page contents
أقلام الوطن

الدستور بين “روح الشرائع” و سدّ الذرائع

بقلم : مهماه بوزيان – باحث جزائري

mah2bouziane@gmail.com

  1. الدستور بين الدسترة والدفترة

خلال العقد الثاني من هذا القرن (2010-2019 م)، شهدت القارة الإفريقية 26 عملية تغيير دستوري من خلال إصدار لدستور جديد، أو تعديلا لدستور قائم، ومعدل تعديل الدساتير في القارة هو أعلى من معدل تغيّير الحكام، بما يجعل “الحاكم بأمره” أكثر رسوخا من الدساتير، بل يُحيل هذه الدساتير إلى مجرد دفاتر يدوّن فيها الحاكم رغبته في “استدامة حكمه”، حيث أنّ أغلب المراجعات الدستورية التي تمّت كانت تهدف أساساً إلى تمديد بقاء النظام الحاكم. وفي سياقات محاولة فهم عميقة للدوافع والدواعي التي تدفع لمراجعة الدساتير، نجد في العام 2019 “ديفيد لانداو و حنا ليرنر” نشرا كتابا ضمّ مجموعة من الدراسات ساهم بها علماء بارزون في العلوم السياسية والقانون المقارن وعلم الاجتماع والتاريخ. هذه الدراسات، في مجملها، أبرزت طابع النقاشات المتفجّرة حول المسألة الدستورية في جميع أنحاء العالم، والقضايا المركزية المتعلقة بعملية صياغة الدستور وسياقاتها وتحديد العناصر والنماذج المميزة للدستورية المحلية الوطنية. وبالعودة لما قبل السنة الماضية، نجد عديد الدراسات الهامة التي عالجت هذه الجوانب، نستحضر منها دراسة صدرت سنة 2008 لـ “جنيفر ويدنر” حول كتابة الدستور في مرحلة ما بعد الصراع، حيث يستحضر عملا رائدا قام به فريق بحثي، من جامعة برينستون في الولايات المتحدة الأمريكية، شمل تحليل مسارات إعداد ما يناهز 200 دستور على مستوى دول مختلفة في العالم خلال الفترة الممتدة من 1975 وحتى 2003، وقد خلُص البحث إلى إحصاء تسع طرق اعتمدت لكتابة الدساتير التي عرفتها هذه الدول، ومن اللافت في هذه الدراسة أنه وجد بأن كتابة أكثر من ثلث الدساتير الـ200 تمّ فيها اعتماد “مبادئ فوق دستورية” على ضوئها جرى صياغة الدستور الجديد وانتخاب الكيان المكلف بكتابة مشروع هذا الدستور.

 

  1. المبادئ فوق الدستورية .. والمواد المحصنة

المبادئ فوق الدستورية هي مبادئ تكون أعلى منزلة من الدستور نفسه، لأنها مواد تتسم بصفة الإطلاق والسمو والديمومة، لذلك لا ينبغي للدستور الذي سيتم إقراره أن يتضمن موادا تخالفها، وحين يتم تضمينها في الدستور كـ “مبادئ أساسية” تُصبح محصنة ضد الإلغاء أو التعديل أو مخالفتها ولو بنصوص دستورية. ومن الأهمية بمكان التذكير بأن الحديث عن “مبادئ فوق الدستورية” كمبادئ مرجعية وإرشادية لمواد الدستور أو القول بـ “المواد المحصنة” كمواد متضمنة في الدستور لا يجوز التلاعب فيها أو تعديلها، ليس بدعة أو حديثا منكرا، لأن التحصين يستهدف الحفاظ على منظومة قيم جوهرية في حياة الأمة كالدين واللغة والحريات والتداول السلمي على السلطة، كما أن حركة التاريخ ترشدنا إلى “وثيقة الماجنا كارتا” (Magna Charta) التاريخية والتي تعني (الميثاق العظيم)، والتي أثرت في مضامين العديد من الدساتير حول العالم، مثل دستور الولايات المتحدة الأميركية، هذه الوثيقة التي تمّ سنّها في عام 1215 ميلادي باسم «الميثاق العظيم للحريات في إنجلترا». وأيضا “إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي” لعام 1789 كأهم وثائق حقوق الإنسان الفرنسية، وكذلك وثيقة الحقوق لـ “ضمان الحريات المدنية” في دستور الولايات المتحدة الأمريكية التي صدرت عام 1791، والمتألفة من عشرة بنود. كما نجد في الدستور الفرنسي مثلا مبادئ فوق الدستورية، على غرار ما نص عليه ”لا تجوز مباشرة إجراء أي تعديل، أو مواصلته، في حال المساس بالسلامة الترابية“، ”ولا يجوز تعديل الطابع الجمهوري للحكومة”.

  1. الأمة فوق الدستور

المبادئ فوق الدستورية تستمد وجودها ومشروعيتها من كيان الأمة وروحها، ولأن حياة الأمة فوق الدستور، فهي مصدر قيم الدستور وهي الكيان المحدد للقيم والمعايير الناظمة للدستور، والدستور كوثيقة توضع لحماية كيان الأمة وصيانة روحها ووجودها وبقاء الدولة واستمرارها.

لذلك يوضع الدستور لحماية عناصر مقومات الأمة وبقائها واستمرار وجودها ونمائها.

  1. الدستور .. محضن التنمية

أعتقد أنه ينبغي تحييد المبادئ فوق الدستورية والمواد المحصنة حتى نتفرغ لمسألة التنمية، ومن هذا المنظور، أرى بأن الدستور ينبغي أن ينص في مجال التنمية بأنه يضمن توظيف الثروات المادية المُتاحة توظيفا شفافا ومسؤولاً وحكيمًا ومستداما ومدمجًا (للبعدين الإقليمي والاجتماعي) لصالح تنمية الموارد البشرية (كل الموارد البشرية) وبناء الإنسان الجزائري وتقوية عناصر توازن شخصيته ونمائها وتفوقها.

  1. الحسم في مفهوم “التنمية المستدامة” ومضامينها ضمن بعدها الوطني

ينبغي للدستور أن يستوعب في مجمل مواده للمفهوم السليم للاستدامة والذي يُعنى بـ “تعزيز القدرات” كمفهوم أصيل وإنساني، صيانةً لمسارات التنمية من ايديولوجيات “مفاهيم المركزية الأوروبية” وفكر “ما بعد الكلونيالية” التي هي في جوهرها تسعى لتكريس “الهيمنة” و”تعطيل عناصر التنمية وأدواتها في بيئتنا”. مع أهمية تماهي مضامين الدستور مع التطلعات الوطنية لتحقيق الاستدامة في السياسات العمومية، ولا سيما المجتمعية منها، التي تُعنى بتحقيق الإنصاف داخل “الجيل” وكذلك بين الأجيال المتعاقبة في امتدادها الزمني الذي يربط الحاضر بالمستقبل.

  1. «النظام شبه رئاسي» تفاديا لديكتاتورية الأغلبية البرلمانية الحزبية

أعتقد أنه من بين الدواعي الأساسية لتعديل الدستور الحالي (دستور 2016) هو الرغبة في التوجه لتجسيد «نظام شبه رئاسي» حقيقي وليس صوري، من خلال تكريس توازن ثنائية السلطة التنفيذية (بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة)، وبما يجعل من طرفي الثنائية مسؤولين سياسيا معا أمام البرلمان، وأيضا أن لا يستأثر رئيس الجمهورية بكل الصلاحيات، بل يفوض الدستور جزءً من الصلاحيات المباشرة في تسيير الشؤون العامة للدولة إلى رئيس الحكومة. وأن يحظى رئيس الحكومة على دعم الأغلبية البرلمانية، لكن لا ينبغي التنصيص على أن يكون لزاماً منها أو أن تكون تشكيلة الحكومة من صفوف أحزاب الأغلبية البرلمانية، حتى لا نقع في محظور الغلق على الكفاءات الوطنية غير المتحزبة والإقصاء التام لها. هذه الحكومة تتولى تحديد وقيادة تنفيذ السياسة العامة، وتكون بذلك مسؤولة فعليا أمام البرلمان. كما أنه يتوجب على الدستور المستقبلي وضع الأسس المرجعية المؤطرة للتعايش السياسي و المعزّزة للاستقرار الوظيفي بين «رئيس الجمهورية» المنتخب من قبل الشعب على أساس برنامج له، و «حكومة نابعة من أغلبية برلمانية» تهدف إلى تطبيق برنامجها الذي انتخبت على أساسه؛ خاصة حينما يكون كل من رئيس الجمهورية والأغلبية البرلمانية من تيارين سياسيين مختلفين أو ليسا على توافق حول الخطوط الأساسية للبرامج، ومن هذا المنظور ينبغي أن يضع الدستور الأطر المُكرِّسة للتوازن بما يحقق الأداء السلس لمؤسسات الجمهورية ويحقق خدمة التنمية واستدامة المشاريع التنموية بعيدا عن «ممارسات التعطيل» أو «فكر القطيعة ومحو آثار من سلف» أو «الشخصانية» التي تتولد من الارتباط بالأشخاص أو الأحزاب الحاكمة.

  1. نظام الغرفتين أصبح «لا جدوى منه»

ينبغي الإشارة إلى أن إبقاء عمل السلطة التشريعية بنظام الغرفتين أصبح «لا جدوى منه»، مما يستدعي التخلي مستقبلا عن مؤسسة «مجلس الأمة»، مع تقوية المكانة الدستورية لـ«المجلس الاجتماعي والاقتصادي» من حيث الموقع المرجعي للاستشارة بالنسبة للهيئتين التشريعية والتنفيذية، وهذا يستدعي تقوية مكانة هذا «المجلس» ودوره وتوسعة مهامه وتعزّيز ملمح عضويته حتى يتسنى له ضمّ كفاءات وطنية مؤكدة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية بما يؤهله «كمجلس» للقيام بالدور الفعلي المنوط به في علاقاته مع البرلمان والحكومة وإمدادهما بالاستشارة الكفيلة بدعم آدائهما في تناغم وتوازن، لذلك أعتقد بأن أهم شيء ينبغي أن يحرص الدستور المستقبلي على تكريسه وهو «التوازن في الصلاحيات والتناغم في الآداء والتكامل في الوظائف» بما يحقق التنمية المستدامة الشاملة المدمجة (تنمية سياسية، وتنمية بشرية وتنمية اقتصادية، واجتماعية وثقافية، وبيئية، واقليمية ومؤسساتية).

  1. أقتلوا الناس بالحرية!! .. “اقتصاد الحريات”

“التنمية حرية” هو عنوان كتاب للمفكر الاقتصادي الهندي “أمارتيا كومار سن ( Amartya Kumar Sen)” وهو يُعتبر أول أطروحة في تاريخ الفكر الإنساني تجمع بين التنمية والحرية، والتي حاز بها المؤلف جائزة نوبل للاقتصاد سنة 1998، “أمارتيا سن” الذي تعامل مع الحرية كإحدى روافع التنمية وأدواتها، وليس باعتبارها نتيجة من نتائجها، لذلك أعتقد أنه “لا تنمية بلا حرية” وبأنه يتعين على الدستور المستقبلي أن يضع أسس متينة لـ “اقتصاد الحريات” من خلال إشاعته للحريات مع موازنتها بـ “المسؤولية الكاملة على الأفعال أمام القانون”، كالحريات السياسية، والتسهيلات الاقتصادية وعدالتها، والفرص الاجتماعية وتكافؤها، والإنصاف المقرون بالشفافية، والعدالة الإجتماعية.

  1. مواءمة العدل مع الإنصاف بدلاً من المساواة

ينبغي تثمين عديد المواد التي وردت في الدستور الحالي، على سبيل المثال، اعتبار ما في باطن الأرض وما فوقها وما في المجال البحري الوطني من موارد الطبيعية وثروات هي “ملك للمجموعة الوطنيّة” ويجري استغلالها وتثمينها لصالح الأمة الجزائرية، وأيضا أن تسهر مؤسسات الدولة على تجسيد “العدالة الاجتماعية، ومواءمة العدل مع الإنصاف بدلاً من المساواة التي أصبحت مفهوما متجاوزا”. وهنا استحضر مجددا أعمال الاقتصادي “أمارتيا كومار سن” حول جوهر العدالة التي يعتبرها إنصافا من خلال كتابه “العدالة كإنصاف” أي المعاملة المتساوية لجميع الأطراف بلا تمييز أو تحيز، مع اجتثاث الظلم من كياننا الوطني، لأن المشكلة الحقيقية التي نواجهها في الواقع هي “الظلم” كما يراها “أمارتيا سن” في العالم النامي.

خاتمة :

أهم شيء ينبغي أن يحرص الدستور على تكريسه وهو «التوازن في الصلاحيات والتناغم في الآداء والتكامل في الوظائف» بما يحقق التنمية المستدامة الشاملة المدمجة.

 

 

اظهر المزيد

ابتسام بوكثير

صحفية جزائرية مهتمة بقضايا المرأة والشأن الثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق