page contents
الحدث

الدكتور محمد الطاهر عيساني لـ “أخبار الوطن”: 80 في المائة من حالات السرطان سببها عوامل وراثية وبيئية

وباء “كورونا” هو مرض بيئي بامتياز

الإسراع في تصنيع اللقاح مع الشريك الروسي مطلب إستراتيجي واقتصادي

الجزائر تفتقر إلى تخصص الطب النفسيي للأطفال (pédopsychiatrie)

طبيب وأديب في آن واحد، فهو يستطيع أن يترجم دقات قلوبنا التي يلتقطها بسماعته، ليشخص لنا مرضا قد اخترق جسدنا في غفلة منا، ليصف لنا الدواء بعد أن يلقي قبضته على الداء، ليحاول بعدها مجددا فهم المتغيرات والعوامل التي سمحت بظهور مثل هذه الأمراض خاصة منها الخبيثة، التي عصفت بالعالم وقلبت الموازين.

كان لـ “أخبار الوطن”  الشرف بأن تحاور أحد أكبر الأطباء المتخصصين في تشخيص الأمراض ، إنه الدكتور عيساني محمد الطاهر، أحد الثلاثة فقط المتخصصين في الطب البيئي الذين تفخر بهم الجزائر، وعضو المجلس الوطني لأخلاقيات المهنة والمدير السابق للصحة بسكيكدة.

حاورته: أسماء بوصبيع

تخصصتم في الطب البيئي، تخصص مجهول لدى الكثير من الجزائريين ، هل لك أن توضح للقارئ هذا التخصص؟

نعم صحيح، الطب البيئي يعتمد على تقنيات عالية الدقة في تشخيص الأمراض البيئية، إذن هو تخصص طبي حديث له وجود في المنظومة التكوينية الطبية للاتحاد الأوروبي خاصة ألمانيا والنمسا وفرنسا وإيطاليا، ثم إنجلترا ما قبل “البريكسيت” والولايات المتحدة الأمريكية، حيث توجد شبكة مخابر وفرق بحث تعمل على تبادل الخبرات والتجارب في هذا المجال خاصة ما هو مرتبط بالظواهر المرضية العالمية كالسمنة ومرض التوحد ومرض الزهايمر وأمراض الحساسية والسرطان.

هل بإمكانكم أن تصنفوا لنا العوامل البيئية التي تؤثر على الصحة الإنسانية والمسببة للأمراض؟

دعيني، أولا، أوضح لكم بعض المفاهيم، سنبدأ بتعريف البيئة والتي تمثل امتدادا للحياة، فهي تمثل المحيط الخارجي المتصل بالماء والهواء والتراب، والثاني مرتبط بمجموع النشاطات الاجتماعية والعلائقية. أما ثالثه فمرتبط بالجانب الداخلي الجسمي أو النفسي، ونستخلص بذلك أنها كلها عوامل مباشرة في التسبب بالأمراض والتي تؤثر على الصحة الإنسانية.

أما الصحة البيئية، فهناك من يربط مفهومها بالطب البيئي وهذا خطأ، فالصحة البيئية هو ميدان عمومي في شكله وفي مضمونه، وهو وجه شائع لأحكام قانونية ومؤسسات وبرامج وإستراتيجيات توضع فيها الصحة الإنسانية كأساس بناء ومفتاح تخطيط، فلا معنى لأي مشروع ولا قيمة له إذا لم تكن هنالك دراسة خاصة تهتم بالتأثيرات على الصحة الإنسانية على المدى القريب والمتوسط والطويل.

صحيح، كما ذكرت في سؤالك أن هنالك عوامل بيئية مضرة بالصحة، مثل ما هو مرتبط بالتلوث عموما وهو تلوث يشمل عناصر البيئة قد يكون كيماويا على شكل ملوثات كيماوية كعوالق معدنية، أو كالتلوث بالزئبق والرصاص أو ما هو مرتبط بالزيوت الخاصة بمحركات السيارات، أو ما تحمله مولدات الكهرباء من زيوت الأسكارال السامة ثم ما هو متصل بالمشتقات البترولية عموما، ومنها البلاستيك إلى جانب الملوثات العضوية البيولوجية الأخرى كالمكروبات والفطريات والباكتيريا والفيروسات.

كما أن الجزيئات النانوية التي تدخل في التركيبات والابتكارات الدقيقة بإمكانها أن تضاف إلى العوامل الملوثة الحديثة، ثم تأتي الملوثات الفيزيائية كالأشعة الكهرو مغناطيسية الخاص بالهاتف المحمول وأجهزة “الميكرو أوند” أو المسخنات، إلى جانب موجات الراديو الكهرومغناطسية بما يسمى التلوث الصوتي، إلى جانب زخم المركبات والأشعة الشمسية والمواد الإشعاعية دون أن ننسى حالة التشبع بـ (G4) و(G5) الخاصة بمتعاملي الهاتف النقال، وصولا إلى التدخين في شكله العام كسلوك اجتماعي له تأثيراته السلبية على الصحة والذي يتسبب في سرطانات الحلق والرئة والمثانة.

نفهم أنّ العامل البيئي المتهم الأوّل في الإصابة بالسرطان؟

نعم، يمثل العامل البيئي في ظهور السرطانات عاملا أساسيا في الإصابة بالسرطانات المعروفة كسرطان الرئة والغشاء الرئوي ما يسمى بـ الميزوثيليوما” بسبب مادة “الأميونت” التي تستعمل في البناء، كما أن التلوث بمشتقات البترول والمعادن الثقيلة وترسباتها يسبب سرطانات المناطق الرخوة كسرطان الدم وسرطان الغدد اللمفاوية أو ما يعرف بـ “اللامفوما”.

الغذاء بما يحمله من مواد حافظة سبب آخر للإصابة بالسرطان، أليس كذلك؟

أكيد، التغذية عموما والمصبرات التي تحتوي مواد ملونة ومثبتة (المواد الحافظة) وما يستعمل فيها من مواد تصنيعية كمستخلصات البيض وأنسجة اللحوم، والمشروبات كلها تحوي في مقاديرها ما يؤثر على الصحة، دون أن ننسى عوالق الأسمدة والهرمونات المستعملة لتسمين الحيوانات خاصة منها الدواجن كلها تصب في خانة التأثير الصحي سواء على المستهلك أو على المورثات الخاصة بالحيوانات المنوية أو البويضات.

يبقى التلوث الميكروبي الذي يطال الأطعمة بسبب تكاثر المكروبات نتيجة العدوى أو انتهاء مدة الصلاحية أو عدم احترام سلسلة التبريد أو اعتماد مياه ملوثة في السقي، كل هذه تعد مسببات أخرى للأمراض البيئية.

ويمكننا القول إن 80 في المائة من السرطانات تحمل على الأقل عاملان أو اثنين من عوامل البيئة، بإضافة إلى عوامل أخرى وراثية، وأخرى مرتبطة بالسن أو الجنس

هل صحيح أن تخصص الطب البيئي غير متوفرّ في كليات الطب الجزائرية؟

لا يوجد تخصص طب بيئي في الجزائر كما لا يوجد تخصص أمراض العقلية للأطفال ولا يوجد تخصص للتكفل بالمسنين للأسف.

ما المطلوب منا كي نستدرك الوضع؟

المطلوب إعادة النظر في المنظومة الصحية ككل، مع اعتماد أسلوب تسيير مغاير للأسلوب الحالي وتوفير كل آليات المرونة القانونية والتنظيمية التي تجعل من منظومتنا متحركة مع المتغيرات الوبائية والبيئية خاص بالتكوين والبحث العلمي والانفتاح على العالم.

 إذن، أنتم واحد من ثلاثة أطباء جزائريين فقط من سنحت لهم الفرصة لدراسة الطب البيئي خارج البلاد؟

نعم، كنت أول من شارك في الملتقى الدول يالأول الخاص بالسرطان والبيئة ممثلا للجزائر في 07 ماي 2004 بمقر اليونسكو بباريس، في إطار جمعية بريق21 للبيئة والتنمية المستدامة والتي يترأسها السيد طبوش محمد المدعو ديدين، وهي جمعية بيئية نشطة على المستوى المحلي والوطني تعتمد في مقاربتها البيئية على تفعيل المشاريع وتكوين الشباب في ميدان الثقافة البيئية، حيث يعود الفضل الكبير لهذه الجمعية في مشاركتي في نداء باريس واحد برفقة رئيسها.

نعم، لقد شاركت بعدها في دورات تكوينية مع كل من الصديقين الدكتور سبتي كمال والدكتور بومود فاروق، كلاهما طبيب متخصص في أمراض الأطفال حيث استمر التكوين مدة 45 ساعة في مقياس موزع على دورتين.

تقلدتم منصب مدير سابق في مديرية الصحة بسكيكدة في فترة العشرية السوداء، نود أن نعرف ما هي أهم التحديات التي واجهتكم ولماذا تمت إقالتكم؟

صحيح، كان لي الشرف أن أكون على رأس قطاع الصحة في ولاية سكيكدة سنة 1998، أثناء فترة استوزار الأستاذ يحيى ڨيدوم – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، كانت الفترة التي تزامنت والعشرية السوداء جد صعبة، حيث كان التحدي الأكبر في تطبيق السياسة الوطنية التي تمخضت عن الجلسات الوطنية للصحة في ميدان التكوين والتسيير والاتصال، ومنها على المستوى المحلي متابعة ومراقبة مشروع المستشفى الجديد بسكيكدة عبد الرزاق بوحارة حاليا، والذي بني على أرضية صخرية كانت تتطلب تهيئة باعتماد أشغال” الريبر” والتي كانت باهظة الثمن مع عمليات التقييمات المالية كل سنة والتي كانت تراجع باستمرار، بسبب ارتفاع التكلفة وما صحبها من إقناع مديرية التخطيط لوزارة الصحة والسكان لتحرير الأغلفة المالية اللازمة، الأمر الذي كان يتطلب جهودا مضنية.

التحدي الثاني الذي واجهناه هو التغطية الصحية للمواطنين في المناطق النائية في عز الإرهاب، ثم التحديات الخاصة بالمرافعات في المجلس الشعبي الولائي لسكيكدة من أجل تخصيص أغلفة مالية لصيانة المستشفى القديم أو لشراء معدات طبية وصيدلانية.

لكن التحدي الأكبر كان في تنصيب مجالس الإدارة للقطاعات الصحية آنذاك، حيث حظيت بتنصيب هذه المجالس وترأسها وتنشيطها إلى غاية إقالتي لأسباب لم يفصح عنها.

 وما تقييمكم للمنظومة الصحية في الجزائر؟

المنظومة الصحية الوطنية فيها ما فيها وعليها ما عليها، هي هنا موجودة وقائمة تستجيب بالقدر المتاح لاحتياجات المواطن البسيط، هنالك خطوات كبيرة تمت منذ الاستقلال إلى حد الآن، جهود مضنية، تكون من خلالها أطباء ومهنيو صحة جزائريون وبنيت هياكل صحية وفق خارطة وطنية في وطن هو قارة مع اعتماد وسائل تقنية وإمكانات مالية معتبرة.

 منظومة لها نقاط قوة ونقاط ضعف، قوتها في هياكلها وإمكاناتها البشرية والتقنية، وضعفها في إمكاناتها المالية والتقنية والتسييرية، ما هو مرتبط بنوعية الخدمات وظروف الاستقبال وترهل بعض حالات التكفل الخاصة بأمراض السرطان والأمراض العقلية وطب الشيخوخة، وانعدام العمل بالمشروع المؤسساتي وضعف التحكم في ظواهر التبذير والفساد، ناهيك عن التجاذبات المفرطة للشركاء الاجتماعيين ومحدودية التعاقد في شق الاستشفاء والإطعام وتسيير القمامة والمحافظة على البيئة، وانعدام مؤشرات مراقبة النوعية ناهيك على تسييس النشاط الصحي واعتماده كحصان طروادة لاستمالة أصوات المواطنين في المناطق النائية.

ماذا عن تشخيصكم للوضع الحالي الذي تزامن وجائحة كورونا؟

الوضع الوبائي الحالي الخاص بجائحة كورونا هو مطمئن بالنظر للإحصائيات التي تقدمها اللجنة العلمية، لكنه بالمقابل مقلق بسبب حالة التراخي التي تبرزها سلوكات المواطنين من جهة ومن جهة أخرى ما هو مرتبط بعملية التلقيح التي تبدو لحد الآن بطيئة ومتقطعة لاسباب موضوعية التي يجب ان توفر اللقاحات بكميات معتبرة.

ولا زلت مصرا أن وباء كورونا هو مرض بيئي بامتياز، فكل المؤشرات البيئية والطبية تؤكد أن تداخل الحياة البشرية مع تخوم الحياة البرية للحيوانات وعدم احترامها يجلب لنا أمراض فيروسية وبكتيرية خطيرة على الجنس البشري.

ما المطلوب لتجاوز الأزمة الصحية؟

يبقى الإسراع في تجسيد تصنيع اللقاح مع الشريك الروسي مطلبا إستراتيجيا واقتصاديا ذي أولوية.

وأقول إن التوازن البيئي واحترام الحدود الفاصلة بين الحياة المدنية للبشر والمجال الخاص بالحيوانات البرية كفيل بتجذير حاجز المناعة وتفادي هذه الجوائح مستقبلا.

لكم الحرية في قول ما تريدونه في الأخير!

نجوم الأمل تطل علينا من بعيد كوهج أزرار ذهبية على معطف الحياة…تطل علينا من خطر موت يوشك أن يكون إن تمادينا في قتل الحياة بسلوكاتنا ضد الطبيعة، لعلنا ندرك خطر التلوث بالبطاريات منتهية الصلاحية والبقايا الإلكترونية والمصابيح من نوع (LED) التي تحتوي على المعادن الثقيلة الخطيرة كالزئبق، لو عرفنا تبعات سلوكاتنا المضادة للحياة لتغيرت مشاريعنا ولتغيرت الحياة فينا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى