page contents
أقلام الوطن

الدّولة الفرنسية لا تعترف بجرائمها ضد الإنسانية في الجزائر

بقلم الدكتور عزّ الدّين معزة

“من يسيطر على الماضي يتحكم في المستقبل، ومن يتحكم في الحاضر يتحكّم في الماضي” (جورج أورويل).

إن مطالبة الدولة الفرنسية بالاعتراف بجرائمها ضد الإنسانية في الجزائر، على مدى 132 سنة من استعمار استيطاني بربري، لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلا له، بلا شك مطلب شجاع ولكنه محفوف بالمخاطر، ويستحق من كل جزائري المساندة والدعم، يحاول المؤرخ اليهودي الفرنسي “بنيامين ستورا” النظر لتاريخنا الوطني بشيء من اللامبالاة والسخرية أحيانا، وقد سَوَّى في تقريره الذي قدمه إلى رئيس الدولة الفرنسية “ماكرون”، يوم 20 جانفي 2021، بين الجلاد والضحية.

واضعا كثيرا من الغبار على تاريخنا الوطني ومحاولا تجاوز ونسيان الكثير من جرائم الدولة الفرنسية في الجزائر طيلة 132 سنة، أكيد العملية ليست سهلة وتتجاوز المؤرخ “ستورا” لأنها قضية دولة بالدرجة الأولى. فالاحتلال الفرنسي للجزائر كان سياسيا بالدرجة الأولى، حينما أمر ملك فرنسا “شارل العاشر” بتوجيه عشرات الآلاف من جنوده لغزو الجزائر، وذلك من أجل التغطية على فشله السياسي، لينتهي هذا الملك في 30 جويلية 1830 ويأتي بعده الملك “لويس فيليب” ليقوم – هو الآخر – بإرسال عشرات الآلاف من الجنود إلى الجزائر، وهنا يتضح جيدا بأن الاستعمار الفرنسي لوطننا كان بأمرٍ من السلطات الفرنسية العليا، وعلى رأسها ملوكها.

إن الذاكرة الشعبية الجزائرية خزّنت أحداث الجرائم الفرنسية في الجزائر، وكانت علاوة على ذلك وسيلة لنقلها من جيل إلى جيل، صحيح أن الروايات الشفوية لا تكفي وحدها لتعريف الحقائق التاريخية والتحقق منها، اليقين الوحيد الذي نحصل عليه من هذه الروايات الشفوية هو تمجيد لحظات بطولات الشعب الجزائري ودفاعه المستميت عن وطنه ضد استعمار فرنسي همجي بربري. وعليه، أرى ضرورة تسجيل وتوثيق هذه الروايات الشفوية التي خزنتها ذاكرتنا الوطنية ومقارنتها بالحقائق التاريخية الموثقة، وذلك للوصول إلى مصداقية واضحة وربما لا جدال فيها.

واجه الجزائريون الاحتلال الفرنسي لوطنهم بكل ما يملكون من إمكانات، وهو دفاع شرعي تباركه كل الديانات والقوانين الدولية، ورد عليهم الاستعمار الفرنسي بانتقام غير عقلاني وهمجي، هذا الأخير قضى على كل من وقف في وجهه مرتكبا حرب إبادة وجرائم حرب ضد الإنسانية في حق الرجال والنساء والأطفال، إبادة جماعية ضد الشعب الجزائري، إضافة إلى مصادرة الأراضي وحرق مزارع الجزائريين، إبادة وتجويع وترهيب خلقت فراغا كبيرا لفترة طويلة وأغرقت الجزائريين في فقر وبؤس، إن تاريخ مقاومتنا وثورتنا التحريرية يكرّم الشعب الجزائري لشجاعته وثقافته المُحبة للحرية والكرامة، فالذاكرة الجماعية للشعب الجزائري جزء لا يتجزّأ من السيادة الوطنية.

ما غفل عنه المؤرخ اليهودي الفرنسي “ستورا” وهو يعلم به جيدا بصفته من مواليد قسنطينة من عائلة يهودية، إضافة إلى تخصصه في تاريخ الجزائر المعاصر، أنّ جرائم فرنسا ضد الإنسانية في الجزائر بدأت يوم 14 جوان 1830 وما تبعها من إبادة كل من وقف محاولا منع الجنود الفرنسيين الغزاة من الوصول إلى العاصمة، أضف إلى ذلك تهديد “الداي حسين” بحرق العاصمة وإبادة سكانها في حال رفض التوقيع على اتفاقية الاستسلام يوم 05 جويلية 1830، هذا الضغط والترهيب على “الداي حسين” يعتبر في حدّ ذاته جريمة في حق الدولة الجزائرية، وهذا ما تناساه المؤرخ اليهودي في تقريره، ولم يذكر كذلك أعمال التخريب والنهب والسلب التي قام بها جنود الغزاة يوم 06 جويلية 1830 في الجزائر العاصمة، والتي استمرت لمدة شهر كامل، مع نهب خزينة القصبة ونقل ما فيها من ذهب وفضة إلى فرنسا، حيث يذكر بعض المؤرخين أن الأموال التي كانت موجودة في الخزينة تلك تقدر حاليا بـ 54 مليار دولار. وحتى ديون القمح التي كانت من إحدى الأسباب الثانوية لتوجيه الغزاة إلى الجزائر لم تُذكر في تقرير المؤرخ اليهودي “ستورا”.

ليس هذا فقط، فتقريره لم يشر إلى التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الجزائر من 1960 إلى 1967، التي سببت أضرارا خطيرة للبيئة وللبشر مازالت آثارها مستمرة إلى الآن، لم يذكر لنا ذاك المؤرخ أنّ 545 ملفا للجزائريين المتضررين من آثار الإشعاعات النووية الناتجة عن التفجيرات الفرنسية في صحرائنا رفضتها فرنسا بدعوى عدم استيفائها الشروط ولم تقبل منها إلا ملفا واحدا فقط.

ويقال، حسب جريدة “لوموند”، إن باريس قد ضغطت على الجزائر سرا في عهد الرئيس الراحل “هواري بومدين” للاحتفاظ بقاعدة “بـ2– ناموس” لإجراء تجاربها السرية للأسلحة الكيمياوية والبكتروبيولوجية في وادي ناموس بالقرب من الحدود الجزائرية المغربية، وذلك بعد تفكيك المواقع النووية في عام 1967. واستمرت تجاربها في تلك المنطقة إلى غاية عام 1978، وكشف عنها الصحفي الفرنسي “فينسينتجوفيرت” عام 1997 في مجلة “نوفيلأوبسرفاتور”. وهو ملف آخر خطير يلاحق فرنسا عن ماضيها الاستعماري الإجرامي في الجزائر، ومن المعلوم أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.

إن الدولة الفرنسية تتهرّب من تحمل مسؤوليتها عن جرائمها ضد الإنسانية في الجزائر وذلك بأشكال وأساليب أكثر إثارة لغضب الجزائريين، وآخرها تقرير المؤرخ اليهودي “ستورا” الذي اعتمده الإليزيه وأعلن على إثره “ماكرون” رغبته في طي صفحة الماضي دون الاعتراف بالجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في الجزائر طيلة 132 سنة وتقديم الاعتذار.

نصح المؤرخ اليهودي “ستورا” بتجنب تقديم اعتذار رسمي للدولة الجزائرية، ليعطي أمثلة عن عدم جدوى ذلك كاعتذار اليابان للصين وكوريا الجنوبية، ورغم ذلك – في نظره – لم تتم المصالحة بين هذه البلدان.

طلب المؤرخ اليهودي “ستورا” في تقريره أن يتم إنشاء لجنة مشتركة “فرنسية – جزائرية” لكتابة تاريخ الاحتلال الفرنسي للجزائر.

والسؤال الذي يمكن طرحه على هذا المؤرخ اليهودي: “هل طلبت فرنسا من ألمانيا تكوين لجنة مشتركة لكتابة تاريخ الاحتلال الألماني لفرنسا؟” أم أن هذا المثل لا يعرفه “بنيامين ستورا” ولا رئيس الدولة الفرنسية “ماكرون”.

تقرير “بنيامين ستورا” لا يعني الشعب الجزائري ولا تاريخه، فمقاومتنا وثورتنا التحريرية جزء لا يتجزّأ من سيادتنا الوطنية، وذاكرة الشعب الجزائري لا يمكن تجاهلها واستغباؤها بتقرير ذاك المؤرخ اليهودي “ستورا” ولا بنكران الدولة الفرنسية لها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى