page contents
"خلاصة القول"

الشّفــــــــــــــــطُ السِّيــــــــاسيُ..!

بلســـــــــان: ريــــــــاض هــــــــويلي

نَعم، ولَكن..! الجُملةُ العَدميةُ في حديثِ الكثيرِ من الجَزائريينَ مع بعضِهم البَعض؛ جملةٌ ذاتُ شَفرتينِ: شَفرةُ للطّمأنةِ وأخرى للشّفطِ، أو لنَقلْ: نَعم يُرادُ بها نّفخٌ ولكنَّ يُقصدُ بها سَلخٌ، أي: أن المُتلقِي يُعطِي المُتحدثَ الانطباعَ بأنّه على وِفاقٍ مع ما طرحَ من فكرةٍ، ثمّ يَشفطُها من جذُورها بطَريقةٍ تُشبه حِلاقةَ الذّقنِ.

في الغَالبِ، يوظّفُ هذِه “الجُملةَ – السّلاح” من يُسمّون أنفسَهم نُخبةً (سياسيون – أكاديميون – صحفيون – كتّاب..إلخ)، يُحاولون الظّهورَ بمَظهرِ المُتفَهّم للفِكرةِ قبل أن يَنسفُونَها بشفرةٍ حادةٍ اسمُها “لَكنّ”!

لكنَّ – هذِه – تَبدو لكَ في البِدايةِ أنّها مجرّدُ إبرازٍ لوُجهةِ نظرٍ أو أنّها إضافةٌ لمُعطياتٍ تُثرِي المَوضوعَ محلَّ النّقاشِ، لكنّكَ ستَكتشفُ أنّها مجرّدُ أداةٍ لنسفِ المَوضوعِ برُمّته، والإلقاءِ به في قعرٍ مظلمةٍ.

في الغَالبِ، لا نَستمعُ في نِقاشاتِنا إلى بَعضِنا البَعضِ، وفي أحسنِ الأحوالِ نَسمعُ ما نُريدُ سَماعَه فقط! لهذَا،  كلّما حَاولنَا النّقاشَ والتّحاورَ إلا وارتَفعتْ أصواتُنا عَليًا، ثم تَتداخلُ فِيما بينَها متفرّقةً بين الدِّفاعِ عن الفِكرةِ وردِّ الاعتبَارِ، أو السّعيِ لإثباتِ الذّات قبل أن نَنسحِب على خُصومةٍ ومُعاداةِ بَعضنَا البعضِ.

النّقاشُ أدبٌ والحوارُ ثقافةٌ، والسّياسةُ دون حوارٍ ليست سِياسةً؛ فهي قبلَ كلِّ شيءٍ إقناعُ النّاسِ بصَوابِ رَأيكَ وأحَقِيةِ مَطلبكَ وشَرعيةِ تَمثيلِك، مُقابلَ الاعترافِ بحقِّهم وإمكانيةِ صَوابِ رأيِهم وشَرعيةِ تَمثيلِهم أيضا، ولو لجُزءٍ قليلٍ من النّاسِ.

وفقَ هذه المُعطياتِ، تبرزُ أهميّةَ تَصحيحِ المسارِ بالنِّسبة إلى الحَراكِ، والمَسؤوليةُ – هنا – تقعُ على عاتقِ النُّخب التي تَعتقدُ أنّها مُؤثّرة في الحَراكِ. وتَصحيحُ المسارِ أقصدُ به التَّخلِي عن التّهجُم على الجَيشِ الوَطنيِّ والمُؤسّساتِ المُتفرعَة عنه، حتى نَخرجَ من مأزَقِ: “نَعم، الحَراك مُحقٌ، ولَكن… “!

أما بالنِّسبةِ إلى الطّرفِ الآخرِ، وهوَ السُّلطة القَائمةُ، فهيَ مُطَالَبة بالتّعامُل مع الميدان برُوحِ المَسؤوليّةِ التي تَفرضُها الوَاقعيّةُ السِّياسيةُ. وفي حَالِنا هذِه، تقولُ الوَاقعيّةُ السِّياسيةُ إن جُزءًا من الشّارعِ – قد يَكونُ كبيرًا أو صَغيرًا – غيرَ راضٍ على أداءِ السُّلطةِ، ويرى أنّها مُطالَبةٌ ببَذلِ جُهدٍ كبيرٍ قد يفوقُ طاقتَها اليومَ، لأسبابٍ مُتعدِّدةٍ.

إذَا استطَعنَا ضمانَ هذا الحدِّ الأدنَى من الاحتِرام المُتبادلِ في إطارِ الاعتِراف بالآخَرِ كمُكوِّنٍ من مُكوّناتِ المُجتمعِ والدّولةِ يمكنُ القولُ إنّنا أمامَ بوادرِ انفِراجٍ سِياسيٍّ.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى