكبرى مستنداً إلى العصا السّحرية التي يملكها أحد العناصر التاريخية للـ (كي. جي. بي) الجالس في قصر الكرملين بعد أن بات يحكم أمةً كاملة في شرق الكرة الأرضية. بعد وصوله لاحقاً إلى البيت الأبيض، وفي لقاءٍ جمع قادة العالم في باريس على منصّة قوس النّصر المطلّ على شارع الشانزليزيه بمناسبة الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى، وقفت زوجته ميلانيا، بعد أن صافحها فلادمير، تنظر بإعجاب إلى القيصر الروسي، بادلها التّحية والاهتمام، وهو المشهد الذي قرأ فيه الكثيرون الكثير من الدّلالات، مَن هي ميلانيا المهاجرة مِن أوروبا نحو أمريكا، العارفون بلغة الإشارة اهتموا جيّدا بالمشهد “الإنساني” المشار إليه، ألا تكون ميلانيا حلقة من سلسلة طويلة من البشر تنتمي شعوريا ووجدانيا لعمارة “لوبيانكا” بموسكو؟!

قام فلاديمير بعمله على أحسن وجه، أسقط هيلاري بعدما استطاعت أجهزته الاستخباراتية القوية الوصول لحاسوبها الشخصي، رغم استطلاعات الرأي التي أعطتها نسبة ستين في المائة للنجاح لتكون الرئيسة الخامسة والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية إلا أنها انهزمت بعد التلاعب بالنتائج وسط حيرة الرأي العام وغضب الديمقراطيين، صُدم باراك أوباما الذي كان يتابع المشهد من مكتبه البيضاوي دون أن تكون له القدرة على إيقاف الزلزال، تفاجأ الجميع، لم يتوقعوا سقوط امرأة سكنت قلوب الأمريكيين، غادرت هلاري المشهد وهي تجرّ أذيال الخيبة، سالت دموعها وبكت تلك الليلة بحرقة كما لم تبك من قبل، إنها المرّة الثانية التي راحت تبكي بانفعال شديد بعد أن أدركت حجم الخيانة، مرددةً “كم مرة هزمتنا الخيانة دون قتال”، كانت المرّة الأولى حين غرق بيل في مستنقع الرذيلة داخل البيت الأبيض مع المتدربّة مونيكا لوينسكي، أُصيبت بالصّدمة والانهيار وعاشت أيام صرع وهستيريا، لم تتردد في خلع حذائها ورميه على وجه زوجها، ثمّ راحت تعايره بأمه بعدما رضيت هذه الأخيرة الزواج برجل متزوج من امرأة أخرى، نعتته بابن البائع جيفرسون، فلقب كلينتون حصل عليه وهو في الخامس عشر من عمره بعدما تزوجت أمُّه رجلاً آخر يُدعى روجر كلينتون، قال لاحقاً في كتابه “حياتي” الذي جمع فيه مذكراته، إنّ زوج والدته مقامر ومدمن خمر، جرى كلّ هذا وبيل صامت لم ينبس بكلمة، لقد أراد بِصمته أن يحتويها لأنّه مُغرم بها منذ أن رآها يوماً في كلية ييل للقانون في مدينة نيوهافن التي يعمل بها 19 حائزًا على جائزة بوبل.

في ليلة هزيمتها، وجدت هيلاري زوجها واقفاً إلى جانبها يضمّد جراحها ويخفّف من وطأة الانتكاسة التي طالتها، راحت تشتم الروس الذين لم يغفروا لها مواقفها المتشددة تجاههم حين كانت متربعة على وزارة الخارجية في مبنى هاري ترومان، فشلت هيلاري في الوصول إلى كرسي البيت البيضاوي الذي سكنته سابقا مع زوجها، كانت السّيدة الأولى للبيت الأبيض ولعهدتين متتابعتين، غادر بيل المكتب البيضاوي حاصلاً على أعلى نسبة موافقة ورضا من المواطنين الأمريكيين بعدما بهدلته “بولا جونز” التي اتهمته بالتّحرش بها ثمّ جرّته إلى الكذب تحت القَسم، قال عن اتهامها له بأنها حزمة من الأكاذيب، لكنه وافق في الأخير على إجراء تسوية مالية معها خارج نطاق المحكمة بعد أن دفع لها مبلغاً يقارب المليون دولار.

إنها طريقة الكبار الذين يتنفسون تحت الماء خارج الأطر القانونية التي تضمنُها اليابسة مستندين إلى ميكيافيلي الذي صاغ ذلك التبرير الفلسفي والوجداني في كتابه الأمير “الغاية تبرّر الوسيلة”، أصبح السّاسة يسارعون الخطى نحو ميكيافيلي كلّ مرة يعجزون فيها عن الاحتكام للقانون والمنطق، منذ ذلك الحين، أصبحت عائلة كلينتون منصة إعلامية للأحداث الدائرة وما فيها من أسرار وأضغاث وأحلام!

بمغادرة هيلاري المشهد السياسي، أصبحت بيلوسي “السوبرمان الوحيد” داخل الحزب الديمقراطي، فهي ستهتم – من الآن – بكل واردة وشاردة، إستراتيجيتها الكبرى تهدف للإيقاع بالتاجر الكبير في الحرام السّياسي، ثمّ الانتقال بعد ذلك إلى مرحلة الهجوم في أول فرصة تُتاح لها بعد أن سقطت كل أوراق التوت. استغلّت تصريحات الرئيس المستفزّة وقراراته الشعبويّة لتصب البنزين على النار أكثر، طاردته في كل مكان ولم تتردد في فضحه أمام الملأ وفي عقر داره بالمكتب البيضاوي، سُئلتْ يوما هل تكرهين ترامب، أجابت لا، أنا لا أكره أحداً، أنا أدعو الله ليُعِين الرئيس، حين نطقت تلك الجملة كانت عيناها العسليتان مثبّتتيْن على صورةٍ كبيرة لساكنِ البيت الأبيض زُيّن بها الحائط المقابل، ووجهها الصغير يحاكي وجه الثعبان لحظة الانقضاض على فريسته!

ذات ليلة من ليالي الرّبيع، كان ترامب يرقص في الرّياض على أنغام الموسيقى السعودية التقليدية متسلحاً بسيف فضي، قضى ظهيرة ذلك اليوم مع الملك سلمان وولي عهده، انصبّت المحادثات حول صفقة القرن القاضي وتداعيات نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاستثمارات الأمريكية في المملكة، ومشروع اعتراف عروش الخليج بـ “الكيان الصهيوني” وإقامة علاقات ديبلوماسية كاملة ودفن الفلسطينيين في شبه جزيرة سيناء، والتفكير في ضرب العدو المشترك لهما “إيران” تنفيذا للبرنامج القاضي بتمزيق دولة فارس وتدمير العراق وسوريا، فجأة هبّ هواء البادية، فأقفل الحرّاس والخدم نوافذ القصر في وجه الرمل القادم من صحراء الثلث الخالي، صعد الضّيف الأمريكي إلى الجناح المخصص له، دعا وزير خارجيته تيليرسون إلى جولة شطرنج، لكّن الوزير تعلّل بالتّعب وضرورة أن يستريح. بعد عودته إلى واشنطن، وفي السيارة من المطار إلى البيت الأبيض، كان ترامب منتشياً وهو ينظر إلى حقائبه الممتلئة عن آخرها بالسبائك الذهبية وملايير الدولارات التي أغدقها عليه الملك السعودي، فجأة، أحسّ ترامب بتعبٍ في مفاصله، وهبوط في المعنويات.

الأيام السابقة كانت حبلى بالأخبار السّيئة والمقلقة، تحالفات في الجيش، وعلاقات مشبوهة بين بعض كبار الضباط ومقرّبين من جو بايدن ينتمون إلى الحزب الديمقراطي، لكن ما يرعبه أكثر من هذه الأخبار الموثوقة، ومن هذه اللقاءات المرصودة، ومن مواعيد الغذاء والعشاء المراقبة من قبل شرطته السّرية، ما يُزعجه حقاً، وما يُسبّب له هذا الحكاك في الذراعين وتحت الإبطين لا يُدعى جو بايدن، وليس يعرف ما يسمّيه، كلّ ما يعرفه هو هذا الإحساس: هناك ظلّ مظلم يتربص به وراء منعطفٍ ما، في يومٍ ما، أين هو؟ ما اسمه؟ كيف سيضرب ضربته؟ كل هذا لا يعرفه، لكنّه واثقٌ أنه هناك، ذلك الشّبح الغائب المختفي وراء قناع مخيف.

لم يفكّر في وزير خارجيته تيليرسون الذي بات لا يقاسمه الأفكار ولا مايكل فلين مستشار الأمن القومي الذي كذب على نائب الرئيس بنس فعزله بلا تردد، ولم يفكّر في سالي ييتس التي رفضت بتحدٍّ الدفاع عن أمره التنفيذي بإغلاق حدود البلاد في وجه اللاجئين والقادمين من الدول ذات الأغلبية المسلمة، كما لم يفكّر في نائبه مايك بنس.

كان جسماً ثقيلا يُفرغ من الحياة ويتعلق في فضاءٍ لا يحوي شيئاً، الكاديلاك تسرع تحت أنوار المصابيح، فتح “السيد الرئيس” عينيه لحظةً فرأى أجساماً غريبة بأشكال مخيفة تقترب نحوه بانعكاسات الضوء المنبعث من المصابيح المتمايلة مع تمايل الطريق، أغمض عينيه مرة أخرى، ألقى يديه على حقائبه الممتلئة بالذهب السعودي، وترك النوم يحمله إلى حيث يحمل النوم كل البشر.

نام وهو يفكّر في ذلك التململ الحاصل في وسط كبار العسكريين في مبنى البنتاغون بعد رفض وزير الدفاع مارك إسبر قرار الرئيس بالزّج بالجيش في الشارع لقمع الاحتجاجات الواسعة النطاق الناتجة عن مقتل المواطن الأسود جورج فلويد على يد الشرطة، كان إسبر يقف منذ شهور على أرضية هشة مع البيت الأبيض، فهو يرى استخدام القوات العسكرية كملاذ أخير فقط.

عقب لقاء ترامب بالزعيم الكوري الشمالي كيم جون أون، ازدادت الهوة بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية، أُقيل وزير الخارجية تيلرسون عبر تغريدة على تويتر، مستعيداً طريقة الرؤساء والملوك العرب الذين يعيّنون وزراءهم بواسطة التليفون كما ينهون مهامهم أيضا بمكالمة من سكريتارية القصر، عيّن ترامب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مايك بومبيو مكانه، الرجل الذي تجاهله رئيس الديبلوماسية السورية الراحل فاروق المعلم في موقف هزلي وساخر بأروقة الأمم المتحدة، كما عيّن جينا هاسبيل في منصب مديرة الـ (سي. آي. ايه)، لكنّ تعيين هذه الأخيرة لم يمرّ دون ضجّة، أثارت هاسبيل الكثيرَ من الجدل بسبب مواقفها السياسية وكمية تُهم التعذيب التي تُطاردها في كلّ مرة بسبب دورها الرئيسي فيما حصل في تايلاند من تعذيب للسجناء بطرق وُصفت بـالشنيعة من خِلال تقنيات الاستجواب المعززة بما في ذلك الإيهام بالغرق.

حين أغمض ترامب عينيه، كانت نانسي بيلوسي مستيقظة تلك اللحظة غارقة وراء مكتبها في مجلس النواب، مغطى بأوراقٍ وتقارير وأرقام وأسماء، وعناوين وشهادات مقدمة من هنا وهناك، لم تكن مدام بيلوسي تعلم شيئاً عن الحقائب التي عاد بها اللّص الكبير من الرياض وقرى الخليج، لكنها بالمقابل كانت تعد خطّتها لمعاقبة رئيس متّهم بالكذب والتآمر على أمريكا، بعد أن استيقظ ترامب تذكّر أنه رأى في المنام ذلك الشّبح الذي ظلّ يزعجه منذ أن دخل البيت الأبيض، هذا الشّبح لن يكون إلاّ تلك المرأة التي احتقرها ذات يوم أمام الملايين، وها هي اليوم ترد الصّاع صاعين، إنها نانسي بيلوسي..!

  • ملاحظة: النص مزيج من حقائق الواقع وخيال الكاتب.

د. عمر صافي/ فرنسا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى