page contents
أقلام الوطن

الفشل المأساوي لثورات الربيع العربي؟

بقلم الدكتور عزالدين معزة

مر عقد كامل على ثورات الربيع العربي، ففي بدايتها الأولى بتونس وانتشارها في منطقة الوطن العربي، اعتقد الجميع بأن شعوب منطقة الشرق الأوسط قد نفضت عنها غبار الذل والقهر والاستبداد واعتقد الجميع كل الاعتقاد بأنها مقبلة على مرحلة تاريخية جديدة وسوف تأسس بلا شك بنموذج مغاير للدولة الوطنية التي عرفتها الأوطان العربية بعد تحررها من الاستعمار الأوروبي الحديث، فمن أصل اثنين وعشرين دولة عربية،عشر دول عربية على الأقل مرّ عليها الربيع العربي حسب تعريف الأمريكي “مارك لينش” عندما نشر مقالا في مجلة السياسة الأمريكية الخارجية بعنوان “ربيع أوباما العربي” أو سمها كما شئت “احتجاجات” أو “انتفاضات” أو “الشتاء العربي” أو “الحراك” كما يسميه الجزائريون.

لم تأت ثورات الربيع العربي من فراغ وحب العرب للفوضى واللانظام، بل جاءت كرد فعل طبيعية بسبب معاناة الشعوب العربية من أنظمتها الاستبدادية.

لم تكن مطالب الشعوب العربية سياسية فقط ” الشعب يريد إسقاط النظام” أو “دولة مدنية ماشي عسكرية” بل تتمثل مطالبها بتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي أيضا للطبقات الهشة والتي تتكون منها النسبة الكبيرة من الشعوب العربية، فالعناصر الثلاث “السياسية – الاقتصادية – الاجتماعية” مرتبطة ببعضها ارتباطا عضويا، ولا يكتمل أحدهما دون الآخر، والسؤال الذي يفرض نفسه علينا بشدة هو: “هل تحقق حلم الثائرين والمحتجين والحراكيين ونالت الشعوب العربية ما طالبت به من دولة القانون والمؤسسات وتحسين أوضاعها الاجتماعية؟”

يرى “جوستاف لوبون”في مؤلفه “سيكولوجية الجماهير” أن كل الهزائم التي لحقت بفرنسا كان سببها هجمة الجماهير على مسرح التاريخ”، لكنالحركات الاشتراكية الثورية تعتقد أن الحراك الجماهيري هو حراك عقلاني وشرعي، بينما كان “لوبون” يعتقد غير ذلك، فالتاريخ يسير حسب درجة الوعي العام للشعوب، وليس على أساس الثورات الاحتجاجات، فكل الثورات التي ظهرت في العالم منذ القديم خلفت وراءها ديكتاتوريين، ربما يكون استبدادهم أشد من الذين أزالوهم من السلطة، وترى معظم النخب العربية أن الحكام العرب الذين وصلوا إلى الحكم على ظهر الدبابة بعد تحرير الأوطان العربي من الاستعمار الأوربي الحديث، كونوا أنظمة أصبحت خطرا ماحقا على الشعوب العربية ووحدة الأوطان!

هل هي حقيقة كذلك؟ في الحقيقة قبل الحكم على هذه الأنظمة العربية القائمةيجب علينا استحضار التاريخ فحسب المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا، ما من مشكلة سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية قائمة إلا ولها جذور تاريخية، فإذا اعتمدنا هذه المنهجية نجد أن النظام السياسي الذي حكم العرب منذ ما يقارب ألف سنة مرورا بعصور الانحطاط للدولة السلجوقية، والمملوكية والعثمانية والاستعمار الأوروبي ومرحلة ما بعد الكولونيالية، جعل الشعوب العربية طوال كل هذه المدة بلا حقوق وبلاسيادة، وإنما جعلها تساق كما يساق القطيعبل وكان الحكام يتلذذون بفرعونيتهم وظلمهم لرعيتهم ففي نظرهم كلما زاد الظلم والتجويع والترهيب زاد احترام الشعوب لهم ..لذلك لحد الان تجد معظم المسؤولين يستقبلون رعيتهم بنوع من العنجهية والتكبر مع التهديد في معظم الأحيان بالسجن أو الطرد من العمل لا يهابون في ذلك لا الله ولا القضاء الذي بيدهم وفي خدمتهم فزواج القضاء بالسلطة التنفيذية هو زواج كاثوليكي لا طلاق في قاموسهم ونواميسهم.

ولكن ثمار “الربيع العربي” المنتظرة لم تزهر كما توقعت الشعوب.

في 2019، عنون الكاتب الأميركي “نوا فيلدمان” كتابا حول الموضوع “الشتاء العربي”، وهو مصطلح ظهر هنا وهناك مع عسكرة الثورات وصعود التطرف الديني واندلاع الحروب والنزاعات.على غلاف الكتاب الخلفي، كتب الأكاديمي البارز “مايكل إغناتيف” أن المؤلف يسلط الضوء على “أحد أهم الأحداث في عصرنا: الفشل المأسوي للربيع العربي”. فباستثناء تونس، لم تملأ أي إصلاحات ديموقراطية الفراغ الذي خلّفه سقوط الأنظمة، وعلا صوت العنفولم تسفر “الثورات” عن ديمقراطيات جديدة ناجحة وفقا للمعايير المتعارف عليها، إنما يمكن القول، نجحت في تونس إلى حد ما، بينما التف عليها “انقلاب” شبه عسكري في مصر، وانزلقت كل من ليبيا واليمن وسوريا إلى دائرة النزاع الداخلي المسلح الذي لا يخلو من حروب “الإنابة” عن أطراف إقليمية ودولية في الدول الثلاث …

يبدو أن الجدل القائم اليوم حول ما يسمى بثورات الربيع العربي لم يعد يتعلق بالسؤال عما إذا فشلت هذه الثورات – فقد بات من السخف والسذاجة السياسية كما يرى الكثيرون أن نشكك بفشل الربيع العربي – بل أصبح الجدل اليوم حول ماهية هذا الفشل وأسبابه وأبعاده. وقد يكون هذا التوجه عقلانيًا ومنطقيًا إذا ما نظرنا إلى التغيرات المأساوية التي عصفت بالشرق الأوسط والتي أدت إلى انحدار المنطقة إلى «حالة من الهستيريا» والفوضى عقب اندلاع ثورات الربيع العربي. فقد تحولت مسارات الربيع العربي إلى حروب أهلية أو اقتتال طائفي أو تطرف إسلامي غير مسبوق أو إعادة لدكتاتوريات أكثر استبدادًا وأشد فتكًا. كما أن هذه الثورات قد ساهمت إلى حد كبير في نشوء موجة من الكوارث الصحية والنكبات الإنسانية التي لم تشهدها المنطقة منذ زمن. في الواقع حالة الفوضى العارمة هذه قد دفعت الكثير من المراقبين العرب، والمحللين إلى اليأس والإحباط…

يبدو أن الربيع العربي بالفعل لم يحقق أي منفعة حقيقية على المستوى المادي والسياسي، بل ساهم في إعادة ترسيخ البؤس في منطقة كان يسودها البؤس أصلا. فقد أصبحت مشاهد القتل والتعذيب والتشريد والذبح والدمار هي جل ما يتصدر المشهد العربي اليوم. ولم يبق لدى العربي اليوم ما لم ينتهك ويدنس – الدين والوطن والهوية والكرامة والأرض والمقدسات، كل شيء قد تم تدنيسه – ولا يكاد يمر يوم إلا ويستفيق فيه العربي على واقع أشد مرارة وبؤسًا من ذي قبل سواء على الصعيد السياسي (الأزمة الخليجية على سبيل المثال) أو الثقافي (الفتاوى التي تبيح القتل والكراهية) أو الإنساني (تفشي الكوليرا في اليمن) أو الاقتصادي (البطالة في مصر) …إلخ

وفي الجزائر، ماذا تحقق من يوم خلع بوتفليقة إلى يومنا هذا؟

هل حقا تحقق حلم الدولة الجديدة بعد خلع بوتفليقة كما تغنى الكثير من بني جلدتنا،أم أنّ الأمر لا يتعدى كونه شعارا استعمل لضرورة فرضتها الحتمية السياسية على رجالات الحكم لتجاوز الصدمة الحراكية؟

في الجهة الأخرى من الوطن العربي، حققت ديكتاتوريات المنطقة نجاحات على أكثر من مستوى، حيث تمكنت قوى الثورة المضادة من السيطرة على الوضع بصورة كبيرة، وأطاحت بالربيع أو على الأقل استطاعت تجميده لسنوات طويلة، نجحت خلالها في ترسيخ أقدامها مرة أخرى.

ولعل المشهد المصري هو الحالة الأكثر حضورًا في هذه النقطة، فبينما كان المصريون يئنون من ديكتاتورية “مبارك” وفساد حكمه ما دفعهم للثورة والإطاحة به، إذ “بالسيسي” ونظامه يدفع بقطاع كبير من المصريين إلى الترحم على العهد البائد نظرًا لما عانوه ولا يزالوا من هذا النظام الذي أطاح بأول تجربة حكم مدنية ديمقراطية في تاريخ المحروسة.

والأكثر تضررًا خلال السنوات العشرة الماضية منذ انطلاق أول جولة لثورات الربيع العربي هي الشعوب العربية الحالمة بمستقبل أفضل، الساعية للتخلص من الأنظمة التي أفسدت الحياة عليها، تلك الملايين الهادرة التي خرجت للميادين والشوارع العامة والطرق الرئيسية ترفع شعارات الحرية والكرامة والديمقراطية. هذه الجماهير التي أملت نفسها بتغيير حقيقي بدت إرهاصاته مع هروب ديكتاتور تونس وتنحي فرعون مصر، والانتصارات التي حققتها الإرادة الثورية في العديد من البلدان الأخرى، بل وصل الأمر إلى انبهار العالم بهذه التجربة الفريدة من نوعها خاصة الحراك الجزائري الفريد من نوعه في تاريخنا المعاصر، الذي أبهر العالم كله بمطالبه المشروعة وبسلميته وتشبث الشعب بوطنه ووحدته.

لكن مع مرور الوقت ازداد المشهد قتامة وأصبحت 22%من الدولالعربية فاشلة، وتساقطت فيها رايات الثورة تحت نعال الثورة المضادة، وبدلًا من حمل الثوار على أعناق المجد والخلود إذ بهم يحملون في نعوش إلى مثواهم الأخير بأيدي البطش الغاشمة التي لم تتوان الأنظمة الديكتاتورية في استخدامها بروح الانتقام ضد الثورة ورموزها، هذا بخلاف عشرات الآلاف ممن زج بهم في السجون والمعتقلات دون محاكمات، في وقائع سيقف التاريخ أمامها طويلًا.

أضيف بأننا نحن الشعوب العربية المهمشة نعيش عصر المتاهات الكبرى وفقدان الأمل والبلبلات المدوخة للعقول. في مثل هذا الجو يختلط الحابل بالنابل والجاهل بالمثقف وتنعدم البوصلة ويضيع الناس في جغرافيا جعلها حكامنا كيوم الوعد. الجميع يخبطون خبطة عشواء في الاتجاهات كافة دون أي أفق أو منفذ أو خلاص. لا أحد يعرف أين يتجه ولا كيف ولا أحد يسمع للآخر، وحاميهاحراميها. أكاد أقول لم يعد أحد يثق بأحد ولا بأي شيء ولا بأية أيديولوجية ولا بفتاوى علماء السلاطين ولا بخطب الجمعة… كل الحلول جربت وفشلت… وبالتالي، فالمسألة ليست مزحة على الإطلاق، القضية أكبر مما نتصور بكثير، ومن المسؤول عن تشخيص الوضع المضطرب وإيجاد الحلول؟ ليس رجال السياسة ولا الجنرالات ولا علماء الدين المتزمتين المنغلقين على فقه العصور الوسطى على عكس ما نتوهم، وإنما رجال الثقافة أو قل النخبة المثقفة، كل الأمم التي عاشت مثل هذه الظروف المدلهمة أنقذت من قبل فلاسفة كبار لا من قبل سياسيين، دور السياسي يأتي لاحقاً لكن قبل ذلك ينبغي تمهيد الطريق وفتح الأفق المسدود.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى