page contents
الثقافةملفات

السِّياسةُ الثَّقافيةُ.. استفاقَةٌ ولكِن !

مُختصون يُطالبونَ بِبنائِها على أسُسِ المُجتمعِ، وألَّا تُلبسَ على مَقاسِ السُّلطةِ

تؤكد المعطيات المتوفرة أن السياسة الثقافية في الجزائر تشوبها عدة اختلالات في بلد بحجم قارة، ويزخر بتراث حضاري وثقافي كبير قل نظيره في أي دولة أخرى، وما هو موجود – على حد قول الكثير من المختصين في الشأن الثقافي – يبقى مجرد ذر للرماد في العيون، مادامت بلادنا لم تحتكم بعد حقيقة إلى سياسة ثقافية جادة تبنى من المجتمع ولا تلبس على مقاس السلطة. يحصل هذا رغم الاستفاقة المتأخرة من طرف وزارة الثقافة والفنون الحالية ومحاولات استدراك ما فات، عن طريق فتح النقاش حول الموضوع مع المختصين ومحاولة إطلاق ترسانة قانونية جديدة تكرس نظرة جديدة للفعل الثقافي.

صارة بوعياد

يشدد الكثير من المختصين في الشأن الثقافي على ضرورة بناء علاقة تفاعلية تشاركية بين المثقف والدولة لصناعة سياسة ثقافية حقيقية وفق أطر وأسس وقوانين تشمل كل شرائح المجتمع وتصل إلى كافة الأرجاء، لاسيما أمام ما سجل من تغييب عمدي أو تقصير في هذا المجال من مختلف الحكومة المتعاقبة.

إن السياسة الثقافية هي إجراءات وقوانين وبرامج حكومية تنظم وتحمي وتشجع وتدعم ماليا الأنشطة المتعلقة بالفنون والقطاعات الإبداعية كالرسم والنحت والموسيقى والرقص والأدب وصناعة الأفلام وغيرها من الفنون، بالإضافة إلى الثقافة التي قد تشمل نشاطات تتعلق باللغة والإرث والتنوّع الثقافي.

وقد جاءت فكرة السياسة الثقافية من منظمة اليونسكو في ستينيات القرن العشرين بشكل عام، وتستلزم من الدولة أن تضع عمليا تصنيفات قانونية وتشريعات ومؤسسات (كالمعارض،والمتاحف، والمكتبات، ودور الأوبرا…إلخ) تنمّي التنوّع الثقافي والتعبيرات المُبدعة في مجال الأشكال الفنية والفعاليات الإبداعية.

وما تقوم به وزارة الثقافة والفنون في الجزائر حاليا من سّن قوانين جديدة في صالح السينما والمسرح والكتاب، مؤخرا، قد يسمح بشكل أو بآخر بتأسيس وبناء سياسة ثقافية في الجزائر كانت مغيبة لسنوات، حيث هناك بعض القوانين لم يتم تفعيلها إلا مؤخرا، وقوانين كان الأجدر أن توضع منذ زمن. لكن الإرادة السياسية لم تكن حاضرة بقوة من أجل إرساء منظومة قانونية إلا مؤخرا مع توصيات ومخرجات المنتدى الاقتصاد الثقافي الذي أثلج صدور الكثير من الفاعلين في القطاع الثقافة والفنون من أجل الاستثمار في هذا المجال وجعله موردا اقتصاديا حقيقيا ذا نوعية في الجزائر، في انتظار سن قوانين أخرى تسمح للمجتمع المدني بالمبادرة في خلق مؤسسات فنية خاصة وثورة ثقافية جديدة.

الأكاديمي والناقد مخلوف بوكروح لـ “أخبار الوطن”:

“السياسة الثقافية تُبنى وفق علاقة تشاركية بين الدولة والمثقف”

قال الأكاديمي والناقد مخلوف بوكروح لـ “أخبار الوطن”: “إن السياسة الثقافية مرتبطة بالحياة اليومية وهي صعبة التحقيق في ظل عدم اهتمام الدولة بالثقافة، غير أن اهتمام الجزائر بالحياة الثقافية كان قبل الاستقلال من خلال الاستثمار فيها، لكن يبقى ذلك غير كافٍ، حيث كانت كسلاح سخرت فيه الثقافة لمحاربة ملحقات الاستعمار والمحافظة على الهوية، حيث نجد الدولة هي الصانعة للثقافة بنسبة 100 بالمائة، ولا يوجد مصدر يدعم الثقافة من غيرها”.

وأضاف بوكروح: “هناك جهود تبذل في مجال الاستثمار لسد احتياجات الناس، لكن ما ينقص السياسة الثقافية هو غياب تصور واضح وسليم لوظيفة الثقافة في المجتمع، إلى جانب عملية التكوين في المجال الثقافي. كما أن الهدف المرجو أن تشارك الثقافة في التنمية فهي جزء لا يتجزأ منه وذلك بالتركيز على البعد الاقتصادي الثقافي، والاهتمام ببناء الإنسان الذي يواجه التنمية الشاملة، لأن الثقافة عنصر أساسي في بناء المجتمعات”.

ونوه المتحدث، في السياق ذاته، بقوله: “إن الثقافة لها مردود اقتصادي ولابد من خلق تصورات في التنمية الشاملة للمجتمع في مجال المسرح، الفنون التشكيلية، الموسيقى وغيرها. وفي الوقت نفسه، من المهم جدا أن لا يغلب الجانب المادي على كل ماهو ثقافي وفني وإبداع.فالثقافة المزدهرة تبنى من المجتمع وليس من الدولة فقط، وطريقة السياسة الثقافية علاقة أفقية تشاركية وكذا المساهمة في فتح حوار واسع عن ماهية الثقافة وإشراك الفاعلين في وضع اقتراحات وحلول”.

ص.ب

الكاتب والناقد والمترجم السعيد بوطاجين: لـ “أخبار الوطن”:

“الأنظمة تعمل على إبعاد الثقافة لأنها تشكّل خطرا”

قال الكاتب والناقد والمترجم السعيد بوطاجين لـ “أخبار الوطن”: “إن القطاع الثقافي مرّ بعدة مراحل متفاوتة وقد أشرف عليه ضمن برامج ورؤى مختلفة وعدة سياقات تاريخية معقدة. وفيما يتعلق بمنظورنا كجزائريين للثقافة سواء على مستوى الهرم أو على مستوى الشعبي، فلقد عملت الكثير من الأنظمة سواء عن قصد أو عن غير قصد على إبعاد الثقافة لأن الجهات المعنية بالتسيير تعتبر الثقافة خطرا عليها إلى غاية الآن. لذا، لاحظنا مجموعة من التصفيات الجسدية أو النفي والسجن، أو التهميش وحتى التفقير”.

وقد ركز الكاتب والناقد بوطاجين على عنصر الكتاب ضمن السياسة الثقافية، حيث قال: “إن الوضع الحالي للكتاب لا شأن له مقارنة بالأغنية الشعبية وكرة القدم، واهتمامات الأمة، التي استبعدت وأبعدت تدريجيا عن هذه الاهتمامات التي كان يفترض أن تكون قاعدية لتحصين البلد والدولة.

لكننا رغم الكثير من المبادرات الطيبة التي يقوم بها المسؤولون يظل القطاع الثقافي بحاجة ماسة إلى ذلك لأن الميزانية الممنوحة له لا تفي بالغرض كما يحصل في الدول المجاورة أو في الدول المشرقية أو الخليجية، كما هو الشأن في الكويت وقطر والإمارات التي تستثمر في العقل على مدى البعيد، لأنها أدركت قيمة ترقية الثقافة بالموازاة مع القطاعات أخرى، فالكتاب في الجزائر حاليا من حيث الميزانية والطبع والمقروئية يظل ضعيفا جدا، مما أدى مع الوقت إلى تبوء الجهل والعنف وتصدع المجتمع الذي لم يستطع أن يؤسس على العقل والمعرفة، فنحن مطالبون في كل الأوقات بالاهتمام بهذا الجانب لأن بناء الحضارة لا يتم إلا بتثقيف الأمة، ودفعها إلى القراءة والبحث، بدل من دعم التهريج والسياسات الفاشلة التي انتهجت منذ عقود عن طريق الاستخفاف بالكتاب وتأثيراته التي تأتي بنتائج مهمة وغير مباشرة كما قال تشي جيفارا في مذكراته”.

وأضاف بوطاجين:”إن المثقف الجزائري حاليا ينظر إليه باحتقار من أجل احتكار المناصب، فالمثقف يشكل خطرا على الكرسي في عقليتهم، وهنا نشير إلى المثقف العضوي، حيث جل المثقفين لا يقومون بالدور المستند إليه ويسقطون في فخ السياسي”.

صارة.ب

حسن منجور المكلف بتسيير مديرية الكتاب والمطالعة العمومية لـ “أخبار الوطن”:

“بإمكان اللقاءات مع الفاعلين بناءُ سياسة ثقافية فعالة”

يقول حسن منجور المكلف بتسيير مديرية الكتاب والمطالعة العمومية لـ “أخبار الوطن”: عرفت السياسة الثقافية في الجزائر، من خلال ما تقوم به وزارة الثقافة والفنون، حركية مشهود لها بالإيجاب، شملت جميع الجوانب أساسا الكتاب، ناهيك عن إرساء المكتبات العمومية في سبيل إثراء المطالعة، ومؤخرا من أجل تعزيز المنظومة القانونية لمجال الكتاب، حيث بادرت الوزارة الوصية بإعداد العديد من النصوص التطبيقية المتعلقة بتطوير الكتاب، والتي ستساهم في ضبط وتنظيم صناعة الكتاب في الجزائر من خلال تأطير السلسة المتعلقة بالكتاب من نشر وطبع وعملية التسويق”.

وأضاف منجور:”هذا النوع من اللقاءات سيساعد الوزارة بمشاركة ناشرين وكتاب وفاعلين في تشخيص الوضع في الميدان، حيث بناء سياسة ثقافية متعلقة بالكتاب لا يمكن أن تكون بدون إحصائيات أو بدون الكشف عن الوضع الحقيقي للكتاب”.

ص.ب

عبد العزيز حمدي عضو في مجموعة العمل في السياسة الثقافية لـ “أخبار الوطن”:

“السياسة الثقافية تنبع من المجتمع وليس من الوزارة الوصية”

قال عبد العزيز حمدي عضو في مجموعة العمل في السياسة الثقافية: لـ “أخبار الوطن”، بخصوص تقييمه للسياسات الثقافية في الجزائر، بالقول: “أولا، لا نستطيع تقييم شيء غير موجود، مصطلح السياسات الثقافية دخيل على بلد مثل الجزائر، لأن السياسات الثقافية هو مشروع على مدى طويل تقوم الدولة بتأطير القطاع الثقافي، وبالتالي هذا المشروع غير موجود في الجزائر”.

وأضاف حمدي:”إن السياسات الثقافية هو مشروع ينبع من المجتمع المدني والفاعلين الثقافيين في بلد معين، من أسفل الهرم إلى أعلاه، ثم يتم تناوله ومعالجته على مستوى الهرم ويطرح للبرلمان ويصادق عليه، من طرف النواب والوزارة المعنية غيرهم، فالسياسات الثقافية هي شبه دستور ، حيث تعالج الثقافة فيه كل الأمور من أدناها إلى أقصاها، وهذا النوع من المشاريع غير مطروحة في الجزائر”.

وأبرز حمدي، في السياق ذاته، يقول:”إذ قمنا بتقييم شامل لما يعرف بالواقع الثقافي وما يكون مشابها للسياسة الثقافية في الجزائر، فإن التسيير الثقافي هو عبارة عن قوانين وأوامر فوقية تطرح من الفوق الى الأسفل، وبالتالي يجعل الثقافة في الجزائر تملك نوعا من السيادة والثقافة السلطوية التي تتميز بلمسة البيروقراطية، ويجعل المثقف أو الفنان يكون محدود”.

وأبرز أن العالم عاد يعمل وفق ثقافة الورشة، وثقافة المخبر، حيث الجزائر بعيدة كل البعد عن هذا. وللنهوض بالثقافة يقول حمدي “يجب البحث، والإحصاء والمسح، والتقرب من المجتمع الجزائري لمعرفة ماذا يحب، لأن الثقافة تنبع من المجتمع وليس من الوزارة”.

وأفاد بأن الطموح إلى السياسة الثقافية”هو طموح كل غيور وكل من يملك الثقافة في جيناته، فطموحنا هو الوصول إلى استقلالية القطاع الثقافي وازدهاره، إلى جانب خلق مبادرات شبابية مستقلة تطغى على الجانب الرسمي،طموحنا هو أن يكون قانون للفنان وقانون للنشاطات الثقافية وقانون للقطاع المستقل، وصناديق تدعم المثقف المستقل في الجزائر، وأن تتوفر كل التسهيلات للاستثمار في هذا القطاع،والسماح للشركات الأجنبية بالمساهمة في دعم الجمعيات والتعاونيات المستقلة،هذا هو الطموح الذي نسعى إليه نحن كمجموعة”.

ص . ب

اظهر المزيد

صارة بوعياد

صحفية جزائرية، متحصلة على شهادة الماستر تخصص علم الإجتماع، مهتمة بمتابعة الشأن الثقافي الجزائري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى