page contents
أقلام الوطن

السرد والتداخلات اللغوية

بقلم الدكتور السعيد بوطاجين

تشكل التداخلات اللغوية في السرديات ظاهرة تزداد حضورا، ما يجعل هذا التنافذ قابلا لأسئلة من أجل الإحاطة بأسباب هذه الانشقاقية اللسانية التي أصبحت تسم السرديات الجديدة. يمكننا الحديث عن نوع من تقزيح للسرد في بعده اللساني والمعجمي، إذ تتحابك فيه مستويات، بدءا من اللفظة، إلى غاية الجملة والمقطع.

يسمّى هذا في الأعراف النقدية “اللغة الحرفية”، كما نظّر لها النقد الغربي، وخاصة مع البنيوية التكوينية، أو مع النزعات التي كانت لها ميول أيديولوجية في حقبة تميزت بالاحتكام إلى العلاقة التناغمية ما بين البنى الاجتماعية والبنى الإبلاغية.

إن مسألة المستويات اللغوية، كما طرحت في الغرب، تأسست على مبدأ التأليفية في إطار اللسان المعياري الواحد، مع مجموع القواعد النحوية والصرفية التي تحكم، كما وجدت مع جماعة الثريا، وكانت هذه التوفيقية تهدف إلى إثراء المعجم وتكييف السرود خدمة للتفاوت الفرضي بين الشخصيات، فكرا ولغة.

وقد أسهمت هذه المنظورات في تقوية اللغة وإضاءة بعض سبل السرد وتطعيمه بمفردات جديدة، كما أبرز النقد فجوات الجملة السردية في علاقتها بالشخصيات وانتماءاتها المعرفية والطبقية والدينية والاجتماعية، إذ لم يكن مستساغا أن تأتي جميع الأصوات صدى لصوت المؤلّف، وقد كان لهذا الترجيع دور في إقواء النظرية النقدية التي اتخذته نقطة استدلال لرتق الصّدع واحترام الحمولة المعرفية والأيديولوجية للشخوص.

قد تسهم المستويات اللغوية في مراعاة الاختلافات بين الشخوص لتضع كلّ شخصية في خانتها، وهكذا سيكون لكلّ منها معجمها الذي يمكن اعتباره بطاقة دلالية، كما يمكن أن تلعب وظيفة الفواتح من حيث إنها تنبئ بجزء من هويتها،مع ذلك علينا التمييز بين هذه التصورات وبين النزعة “الشعبية” التي تتعامل مع المحيط الخارج بحرفية خدمة لأغراض غير فنية.

إذا افترضنا أن العمل الأدبي يقوم على مجموعة من الشخصيات المتباينة، فإن عامل الحِرَفية سيكون له دوره في إبراز هذه المفاضلات التي تساعد في تصنيفها وفق منطق لساني، للشاعر لغته وللإسكافي لغته وللإمام لغته، غير أنّ ذلك ليس تقنينا يخضع الشخصيات لقانون سردي جازم، ولا يمكن التأكيد على ضرورة إلزام الشخصيات بالتحرك في حدود لسانية، لأن هذا الطرح قد يكون حاملا لمغالطات، خاصة عندما يتأسس على خلفية غير أدبية لا تسهم في ترقية الأدب من حيث إنه أدب، وليس جهازا لتمرير مواقف أيديولوجية تغرقه في الشأن الشعبوي.

ما يميّز بعض الخطابات اشتغالها على المستويات اللغوية، خارج اللغة الواحدة، كأن تتم المزاوجة بين الفصحى والعامية. هناك نوع من الاجتياح الملّون،لأنّ هذه الاستعمالات تزداد حضورا، كما هو الشأن في البدايات الأولى للسرد العربي الحديث، قبل تراجعه لاحقا عن الصيغ الهجينة لعدم قدرته على تدويلها.

لقد اتجه النص إلى الاستعانة بلغات أخرى من أجل أداء أمتن للقدرات التواصلية التي تظل قاصرة، كما يرى بعضهم،في حين يرى آخرون أن هذا الزيغان عن القاعدة يخدم جانب البيبنائية، أو العلاقة بين النص والمحيط المنتج له، ويؤكد هؤلاء على الصدق، على التفاوت التعبيري الذي يميز الشخصيات، لذا نجد في العمل الواحد لغتين أو أكثر.

وهناك روايات أخرى اختارت الميل إلى العامية، مع ما يتخلّلها من تشابكات لسانية، وهذا الخيار له مبرراته، وأولها التعبير عن المجتمع بالشكل الذي يعّبر به، ويقصد بذلك الإبقاء على الشكل التعبيري كما هو متواتر، وبذلك يتم تحقيق مبدأ التداول بأقل تكلفة ممكنة.

إن الاشتغال على الدارجة، من منظور بعضهم، هو ضرب من الصناعة الترقيعية التي لا تغلّ، بل إنها قد تبهت الأشكال القائمة التي تتكئ على نواميس راسخة، لذا تكون المحافظة عليها نوعا من تكريس الحقائق التاريخية، في حين أن المعايرة هيعزل للكتابة عن بيئتها.

إن التعددية اللغوية ليست هي الحل الأمثل للتدليل على الاختلاف، ولا على القدرة على امتصاص الأحداث والحالات، وإذا كان هذا المنحى صحيحا، فسنطرح هذا السؤال: كيف استطاعت الآداب الكلاسيكية أن تكون مؤثرة ومقنعة وخالدة رغم أنها لم تكسر الواحدية اللغوية التي تدعو حداثتنا إلى تطعيمها بالطريقة المتداولة حاليا؟

سيكون القارئ ملزما بمعرفة كلّ دارجة، لأن دارجته لن تكفيه لفهم النصوص التي تكتب في بلدان مختلفة.لا يمكننا الحديث عن تدويل لهجة دون أخرى. هناك معضلة لفعل القراءة في حدّ ذاتها، دون الحديث عن المقروئية والاستيعاب عندما يتمّ الخروج عن اللغة المعيارية،ومعنى ذلك أنّ على المتلقي اكتساب عدّة لغات ولهجات لقراءة رواية واحدة.

كما تشكل هذه التقاطعات متاعب للترجمة، فإذا كان المترجم يتقن لغتين، فإن عليه الاستعداد لمواجهة هذا التنافذ، ما يتسبب في جهد إضافي يفوق الجهد المبذول في التعامل مع لغتين، لأنه لن يتعامل مع ألفاظ وجمل فحسب، بل مع حالات ثقافية.

إضافة إلى ذلك، فإن مدارس الترجمة ليست على بيّنة من أمرها، وليست متفقة حول ما إذا كان يجب ترجمة التنافذات أم الإبقاء عليها في لغتها، احتراما للخصوصية النصية، ثم الاستعانة بالهوامش للشرح، وذلك تيسيرا للفهم.

أغلب النصوص التي وظفت الدراجة انتقلت أثناء الترجمة إلى لغات معيارية. هل هناك خيانة للنص الأصلي؟ يبدو أن هذا الطرح التبسيطي لن يحلّ مشكلة السرد، إن لم يدفع به إلى التعقيد بإفقاده الخصوصية  تكريسا لمبدأ الانعكاس الذي ينزع عن الإبداع وظيفة الارتقاء بالمجتمعات إلى مستوى الفن.

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. التعدد اللغوي اراه ضرورة يقتضيها العمل الفني الروائي،اذ مقتضى واقعية الشخوص تستلزم انطاق شخوص الرواية بمستواهم العلمي،والثقافي،والمهني،ولاباس أن يستعمل الكاتب بعض الكلمات الدارجة دون اسراف،واخلال بالنص الادبي حفاظا على نضارة الادب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى