page contents
أقلام الوطن

الذكرى 39 لاغتيال المجاهد الديبلوماسي المحنك محمد الصديق بن يحيى

بقلم الدكتور عزالدين معزة

مرت تقريبا اربعون سنة على اغتياله في مهمة انسانية نبيلة من اجل انهاء الحرب العراقية ـ الايرانية، لا يزال رجل الدبلوماسية الجزائرية الشهير حياً في أذهان الناس. على المستوى الوطني وخاصة في جيجل، ذلك الرجل الهادئ الحكيم المتواضع المحبوب بين كل ابناء جيجل، كان مثالا للنزاهة والاستقامة والالتزام، كانت له نظرة عميقة وواسعة عن العلاقات الديبلوماسية الدولية، كان من المجاهدين المناضلين ضد الاستعمار والامبريالية العالمية، ومن الطلبة الاوائل الذين التحقوا بالحركة الوطنية والحركة الطلابية ومن أحد قادة اضراب الطلبة يوم 19 ماي 1956 وعضوا نشطا بارزا قائدا في الاتحاد الوطني للطلبة المسلمين الجزائريين لا يكل ولا يمل من اجل القضية الوطنية

قد ترك محمد الصديق بن يحي المولود يوم 30 جانفي 1932 بجيجل هذا “الرجل المميز وصاحب المسيرة النزيهة مثلما يصفه رفيقه في النضال رضا مالك، من خلال شجاعته وروح التضحية، بصمته في تاريخ الحركة الوطنية وتاريخ الجزائر المناضلة والمستقلة.

قد لعبت الديبلوماسية الجزائرية خلال الثورة التحريرية دورا أساسيا إلى جانب الكفاح المسلح في مواجهة ديبلوماسية فرنسا الاستعمارية، وكان محمد الصديق بن يحي مع ثلة من زملائه الديبلوماسيين الجزائريين من أمثال  محمد لمين دباغين ، محمد يزيد، عبد الحميد مهري ، كريم بلقاسمو سعد دحلب، حيث قامت ديبلوماسية الثورة الجزائرية بمجهود عظيم على المستوى الدولي من اجل دعم القضية الجزائرية معنويا وماديا، إن الحيادية التي امتازت بها ديبلوماسية  جبهة التحرير الوطني، أكسبتها الكثير من الاحترام والتقدير ، وهو الشيء الذي جعل القائمين  على هذه الدبلوماسية محل ثقة الكثير  من الأطراف الإقليمية والدولية  .

وقد بينت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، مدى حنكتها السياسية قدرتها على إدارة الملف الدبلوماسي بنجاح كبير، ونستشف ذلك من أول بيان لها، حيث جاء فيه: ” إنها ستستقبل بارتياح بالغ كل مسعى دولي يرمي إلى تنفيذ النصوص الإنسانية لاتفاقيات جنيف، بخصوص الحرب في الجزائر ، وسيكون بمقدور هذه الحكومة  عقد وإبرام المعاهدات والاتفاقات الدولية.

واستطاعت الديبلوماسية الجزائرية ان تحاصر الديبلوماسية الفرنسية التي سعت منذ اندلاع الثورة التحريرية إلى اقناع العالم بأمرين اثنين هما:

1 ـ أن ما يجري في الجزائر هو شأن داخلي فرنسي.

2 ـ أن من يقوم بتلك الاعمال الاجرامية في الجزائر هم مجموعة خارجة عن القانون

كما سعت جبهة التحرير أن تكون فلسفتها الدبلوماسية مؤسسة على أساس الصدق والمصداقية قولا وفعلا، وهو ما تؤكده تصرفات مختلف قيادات الثورة ومدى التزامهم بالوعود المقطوعة مع الحلفاء ومع الاعداء على حد سواء، هذه المصداقية اكتسبتها جبهة التحرير الوطني منخلال اختيار اذكى أعضائها واكثرهم حكمة وحنكة وديبلوماسية كعدم التسرع في إصدار الاحكام والقرارات وإخضاع ذلك أولا وأخيرا إلى ضرورة معرفة المعطيات والحقائق

فقد عرف عن الصديق بن يحيا ذكاؤه الحارق وتكتمه الشديد وحذقه في المفاوضات وقدرته على تسيير إدارة القضايا المعقدة. في محادثات “مولان” سنة 1960، ومفاوضات ايفيان، وفي الجلسات العاصفة التي مر بها المجلس الوطني للثورة الجزائرية في طرابلس، ودوره في كل مناصب المسؤولية التي تبوأها بعد الاستقلال “الإعلام والثقافة، التعليم العالي، المالية، الخارجية”،

بعد تسعة وثلاثين عامًا من اغتياله، لا يزال الرجل محبوبًا في جيجل وكل سنة تحيي مدينته ذكرى استشهاده

محمد الصديقي بن يحيى، دبلوماسي محنك ساعد في حل العديد من شؤون الدولة بالطرق السلمية، سواء في الجزائر أو في جميع أنحاء العالم.

كان بمثابة مرجع في العمل الديبلوماسي خلال فترة الثورة التحريرية ومرحلة الاستقلال

كان لهذا الرجل خبرة واسعة في المفاوضات والدبلوماسية. علاوة على ذلك، حتى المستعمر الفرنسي كان قلقًا عندما رأى أن محمد الصديق بن يحيى سيشارك في المفاوضات التي جاءت بعد مفاوضات مولان في جوان 1960، “قال رضا مالك،عنه: “ذكر الجنرال شارل ديغول مرارًا ذكاءه ومبادئه القيّمة”

يتقاطع مسار بن يحيى عدة مرات مع مسار فرحات عباس، وهو أيضًا من مواليد جيجل (الطاهير). لا يمكن التهرب من بصمته في تقريب و تدريب الشاب محمد الصديق بن يحيى، حيث اختاره أمينا عاما للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية فيجانفي 1960، قبل إرساله إلى مولان بفرنسا في جوان 1960 كمتحدث باسم ” الحكومة المؤقتة ” وقد مثل محمد الصديق بن يحيى  جبهة التحرير الوطني في القاهرة ، الأمم المتحدة (1957) ، أكرا (1958) ، مونروفيا (1959) ، إندونيسيا ، لندن وأماكن أخرى.

في 21 جوان 1960، وافقت الحكومة المؤقتة على إرسال ثلاثة مبعوثين، محمد الصديق  بن يحيى ، حكيمي بن عمار ، أحمد بومنجل  المحامي الذي كان مناضلا في حزب فرحات عباس قبل انضمامه لجبهة التحرير الوطني للقاء في مولان  الجنرال روبرت دي جاستين (ضابط سلاح الفرسان) ، العقيد ماثون و روجي موريس  (المراقب المدني السابق في المغرب) اللذان يجب عليهما التحضير لمحادثات مستقبلية بين فرحات عباس والجنرال ديغول . لكن الوفد يدعو إلى لقاءات على المستوى الأكثر رسمية، لقاء مع سجناء إيكس ، ولا سيما أحمد بن بلة ،

شارك محمد الصديق بن يحيى ،في مفاوضات ايفيان الاولى والثانية . يصفه الصحفي الفرنسي «ألبرت بول لينتين ” Albert-Paul Lentin” الذي تابع مفاوضات إيفيان عن كثب، على النحو التالي: “يتميز هذا الثعلب الصغير حاد العينين وذكي ليس فقط بالبراعة الماكرة، بل بالإرادة الحديدية. يتقدم بكفاءة ودهاء، على الرغم من تدهور صحته، ويمهد طريقه بأي ثمن من أجل استقلال الجزائر ووحدتها الجغرافية الكاملة “.

 وسيشغل بن يحيى، أول منصب وزاري له في الجزائر المستقلة على رأس الإعلام والثقافة. في هذا المنصب، تدين له الجزائر، على وجه الخصوص، بالنجاح الباهر للمهرجان الإفريقي الأول والأخير للثقافة والشباب الذي شهد شوارع الجزائر العاصمة تتأرجح على إيقاعات ميريام ما كيبا وهي تغني “إفريقيا” في عام 1969. في التعليم العالي، كان مهندس الإصلاح ودمقرطة القطاع بشكل ملحوظ، قبل أن يعمل على اتحاد المنظمات الطلابية.

لاحقًا، يرتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بصياغة الميثاق الوطني والمرسوم الذي يحمل الثورة الزراعية ، وهما نصان تأسيسيان لـ “اشتراكية محددة” معنية بالتوفيق بين البعد الاجتماعي للدولة الذي طرحه مؤتمر الصومام وهوية وطنية مبنية على الإسلام ودين الشعب والدولة.

اغتيل يوم الاثنين 3ماي 1982، مساء، بصاروخ روسي الصنع ضرب طائرته غرومان 2 ج Grumman G 2   مع الحدود التركية ـ الإيرانية على بعد 130 كلم من الأراضي العراقية وكان معه 8 من الموظفين الساميين في وزارة الخارجية و4 من طاقم الطائرة

خبر انفجار الطائرة اذاعته إيران صباح يوم الثلاثاء 4 ماي 1982 من طرف ” على ولايتي “وزير الشؤون الخارجية الإيراني، الذي صرح بما يلي: ان ذلك الفعل الاجرامي صادر من النظام البعثي العراقي “

وفي صبيحة يوم الثلاثاء صرحت أنقرة، أن طائرة إيرانية نفاثة تحطمت بالقرب من انفجار طائرة محمد الصديق بن يحيى، بعد قتال مع مقاتلتين عراقيتين.

وعبر الرئيس الشاذلي بن جديد، عن “عميق حزنه ” لدى سماعه نبأ الحادث، وتعهد بإرسال لجنة تحقيق إلى عين المكان وكشف الحقيقة، شكلت لجنة تحقيق يرأسها آنذاك المجاهد صالح قوجيل، انتقلت إلى موقع الحادث، وعثرت على بقايا صاروخ جو-جو استخدم في ضرب الطائرة، وبعد البحث تبين أن هذا الصاروخ من ضمن طلبية سلاح روسي تسلمتها العراق، غير أن العديد من المصادر اختلفت في تفسير هذا الحادث، هل كان قصفا متعمدا من أجل إبقاء الحرب بين إيران والعراق؟، أو وقع بالخطأ باعتبار أن الأجواء التي كانت مخيمة على المنطقة هي أجواء حرب، تساؤلات عديدة راح ضحيتها بن يحيى

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة

هل كشف الرئيس الشاذلي بن جديد عن الحقائق التي توصل إليها التحقيق كما سبق أن وعد الشعب؟

حيث تعهد أمام أعضاء اللجنة المركزية للحزب بكشف حقيقة اغتيال محمد الصديق بن يحيى للشعب الجزائري، ولكنه لم يفعل.

حتى بشير بومعزة ، الذي كانت  له صداقة مع نظام صدام ونفوره من الملالي ، يعترف بـ “المتاعب” و “الشك”.  في طارق عزيز، الدبلوماسي العراقي وغيابه عن جنازة بن يحيى! قال له طارق عزيز في ذلك الوقت: ” أفهم أسئلتك أن كلامي لم يقنعك تمامًا”. ويختتم بشيربومعزة روايته عن المقابلة مع المسؤول العراقي بملاحظات مريرة إلى حد ما: “حتى لو نجحت بغداد في إقناع الحكومة الجزائرية بحسن نيتها، فلا يزال يتعين عليها تبديد القلق الذي يشعر به الجمهور، حتى في العراق، بعد المأساة المزدوجة، اختفاء فريق كامل من الوسطاء ومعهم اختفاء آمال السلام التي أثارتها رحلتهم “. لا يزال طالب الإبراهيمي، خليفة بن يحيى في الشؤون الخارجية، والذي تولى التحقيق في ظروف الحادث، مندهشا حتى اليوم من برودة ردود فعل صدام على مجموعة الأدلة التي جمعها المحققون الجزائريون. طارق عزيز نفسه. اتهم إيران، ويستند إلى الادعاء بأن الصاروخ السوفيتي، الذي عثر على قطع منه مع حطام الطائرة المدمرة، قد زودته ليبيا أيضًا بالإيرانيين.

أولئك الذين يستحضرون كذلك التورط السوري يشيرون إلى أن لدى دمشق مصلحة في تأجيج الحرب ورؤية جارتها تغرقفيها، لكن لا توجد حقيقة مادية تدعم تأكيداتهم. لا يزال الطريق الإسرائيلي قائما. وهي تستند إلى ثلاثة أدلة:

أولاً، المساعدة اللوجستية والفنية التي تقدمها إسرائيل لإيران، لا سيما في قطاعي الطيران والصواريخ المتطورة.

ثانياً، اغتيال وسيط آخر في عام 1948، «الكونت فولك برنادوت “وهو ديبلوماسي سويدي،أثارت اقتراحاته في عملية السلم حفيظة الجانب اليهودي في تلك الفترة إذ عارض ضم بعض الأراضي وضع حد للهجرة اليهودية ووضع القدس بأكملها تحت السيادة الفلسطينية،نفذت عملية الاغتيال الفلسطينية إلى الدولة اليهودية المقترحة في قرار التقسيم الذي صدر في 29 نوفمبر 1947 كما اقترح في 17 سبتمبر 1948 في القطاع الغربي لمدينة القدس

وثالثاً، معارضة تل أبيب،لأي سلام من شأنه أن يسمح للعراق بإعادة بناء إمكاناته الاقتصادية والعسكرية.

في انتظار أن يكشف التاريخ عن أسراره.

سقطت طائرته قرب باماكو يوم 30 ماي 1981بمالي، وكان رجال الإنقاذ يظنون انه ماتبعد أن استمر عملهم لمدة 20 ساعة كاملة للوصول إليه ووجدوه حيا، وتعرض محمد الصديق بن يحيى الى كسر مزدوج في عظم الفخذ،وتم نقله العلاج في باريس في مستشفى كوشين.

عاد إلى الجزائر العاصمة يوم 29 اوث، استغرقت فترة نقاهته عدة أشهر قبل أن يتمكن من استئناف نشاطه الديبلوماسي، وظل يعاني من آلام حادة في ظهره.

كان رئيس الدبلوماسية الجزائرية، الذي خلف السيد عبد العزيز بوتفليقة عام 1979، شخصية محنكة. سريع البديهة، كان مع ذلك شديد السرية ودقيقًا ولكنه حازم،ومهذب، وكان لديه إرادة صلبة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى