page contents
أقلام الوطن

الصحافة المكتوبة في الجزائر.. كرونولوجيا الاحتضار في عصر انحسار الورق

بقلم : د / حسينة بوشيخ

يبدو واقع الصحافة المكتوبة في الجزائر اليوم، واقعا فريدا من نوعه حتى يكاد يكون نموذجا يُدرّس، ليس لتجربته المثمرة شكلا في بلد من العالم الثالث دخل عهد التّعددية السياسيّة والإعلامية قبل ثلاثة عقود، ولكن في فوضاه وغموضه الذي أصبح مكشوفا ويدركه جميع الفاعلون.

واقعﹲ أفرز مؤسّسات صحفيّة ثريّة وصحفيون فقراء، أو بالأحرى ناشرون أثرياء وصحفﹲ بائسة تتشابه في المضامين والعناوين، وتغرّد جميعها داخل سربﹴ واحد خوفا من غضب “رعاة” الإشهار.

دوامة الكم تجرف الكيف

حتى زمن كورونا مازال المشهد الإعلامي في الجزائر يحصي صدور 161 صحيفة ورقيّة حسب آخر التّصريحات الرسمية، تأسّس جلها في العقدين الأخيرين، ولطالما فاخرت السلطة بها عندما تتحدّث عن حرية التعبير والصحافة، رغم أنّ معيار الحرية ومستوى الممارسة الإعلامية لا يقاسان بعدد الصحف، بقدر ما يقاسان بجودتها وجديّتها. وفي السنوات الأخيرة تصاعد النِّقاشُ في أوساط الصحفيين والمختصين، حول ضرورة تنظيم مهنة الصحافة في الجزائر ووضع حدٍ للممارسات غير المهنيّة التي تؤثر على مكانتها، لكن لا شيء يحدث.

فقد انتقلت الصحافة الجزائرية، من مرحلة النّضال والدفاع عن الأفكار والمبادئ رغم قِلة الإمكانات المادية والتِّقنية، إلى مرحلة الانخراطِ في دوّامةِ الكمِّ على حساب الكيْفِ. وبدا الصحفيون مستسلمون للوضع أكثر من غيرهم، يتساءلون كيف السبيل إلى ضبط الممارسة الإعلامية والارتقاء بها إلى مستوى أفضل في ظل البيئة القانونية والمهنيّة التي يعملون في إطارها دون أجوبة.

فالكل يتساءل لماذا يكثر اليوم الدخلاء في مهنة الصحافة ولماذا يُمسِكُ غير المهنيّين بزمام الأمورِ في قطاع الإعلام؟ ولماذا يتأخرُ تنصيبُ سلطة ضبط الصحافة المكتوبة، وإصدار قانون الإشهار؟ ولماذا يتعذّرُ إصدارُ قانونٍ أساسي جديد للصحفيين وتنصيبِ مجلس لأخلاقيات المهنة؟ لماذا يستمر مستوى الصحفيين المبتدئين في الانخفاض، لكن قاعات التّحرير ما انفكّت تستغلهم لملأ الفراغ دون مٓنحِهِم الحد الأدنى من أبجديات ممارسة العمل الصحفي المِهني؟ بل إنّ غياب النّموذج، القُدوة في المؤسّسات الإعلامية أدى إلى انتشار مفاهيم خاطئة عن المهنة في أوساط الجيل الجديد من الصحفيين، الذين لا يفرِّقون بين السّبق الإعلامي والإثارة الفجّة، وبين الشُهرةِ والتّٓشهِير بالحياة الخاصة للأفراد. مما يجعل حرية التّعبير مهدّدة ويعطي السلطة مبرّرات للتّضييق والمحاصرة.

وفي خضّم كل هذا، يعاني الصحفيون وضعيات اجتماعية صعبة، بسبب ضعف الأجور وانقطاعها لفترات طويلة وعدم اهتمام مؤسساتهم بتحسين ظروفهم.

إعلانات للجميع.. أو احتيّال مقنّن !

خلال العهدتان الثالثة والرابعة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، استمر التّهافُتُ على إصدار الصحف وتحويل الأسبوعية منها إلى يوميّة بغض النّظر عن مضمونها وضعف التّوزيع واسْتِحالة تغطيتِه تكاليف الطبع والأجور، مع استمرار غيّاب الشفافيّة في كشف أسماء مالِكي الصُحف ومصادِر التّمويل ووِجْهة أرْباحِ المؤسّسات من عائدات الإشهار التي لم تنْعكِس في رفع أجورِ الصحفيين والعمال مثلا، أو في استثمار ما قيمته 2% منها في تكوين وتدريب الصحفيين حسب ما يفرضه قانون الإعلام، فلسنوات طويلة تغاضت المؤسّسات الصحفية الخاصة عن تطبيق هذا البُند رغم الأرباح السنوية التي كانت تُحقِّقها، مع العلم أنّ كثيرا منها لا يسحب أكثر من ثلاثة آلاف نسخة وحصل على صفقات إعلانية مربحة، في عملية يمكن وصفها ب”الاحتيال المقنّن”.

فحتى نهاية العام 2015 ، كان هنالك 46 جريدة يومية لا يتجاوزُ سحبُها اليومي على مستوى المطابع العمومية في وهران وقسنطينة و ورقلة والعاصمة الـ 140 ألف نسخة، بمعدل 3 آلاف نسخة لكل منها، لكنها كانت تغرف حصّتها من الإشهار العمومي، بل إنّ هنالك صحفا لم تكن تُوّزع أصلا ويكتفي مالِكُوها أو مُسيِّروها بإيداع نسخٍ عنها لدى الوكالة الوطنية للنّشر والإشهار والإيداع القانوني.

أما باقي النُسخ، فيتِمُ بيعها بالميزان كمُرتٓجعٓات، وهي الصحف التي قال وزير الاتصال السابق حميد قرين عام 2014، إنّه ينبغي على المطابع العمومية أن توقِف طبْعٓها بما أنّها لا تُوّزع..، وإجبارُها على دفع مستحقات الطبع، ووضع رزنامة لدفع ديونها المتراكمة.. لكنها استمرت في عملها أو بالأحرى في غرف نصيبها من الإشهار.

ولاشك أنّ هذه الوضعية الجزائرية الخاصة، تدفع أيا كان إلى التساؤل حول خلفيّات التساهل مع صحف فاشِلة اقتصاديا، تستنزف الورق المُستوردِ بالعملة الصعبة ولا تسدّد مستحقاتِ المطابع العمومية المتراكمة منذ سنوات. وبالطبع فقد أصبح ذلك التساهل وسيلة ضغط وتحكم من جهة، ووسيلة لاغتناء وثراء ملاك تلك الصحف التي أصبحت أشبه بسجلات تجارية لمشاريع اقتصادية على حساب الرسالة الإعلامية.

وإذا كان من المتعارف عليه في العالم، أنّ الصحف يمكن أن تغطيّ حتى 30% من نفقاتها اعتمادا على عائدات البيع، فإنّه في الجزائر أصبح ذلك غير ممكن بالنسبة لصحف كثيرة، لأنّ العديد منها لا يكادُ يجني شيئا يذكر من المبيعات، لعدم قُدرتها على استقطاب قراء دائمين أو التّسويق لنفسها. ما يجعلُها صحفا عاجزة عن جلْب المعلنين بعيدا عن ريع الوكالة الوطنية للنّشر والإشهار التي مارست دور المُنقِذ طويلا.

ترسانة قانونية.. ولكن ؟

تُساعِد منظومةُ القوانين في أي مجال على ضبطِه وتنظيمه. وبغضِ النّظر عن ضوابط المِهنة، فالتّشريعات الإعلامية هي انعكاسٌ للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلد ما. وبالنّظر إلى التجربة الجزائرية في مجال الصحافة المكتوبة، فإنّ المنظومة القانونية التي تمّ اسْتِصْدارُها في السنوات الأخيرة تصُبُ في إطار تنظيم الممارسة الإعلامية نظريا، رُغم أنّها ما تزال قاصِرة واقعيا، بسبب عدمِ تطبيق القوانين وتأخُرِ تنصيبِ لجنة ضبط الصحافة المكتوبة التي أﹸقرّت في قانون الإعلام الأخير، فقد تأخر إصدار العديد من المراسيم التطبيقية.

كما يُعد تأخُر صدورُ قانون الإشهار أحد أهم العراقيل التي واجهت تطور المؤسّسات الصحفية في الجزائر وأفرزت واقعا غير سٓوِيٍ في الممارسة الإعلامية، من خلال مِئات العـــــناوين الصحفيــــة المُنخرِطة في نمطٍ متشابهٍ من ظروف العمل بالنسبة للصحفيين وحتى بالنسبة لقلة جودة المحتوى.

وقد سعت حكومات متعاقبة منذ عام 1990 إلى الإبقاء على احتكار الوكالة الوطنية للنّشر والإشهار بدءا من بلعيد عبد السلام ثم مقداد سيفي وأحمد أويحيى، هذا الأخير الذي أصدر تعليمة بتاريخ 18أوت 2004 حثّ فيها الوكالة على توجيه إعلاناتها إلى الصحف المُقرّبة من السلطة، ويقصد الإعلان الصادر عن الإدارات والمؤسّسات العمومية، و المؤسّسات العمومية ذات الطابع الصناعي التجاري والبنوك العمومية وكل هيئات ومؤسّسات الدولة.

وإلا فإنّ دفع مُستحقات الإعلان سيُرفض من قبل المراقبين المالييّن ومحافظِي الحسابات. وهي التعليمة التي ألغيت عام 2010. لكن أسوأ ما حدث هو منح تراخيص إنشاء الصحف لمن لا يستحقونها وتمكن أصحاب النفوذ من الاستحواذ على تمويل الوكالة الوطنية للنشر والإشهار عن طريق علاقاتهم الشخصية وليس بسبب أداء صحفهم، فالعديد من الصحف تحولت إلى غطاء للحصول على الإعلان وفقط .

لذلك فإنه ينبغي اليوم إنهاء هذه الوضعيّة وتنصيب سلطة ضبط الصحافة المكتوبة وتفعيل صندوق دعم الصحافة كي تتمكّن الصحف الجادة والمهنيّة من البقاء مع ضرورة مسايرتها للعصر وإيجاد بدائل للدعم المالي من جهتها، على غرار التوجه نحو الدفع الإلكتروني مقابل قراءة الصحف عبر الإنترنيت.

اظهر المزيد

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق