page contents
الثقافةملفات

الرّوايةُ لإنقَاذِ المَسرحِ !

مُخرجونَ يَلجؤُون إلى الاقتِباسِ من الأدبِ المَحلّي لمُواجهةِ أزمةِ النّصِ

كثيرا ما أثار المسرحيون، باختلاف توجهاتهم وآرائهم، مشكلة وجود أزمة نص مسرحي جزائري، ومن “ريبرتوار” المسرح القديم منه والحديث نجد العديد من المسرحيين يستنجدون بالرواية الجزائرية لمواجهة هذا النقص الذي يجده البعض مفتعلا، كيف لا وأول نص مسرحي عربي كان جزائريا كتبه إبراهيم دانينوس (1798 ـ 1872) وذلك عام 1847 بعنوان “نزاهة المشتاق وغصّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق” باليد، وبخط مغربي جزائري، دون أن ننسى أن الاقتباس كان مقتصرا في السابق على الكتاب والروائيين الأجانب، لاسيما منهم الإغريقيين والغربيين.

صارة بوعياد

إن علاقة المسرح بالأدب ظاهرة قديمة وليست وليدة العصر، قادمة من تاريخ عريق يعود إلى المسرح الإغريقي الذي كان يقتبس مسرحياته من الأساطير الملحمية ومن الحكايات الشعبية وغيرها، فلا يستثنى المسرح الجزائري من الاقتباسات من روائع الأدب والمسرح كموليير وشكسبير وغيرهم. لكن نتساءل هل يجد الجمهور نفسه ركحيا، وهل ننقل من العالم الغربي واقعنا، مما شكل عزوفا وهروبا للجمهور من القاعات، لتأتي موجة حديثة تدعو إلى الاقتباس من الأدب الجزائري الذي يعتبر نافذة تطل على واقعنا وتاريخنا وثقافتنا وكذا هويتنا، فالنصوص الروائية تنطوي صفحتها على أحداث مدن وأبطال جزائرية.

هناك أزمة نص مسرحي في الجزائر! نتساءل ما أحقية هذا الحديث المتداول بين المسرحيين، لمن يستندون على الاقتباس من الروايات الجزائرية على غرار المخرج المسرحي زياني شريف عياد الذي اعتمد على رواية “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” للروائي الراحل الطاهر وطار، اقتباس أمحمد بن قطاف، كما تم اقتباس للروائي واسيني الأعرج مسرحية “امرأة من ورق” عن رواية “أنثى السراب” إخراج الراحلة صونيا مكيو واقتباس مراد سنوسي، ولنفس الكاتب تم الاقتباس راويته “ليليات رمادة” من قبل الكاتب والإعلامي عبد الرزاق بوكبة لعرض مسرحي إخراج شوقي بوزيد.

ومؤخرا، أنتج المسرح الجهوي لـ “سوق أهراس” تجربة حديثة للمخرج علي جبارة والمسرحي مولاي ملياني في اقتباس لرواية “الملكة” للروائي أمين الزاوي بعنوان “سكورا”، والتي خطفت 4 جوائز بالمهرجان الوطني للمسرح المحترف في دورته الـ 14، لتكون تجربة جديدة وناجحة بشهادة الجميع، وهو المخرج الذي يستند حاليا في عمله على رواية “عازب حي المرجان” للرواية ربيعة جلطي، وعلى روايات عبد الحميد بن هدوقة لتكون قفزة نوعية من المسرح إلى الأدب بهدف الارتقاء بالفنون لتتشكل سوق إبداعية مشتركة، يتم فيها تبادل الرأي والنقاش حول الإبداع من الأدب إلى المسرح إلى السينما إلى الفن التشكيلي إلى الموسيقى، وكذا حول الإخراج والسينوغرافيا والاقتباس وحول الإصدارات الروائية للتشكل جسور إبداعية بين مختلف الفنون.

المخرج المسرحي علي جبارة:

“من واجبنا الاستثمار في الأدب للحد من أزمة النص المسرحي

قال المخرج المسرحي علي جبارة لـ “أخبار الوطن”: “إن هناك نقصا كبيرا في دراماتورجيا، والاقتباس صعب في المسرح بصفة عامة. وأن توجه المسرحيين للاقتباس من الروائيين والشعراء جاء بهدف أن نرتقي بالأدباء على المستوى المحلي والدولي، فهناك أسماء معروفة عربيا ودوليا ونالت جوائز وهي مجهولة عند القارئ الجزائري، كما أن الهدف من التوجه نحو الاقتباس من الرواية وتحويل الأدب على الخشبة للتعريف بأدبائنا للمشاهد المسرحي الذي لا يقرأ ، فهي دعوة غير مباشرة للقراءة والإطلاع على أدبائنا التي تزخر نصوصهم بنفس جزائري، حيث الجمهور يجد نفسه فيها، فهي تحمل واقعه ويتعرف فيها على ذاته، وعليه من واجبنا كمسرحيين الاستثمار في الأدب، حيث أنوي الاستمرار في هذا المسار الإبداعي الجمالي ونقل الأدب إلى الركح بطريقة فنية”.

وأضاف جبارة: “اقتبست مؤخرا من رواية “الملكة” لأمين الزاوي مسرحية بعنوان “سكورا” والنجاح الذي أبهرني جعلني أفكر في التوجه نحو الاقتباس من جديد لكل من الروائية ربيعة جلطي وعبد الحميد بن هدوقة والقائمة طويلة، فسأستمر في هذا المسار أبن ينفتح المسرح على الأدباء لتسويق ثقافتنا وتراثنا”.

الروائي أمين الزاوي:

“هناك أزمة نص مفتعلة والاقتباس من الرواية جسر حقيقي بين المسرح”

قال الروائي أمين الزاوي لـ “أخبار الوطن”: “إن توجه المسرحيين للاقتباس من الرواية جسر حقيقي بين الروائيين والمسرحيين، ونحن نحتاج للمسرح وتحويله الأعمال السردية ركحيا، وهي ليست المرة الأولى التي تقتبس فيها أعمالي ركحيا فكانت تجربة مع رواية “الباشا الكاتب”، “الملكة”، ورواية “طفل البيضة” بالفرنسية، وهذا شيء إيجابي حيث الفنون تكمل بعضها البعض، فلا يوجد مسرح بدون أدب والعكس صحيح”.

وأضاف صاحب “السماء الثامنة” “ومن الناحية التوجه المسرحي للاقتباس من روائع المسرح العالمي أعتبره فرصة للتكوين بالنسبة للمسرحيين، الذين يشتغلون على أعمال شكسبير وموليير وغيرهم، لكن إن تحدثنا عن علاقة الفن الرابع بالجمهور الذي يبحث عن واقعه ركحيا لابد من التوجه إلى النصوص الأدبية الجزائرية التي تعتبر مادة جيدة، لنقضي ولو جزئيا بما يعرف بأزمة النص”.

وأضاف الزاوي أن انفتاح الأدب على المخيال المسرحي، وانفتاح المسرح على الأدب ما هو إلا إضافة للتطعيم المسرحي نحو الرواية وتطعيم جماليات السرد بتنفيذ لوحات مسرحية، هنا يجعل الكاتب ينفتح على أجواء أخرى من الفنون، وهنا أيضا يكمن التبادل الجمالي بين فن الركح وفن الكتابة، وأزمة نص في الأخير ما هي إلا أزمة مفتعلة حيث كلما اقتربنا من النصوص الجزائرية نجد أن هناك نصوص قابلة للمسرحة”.

الروائية ربيعة جلطي:

“كنت أدعو منذ 20 سنة للاقتباس من الرواية لمواجهة أزمة نص

قالت الروائية ربيعة جلطي لـ “أخبار الوطن”: “سأكون سعيدة جدا بكل من يهتم بالاقتباس من الرواية للمسرح، وكنت أدعو إلى ذلك منذ 20 سنة، ففي جلسة علنية كان هناك مخرج فيلم بدون ذكر الاسم، فتدخلت في آخر العرض وطرحت فكرة للمخرج لماذا لا تستند على نص من النصوص الأدبية الجزائرية العربية منها أو الفرنسية، فانزعج المخرج كثيرا مع أنني لم أكن أنتقد بقدر ما كنت أنصحه بمحبة، وبعد سنوات وصلني الخبر أن المخرج نفسه اليوم يشتغل على الأدب الجزائري وهذا أسعدني جدا”.

وأضافت صاحبة “الذّروة”: “إن النص الجميل هو الذي يخلق جوا جماليا وجدليا، أما النصوص الفارغة لا تفيد، وهناك الكثير من يستند إلى نصوص أدبية وشعرية فهناك فنانة فرنسية اعتمدت في أعمالها الفنية على مجموعة شعرية وهي قمة الذكاء والجمالية، لنقول إن الفنون تكامل مع اختلافها”.

وأشارت جلطي: “اقتبست روايتي “جميلة بوحيرد” ركحيا، و”الذّروة” تحولت إلى مسلسل تلفزيوني، وهذا اللقاء بين الفنون يسعدني لأن التنوير يبدأ من هنا، والفنون تقرب المشاهد من الرواية، ويقترب القارئ إلى المسرح، كما ليس هناك مخرج ذكي أو قارئ ذكي وإنما هناك من يقرأ بذكاء ونباهة ليحول النصوص ركحيا يشتغل فيها عن التراث المسرحي، مع ضرورة الانفتاح على نافذة العصر الرقمي رغم أن المسرح شفهي والاقتراب من النصوص التي تثير الدهشة وتنير ذهن القارئ والمشاهد معا، وبكل تواضع أعتقد أن نصوصي أخذت مني مجهودا كبيرا بدأت تستغل في ألوان فنية أخرى لتتغلغل في قلوب الناس، والنص الذي يستحق الجهد التنويه له ركحيا وسينمائيا، وفي الأخير هذا ما هو إلا انتصار للمشاهد والقارئ معا”.

الكاتب المسرحي فتحي كافي:

“لا أؤمن بوجود أزمة نص والاقتباس من الرواية ظاهرة صحية

قال الكاتب المسرحي فتحي كافي لـ “أخبار الوطن”: “لا أؤمن بوجود أزمة نص لأن المسرح في نظري ورشة مستمرة، وهنا أفتح قوس لأقول إن التأطير في الورش التكوينية نجده في التمثيل والإخراج والنقد ولكن لا يوجد اهتمام فعلي بالنص المسرحي، فورشة الكتابة تستحق أكثر من ورشة لأن المسرح يبدأ من النص أو تصميم الفكرة، وبالتالي إن أزمة الكتابة ترجع للقائمين على المسرح حيث لم يتم الاستثمار في صناعة كاتب مسرحي، ولا يوجد جوائز تحفيزية ما عدا جائزة بن قطاف وكاكي الذهبي التي توقفت بحكم سياسة التقشف. وهناك تجربة كتابة “سيتكوم” فأحد البلدان المجاورة أقدمت على فتح ورشة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أرسلت 30 كاتبا للتعليم وتدريب كتابة سيتكوم الذي يعد من أصعب الكتابات، وكان هناك تربص وحين عادوا قدموا نهضة سينمائيا وحتى مسرحيا”.

وأضاف كافي: “التوجه نحو الاقتباس من الرواية هي ظاهرة صحية فهي نصوص تمثيلنا عكس المضي نحو الاقتباس من الأدب والمسرح العالمي الذي لا يمثلنا ، وإن كان يقدم قضية إنسانية ولكن لا يمثل هويتنا وتاريخنا، فالتوجه نحو أدب الجزائري الذي لا يفتقد لثقافتنا، عاداتنا وتقاليدنا، نكسب به الجمهور بعد هروبه من القاعات أنا أعي جيدا ما أقوله، فمثل ما كانت موجة الاقتباس من النصوص الغربية جاءت موجة أخرى الاقتباس من النصوص العراقية، لتبقى هناك اقتباسات ناجحة من الأدب لروية واسين الأعرج وياسمين خضرا، وغيرهم، فهناك تجارب مميزة في المسرح مثل تجربة “سكوار” للمخرج علي جبارة واقتباس مولاي ملياني من رواية “الملكة” لروائي أمين الزاوي”.

وأشار صاحب “القرص الأصفر”: “شخصيا حاولت الاشتغال على ثلاثية مالك حداد، وأنتجت مسرحية “أرمونيكا” التي شاركنا بها في قسنطينة عاصمة للثقافة العربية، وهي ظاهرة صحية لأن ذلك يؤسس للهوية الجزائرية ركحيا، ليبقى الاشتغال على الجانب الدرامي لأن المسرح ليس سرد وإنما فعل درامي، وهنا التحدي في نقل الأعمال السردية ركحيا، كما أنوه إلى أن روايات جزائرية وصلت للعالمية وترجمت للغات عديدة منهم الروائي ياسمينة خضرا التي يمكن استغلال هذه النقطة للتسويق أدبنا ومسرحنا”.

اظهر المزيد

صارة بوعياد

صحفية جزائرية، متحصلة على شهادة الماستر تخصص علم الإجتماع، مهتمة بمتابعة الشأن الثقافي الجزائري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى