page contents
أقلام الوطن

الدّين أفيون الشّعوب.. بين الحقيقة والوهم!

جاء في شكاوى “هرمس”، الذي طُرد من مجمع “زيوس أب الآلهة”، مايلي هل يوجد حقاً في السّماء إله أكثر شقاء مني، يا أماه؟ فتجيبه: إيّاك يا “هرمس” من التّلفظ بمثل هذه الأقوال. “هرمس”: لماذا امتنع عن التّلفظ بها، ما دمتُ مثقلاً بهذا القدر من الأعباء، أتعب وحدي وتتجاذبني الكثير من المهام منذ الفجر، ينبغي عليّ أن أنهض لكي أنظّف قاعة الولائم، أضع الأغطية على طاولتها، أرتّب كلّ شيء، ثمّ أضع نفسي تحت تصرّف “زيوس”، وأنقل رسائله راكضاً كل النهار بين الأودية والجبال، وما أكاد أعود، الغبار ما يزال يجللني حتى أقدّم الرحيق. وقبل وصول ذلك الساقي الذي اشتراه مؤخرا، كنت أنا أيضاً من يقدّمه. لكن الأدهى من ذلك هو أني الوحيد بين الآلهة الذي لا ينام حتى في الليل. حتى في هذا الحين، يجب عليّ أن أقود الأرواح إلى بلوتون، أسوق الأموات وأكون قريباً من منصّة المحكمة. ألا يكفيني أن أشتغل النهار كلّه، أكون في ميادين الرياضة، أقوم بمهمة السّاعي في الاجتماعات، أعطي دروساً للخطباء، ينبغي عليّ أن أشارك في إدارة كل ما يتعلق بالأموات ! لقد تحّول “هرمس” اليوناني إله البلاغة والمنطق إلى خادم لـ “زيوس”.

هكذا كان الدين يُفهم لدى اليونانيين في زمن يعود لمئات السنين قبل ميلاد المسيح عليه السلام. لا شك أن الظروف التي وُجد فيها “كارل ماركس” والزمن الذي عاشه وما فيه من تقلّبات واضطهادات قد أدى إلى تولّد قناعة فكرية معينة لديه بعد أن رأى بعينيه استغلال الكنيسة للفئات الاجتماعية وبطشها بخصومها، حيث لم تتردد في إعدام المتنكرين لتعاليمها وتهجير مناوئيها، بل وصل بها الأمر إلى معاداة العلم وتطوره.

فحين يقول في كتابه “نحو نقد فلسفة الحق الهيجيلية”: “إن التعاسة الدينية هي في شطر منها، تعبير عن التعاسة الواقعية، وهي من جهة أخرى احتجاج على التعاسة الواقعية، الدين هو تنهيدة المضطهد، هو روح عالمٍ لا قلب له، مثلما هو روح الظروف الاجتماعية التي طُرد منها الروح، وإنه أفيون الشعوب”. إن “ماركس” يطرح حجة بنيوية وظيفية عن الدين، ولاسيما عن الدين المنظّم، فقد اعتقد أنّ للدين بعض الوظائف العملية في المجتمع تشبه وظيفة الأفيون بالنسبة إلى المريض أو المصاب: فهو يقلل من معاناة الناس المباشرة ويزوّدهم بأوهام طيبة، ولكنه يقلل أيضا من طاقتهم واستعدادهم لمواجهة الحياة الجائرة عديمة القلب والروح التي أجبرتهم الرأسمالية المتوحّشة أن يعيشوها.

لكن، ما الذي جعل “ماركس” يفكر هكذا؟ لنعد قليلاً إلى الوراء. “يا ليتني أحرقت كل ما كتبت بيدي حتى لا أشهد يوم محاكمتي هذا”. هكذا صرّح العالم الفيزيائى “غاليليو غاليلى” أحد أهم الفيزيائيين على مرّ العصور، قبل محاكمته عام 1611 إثر اتهامه بالهرطقة من قبل الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، لأنه أثبت مركزية الشمس من خلال تليسكوبه المطور، وهو ما يعارض معتقدات الكنيسة وفقاً لتفسيرها لنصوص الإنجيل التى نصت على أنّ الأرض هي محور الكون وأن جميع الأجرام السماوية تدور حولها وفقا لآراء “بطليموس”، كما كانت تعتقد أن عدد الكواكب هو سبعة فقط مستشهدة بعدد أيام الأسبوع السبعة، وعدد فتحات رأس الإنسان السبعة، مما يعطينا صورة واضحة عن ضحالة الفكر خلال هذه الفترة التي شهدت محاكم التفتيش وعقوبات صارمة مميتة لكل من يفكر في معارضة الكنيسة. قامت محاكم التفتيش بإجبار “غاليلي” على التراجع عن أقواله العلمية ثم حكموا عليه بالحبس المنزلي إلى أن فقد بصره ومات. الواقع أن الشخصية الأسطورية “هرمس” تعلن بوضوح “أنّ أرفع نتائج البحث العلمي لم تؤدِ حتى الآن إلا إلى تأكيد حقائق الدين المسيحي”، مستطرداً: “لكن كلّ بحث يناقض المسيحية، يتوقف في منتصف الطريق أو يضل الطريق”، هل يمكن لامرئ أن يجد لنفسه حجةً أسهل من هذه لوأد أيّ مجهود علمي وردع كل اجتهادٍ يعاكس قناعة الكنيسة، لكن “هرمس” يقع في التناقض بعد أن سخّر نفسه ليكون عبداً لـ “زيوس”، الأمر الذي جعله عرضةً لانتقادات “بروميثيوس” الذي لم يتأخر في مراسلته: “تأكّد أني لن استبدل عبوديتك بمصيري البائس، إنني أفضل أن أبقى مكبّلاً في هذه الصخرة على أن أكون خادِماً أميناً ورسولاً لـ “زيوس” أب الآلهة، هكذا يحسن أن نجابه المتكبرين بكبريائهم، مستطرداً أنا أكره جميع الآلهة، فهم مدينون لي وبسببهم أُعامل معاملة جائرة”.

لم تتراجع الكنيسة عن إثمها تجاه “غاليلي” إلا مؤخرا، حيث أعلنت عام 1992 اعترافها بصحة ما جاء به واعتذرت عن حكمها السابق، لينال حكماً بالبراءة بعد ما يقارب أربعة قرون عن وفاته. في عام 2008 قام الفاتيكان بإتمام تصحيح أخطائه تجاه “غاليلي”، إذ قام بوضع تمثال له داخل جدران الفاتيكان. كان “غاليلي” قبل الحكم عليه بالإعدام قد تعرّض لضغط نفسي وتشهير كنسي رهيب، وضعٌ جعله ينهار نفسياً ليكتب معترفاً بالذنب الذي جرّه إلى قاعة محكمة مظلمة: “أنا المدعو “غاليليو غاليلى”، ابن “فنشنزو غاليلى” من سكان فلورنسا، وأبلغ من العمر سبعين عاما، أقسم إنني آمنت بكل معتقدات الكنيسة الكاثوليكية بروما، وسأؤمن مستقبلا بكل تعاليمها وما تبشر به، وأعلن ندمي عن كل الأفكار والهرطقات التي أدليت بها مسبقا، وعن كل ما اقترفته في حق الكنيسة، وأقسم ألا أعود إلى مثل هذه الأفعال مرة أخرى، وأن أشهد أمام هذه الهيئة المقدسة ضد أي شخص يقترف فعل الهرطقة أو المساس بمعتقدات الكنيسة فور علمي بذلك.

هذا نص ما قاله “غاليليي” حسب وثائق الكنيسة الكاثوليكية فى روما، بالرغم من الصراع الرهيب الذي كان يعانيه “غاليليي” أثناء قسمه، وبالرغم من الألم الذي كان يدمي قلبه وهو يدلي بهذا الاعتراف الخطير الذي يتعارض مع كل ما آمن به طوال سنوات عمره السبعين، فإن ذلك كان يبدو غير كاف لهيئة المحكمة. كان الصراع قوياً بين العلم وتعاليم الكنيسة الجامدة، لا شك في أنّ أوروبا كانت تعيش على فوهة بركان، إذ لم يتردّد العقل في تأكيد بهتان الكنيسة وانحرافها.

هناك خمسة أشخاص لعبوا دورا محوريا في نقل أوروبا من حالة السبات العميق إلى مرحلة النهضة، هؤلاء الأشخاص هم البولندي “كوبرنيك”، الدنماركي “تيخو براهي”، الألماني “كبلر”، الإيطالي “غاليلي” والإنجليزي “نيوتن”. ولعل أكثر هؤلاء الأشخاص تأثيرا هو “كوبرنيك” لأنه هو صاحب الضربة الأولى التي زلزلت كيانات الجمود القائمة في عصره، بل وصدعتها بغير رجعة وجعلتها غير قابلة للإصلاح. إن نتائج أطروحاته قد تخطت حدود الفلك لتؤثر في الدين والسياسة والفلسفة والثقافة الإنسانية كلها.

فقد قال “كوبرنيك” إن الأرض تدور وأنها ليست مركز الكون ضارباً بذلك بنظرية “بطليموس ـ أرسطو” عرض الحائط والتي استمرت 20 قرناً والتي دعمتها الكنيسة لمدة 12 قرنا، وجعلت مجرد التشكيك في هذه النظرية كفراً. فحين نطق “كارل ماركس” تلك العبارة “الدين أفيون الشعوب” كانت له أسبابه ودواعيه، يقول “كوستي بندلي” في كتابه “إله ماركس وإله المسيحيين”: هذا الدين الذي اعتبره “ماركس” مخدراً للمظلومين يمارسه أيضاً السادة الظالمون، إذ يصبح عندهم وسيلة للحيلولة دون ثورة العبيد، لإبقائهم في حالة الرضوخ لواقعهم.

وهكذا فالدين الذي اخترعه المظلوم ليخرج من شقائه يصبح بين يدي الظالم وسيلة لاستعباده”. وفي هذا الصدد، يتبادر السؤال البديهي، هل “كارل ماركس” كان على صواب ومحق في تفكيره؟ إذا نظرنا من زاوية ذلك الظرف وآلامه وآهاته، قد نقول إنه كان على صواب، وقد يستغرب البعض ذلك، وقد لا نختلف معه البتة في تلك العبارة بعد أن تحوّل الدين الكنسي إلى وسيلة للقهر والظلم والعبودية، فـ “كارل ماركس” لم يطّلع على الإسلام كدين ومنهج حياة، لم يتردّد القساوسة في استخدام الدين في سبيل تحقيق أهدافهم وتخويف الشعوب وسرقة أموال الناس، ناهيك عن الفضائح الكثيرة وتفشي الفساد، كل ذلك كانت تفعله الكنيسة باسم الرب.

عندما عطلت الكنيسة العقل وجمدته، وشكلت طبقة متميزة من “الإكليروس”، ظهر منها ما لا يليق بها وأدّت إلى نشوب صراعٍ عنيفٍ بين العلم والدين. يشير “ماركس” إلى الحملة المسعورة التي شنّتها الصحافة الألمانية على النقد الفلسفي للدين، هذا النقد الذي بدأ بكتاب “دافيد فريدريك شتراوس” في كتابه “حياة يسوع” الذي ظهر المجلد الأول منه عام 1835، فقد ظلّت هذه الصحافة تدافع عن الدين كما هو وتشوّه نظرة الفلسفة للدين.

لقد تغنّت صحيفة “أوغسبورغ العامة” بمآثر البسالة، فكان كل مطلع نشيد منها يردد أن الفلسفة لا يجدر أن تفسّر وتشرح من قبل السّيدة المفعمة حكمة التي هي أنا، فهي لا تزيد إلا عن تبجح فتيان أو موضة زمرةٍ من المتكبرين. لاشك أن الأوروبيين قد عانوا من اضطهاد الكنيسة، وهو أنّ معظم البغض الذي يكنّه اللاهوت البروتستاني للفلاسفة ناتج عن التسامح الذي تبديه الفلسفة إزاء العقيدة الخاصة، وفي إطار الصراع الذي ظهر بقوة بين الكاثوليك والبروتستانت، لم تتأخر الكنيسة البروتاستانية عن انتقاد “فويرباخ وشتراوس” لأنهما اعتبرا المعتقدات الكاثوليكية معتقدات مسيحية أكثر مما لاموهما لإعلانهما أنّ معتقدات المسيحية ليست معتقدات العقل. دأبت الأسر الملكية على الحفاظ على سطوتها، أن تتقرب إلى الشعب كلّما رأت خطراً ينافسها في عرشها، لقد وجّه “فريديريك غليوم” نداءً متبجحاً إلى شعبه في خطاب العرش: لتسقط الأرستقراطية، لتسقط البورجوازية، لنقم ملكية مستندة إلى الشعب.

لم يلبت رئيس المجمع الكنسي أن بصم على النداء الملكي بقوله: “إن الارستقراطية تترك للمَلكية كرامتها وتضفي عليها زينة شعرية، لكن تسلبها السلطة الفعلية، البورجوازية تسلبها السلطة والكرامة ولا تمنحها سوى لائحة مدنية، أما الشعب فيحفظ للملكية سلطتها وكرامتها وشاعريتها. فالمَلكية، حسب المجمع الكنس، تَشَكلٌ والشعب كلٌّ واحدٌ. إنّ هذه العبارة ليست سوى صيغة أخرى للتأكيد القديم: الدولة هي أنا، وهي الصيغة التي استخدمها “لويس” السادس عشر في مواجهة طبقات الشعب المتمردة: “إذا لم تطيعوا، فسأصرفكم إلى بيوتكم، وأنا وحدي سأحقق سعادة شعبي”.

لكن ماذا عن بورجوازيي العالم العربي والإسلامي وسلاطينه وأرستقراطييه، لم أجد أحسن عبارة كالتي أطلقها هواري بومدين في مؤتمر لاهور ” لا نريد للمسلمين أن يذهبوا إلى الجنة وهم جياع”، حين خاطب أمراء النفط الذين سرقوا أموال الشعوب لتعيش هذه الأخيرة في ظروف أقل ما يقال عنها إنها تشبه حالة شعوب أوروبا في عهد سيطرة الكنيسة، حيث ظلّ بعض أئمة المسلمين يقدّمون للشعب مقاربة الزهد والصّبر والسكوت عن سرقات الحاكم ونزوات الأمير، وإذا جاز لي أن أطرح سؤال هل الدين الإسلامي أفيون للشعوب العربية والإسلامية؟

 لا شك في أن التعاليم المستلهمة من القرآن قد أكّدت ذلك التوافق العجيب بين العلم والدين، فحين كانت الكنيسة تعيش ظلاميتها، كان ابن حزم والرازي والإدريسي والمسعودي والقزويني قد توصّلوا إلى حقائق علمية فلكية سبقوا بها “كوبرنيك” و”غاليلي”، هذا من جهة. من جهة أخرى، لم يتردّد بعض الأمراء في ضرب رؤوس منتقديهم، فالحلاج أُحرقت جثّته في بغداد بذريعة الكفر بعد أن قدّم اجتهادات فكرية، حيث اعتبر التصوف جهاداً في سبيل إحقاق الحق، وليس مسلكًا فرديًا بين المتصوف والخالق فقط.

لقد طور الحلاج النظرة العامة إلى التصوف، فجعله جهادًا ضد الظلم والطغيان في النفس والمجتمع، ونظرًا لما لتلك الدعوة من تأثير على السلطة السياسية الحاكمة في حينه، فقد كان مصيره الصلب والحرق في شوارع بغداد. ثمّ ماذا عن هؤلاء الذين صاروا هم القانون بل وفوقه، بعدما سمحوا لأنفسهم بقتل وذبح الآخرين باسم الدين، هل التاريخ يتكرر بعد قرون كثيرة، حيث سمح البعض لنفسه باضطهاد ابن رشد وابن عربي وابن خلدون وابن حزم لأن أفكارهم تنافس وتستفز ما كان شائعا آنذاك؟

هل سيظل الصراع مستمرا بين العقل والتقليد في غياب مرجعية فكرية واحدة تأخذ بعين الاعتبار تركيبة المجتمعات البشرية واختلاف المشارب والأصول، وتضمن الحرية الشخصية في الوقت نفسه،  سؤال سيبقى مطروحاً في ظلّ واقع وجد فيه بعض المتمسحين بالدين فرصتهم الذهبية، بعد أن جعلوا من منابرهم وسيلة للدفاع عن السلطان، كانت ما كانت نزواته وانحرافاته، لم يتورعوا عن استخدام الدين واجتزاء النصوص الدينية وإسقاطها في غير محلها، ثمّ عزّروا الرعية وطالبوها بالوقوف إلى جانبه، وهو يرتكب الكبائر والموبقات بأشكالها وألوانها، ثمّ لم يتأخّروا في التضامن معه في سحق الجماهير الشعبية المظلومة والمعدَمة.

د. عمر صافي / فرنسا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى