page contents
أقلام الوطن

الفقر داخل الوطن غربة.. والغنى في الغربة وطن

الشــباب الجزائري.. معــاناة التهميش والاغــــــتراب داخل الوطن

أكتب عن الشباب الجزائري.تؤلمني كثيرا رنة اليأس في أحاديثهم وشعورهم أن أبواب المستقبل موصده في وجوههم. وأكتب عنهم لأنني وجدتهم يحلمون بإلقاء أنفسهم في “قوارب الموت” للتعلق بشبر من التراب الأوروبي.

اكتب عن شباب وطني، لأنهم الطاقة الهائلة التي تحتشد في مجتمعنا. طاقة لا بد من إشراكها في ورشة التنمية والتقدم والاستقرار والازدهار كي لا ترتد إلى اليأس والفشل فتدمر الحاضر وتلحقه بالماضي. ولا يمكن إغراء هؤلاء الشباب إلا بإعادة إطلاق النهضة الحقيقية وحلم اللحاق بالعالم للمشاركة في ورشة التقدم المفتوحة بوتائر غير مسبوقة. تبدأ النهضة بجسور الثقة بين الحكومة وشباب الجزائر وببرنامج طموح يعد بتعليم عصري وفرص عمل واستثمار ومجتمع رحب يتسع لممارسة المواطن إنسانيته بعيداً عن قوالب الخوف والتقوقع والاتهامات الجاهزة. وتخوين كل من يطالب بحقه السياسي والاقتصادي والاجتماعي في هذا الوطن .

وطن بحجم قارة ضاق على شبابه وحتى شيوخه

من حق شبابنا أن يسألوا عن الجزائر الجديدة وما إذا كانت في وضع أفضل مما كانت عليه قبل الغاء العهدة الخامسة. من حقه أن يسأل إن كانت حكومته عملت على تحقيق الخطط التي وعدت بها وعن الطريقة التي تعاملت بها مع الوقت والمال العام ومصالح المواطنين والاستعداد للمستقبل.أم أن هذه الأسئلة تدخل ضمن التخوين والمتابعات القضائية؟

لقد انقضى ذلك الزمن الذي كان محظوراً فيه على المواطن العادي أن يسأل. انتهى عصر الصمت المطبق واعتبار كل سؤال تهمة تستحق العقاب. وانتهى أيضاً عصر الأرقام المفبركة في لجان الحزب ومطابخ المخابراتوالرئاسة ووسائل الاعلام المأجورة. هذا عالم آخر يا حكومتنا ويا نظامنا لم تعد الرواية الرسمية قادرة على إدارته بمعزل عن الحقائق والأرقام. إننا في عالم آخر تحكمه قواعد أخرى. انتهى عهد الأسرار والمحظورات وتغطية الفساد والمفسدين بذريعة المصلحة الوطنية العليا.

يعرف نظامنا أن مواطناً جديداً قد ولد. مواطن شاب متطلع ومتطلب. مواطن يريد ما يريده أي شاب آخر من سكان “القرية الكونية”. شاب يتدفق العالمكله إلى هاتفه حاملاً الأخبار والتعليقات والصور وآخر أنباء الدفاع عن الكرامة الإنسانية والإنجازات التي حققتها الدول. ولأنه يعرف، يريد أن يعرف أكثر. يطالب بالشفافية والأرقام ويمتحن الوسائل والأهداف. شباب لا يستقي الحقائق من النوافذ القديمة ومن القنوات التليفزيونية الخاصة والعامة التي احترفت الكذب وتلفيق الاباطيل والشياتة للنظام بالمجان خوفا من المتابعات القضائية بتهم ملفقة واغباها تهمة محاولة زعزعة الامن الوطني واضعاف معنويات الجيش، سبحان الله، بل من هذا العالم السريع والمكشوف والمتوتر.

شباب صار يملك عبر “تويتر”و” فايس بوك “وغيرهما من الوسائط الاجتماعية، وهي تعطيه فرصة فورية للتشجيع أو الاحتجاج. أما تهم تحركهم ايادي اجنبية فأصبح لا يؤمن بها حتى قائلها فهي اغنية أصبحت منبوذة ومملة، استعملها النظام خلال ثورتنا التحريرية لتصفية خصومه، ثم اعجبته هذه الاكذوبة وراح يطبقها بعد الاستقلال لإبعاد المعارضين للفساد وسوء التسيير، مجرد ان يتهم الفرد ب ” غير وطني ” تقفل مباشرة جميع الأبواب في وجهه ويترك للفقر والظلم، وكم من أحرار الجزائر ظلموا ولفقت لهم هذه التهم الباطلة.

لا مبرر للخوف من جيل الشباب، لأنه لا يشبهنا نحن الشيوخ ولا يشبه رجال النظام والسلطة والشياتين. ليس شرطاً على الإطلاق أن يحب الموسيقى التي نحب ويرتدي السراويل الممزقة، أو أن يقرأ الكتّاب الذين أضاءوا طريقنا، أو أن يرجع إلى القواميس التي كنا نحتكم إليها. لكل زمان قواميسه وكتّابه ومشاعله. لكل زمان استحقاقاته وأفكاره وأساليبه.

في سنوات ستينات القرن الماضي كانت سنغافورة بلدا فقيرا وكان شبابها يركبون قوارب الموت للوصول الى اليابان وهونج كونغ وغيرهما بحثا عن لقمة الخبز وتحسين أوضاع عائلاتهم، نجحت سنغافورة بقيادة رئيس الوزراء” لي كوان يو” في تحقيق قفزات نوعية ومذهلة جعلتها نموذجاً في بناء التقدم على قاعدة الإفادة من الطاقات الشبانية والتخطيط والتعليم العصري ومكافحة الفساد. واستطاعت الصين إخراج مئات ملايين المواطنين من الفقر، والتقدم إلى موقع الاقتصاد الثاني في العالم منافسة في ذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الامريكية. وقصة النجاح هذه بدأت حين أدرك «دينغ هسياو بينغ “أنه لا بد من فتح النافذة، وأن وصفات “الربان العظيم” ماو تسي تونغ لم تعد صالحة للحاق بالعصر. وما كانت الصين لتحقق هذه القفزة المذهلة لو اكتفت بترديد شعار «الإمبريالية نمر من ورق» أو «الموت لأميركا». أدركت أن المفتاح هو التقدم العلمي والتكنولوجي وتحسين شروط حياة مواطنيها، وسلكت هذه الطريقونجحت.

لا يزال النظام الجزائري أسير الأفكار الهرمة ” البايخة “. نظام هرم عاجز محنط ضد كل ما هو جديد، يخاف من كل من يكشف له عيوبه وكأنه منزه عن الخطأ،لم يعد يتقن إدارة موارد الوطن، فشل يتبعه فشل، او كما اسميه الازمات المستدامة، يؤلمني كثيرا أنين شبابنا وتذمرهم من واقعهم،ويؤلمني اكثر تلك الأكاذيب التي تنشرها نشرة الثامنة “

هذا الانين اسمعه من شباب الجزائر على مستوى الوطن. ولكن ما باليد حيلة، حتى اولئك الشباب الذين وجدوا عملا او وظيفة، فأن الاجر الذي يتقاضونه لا يحميهم من برد الشتاء وحر الصيف، لا يسمن ولا يغني من جوع،( لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ)،رواتب من أضعف الرواتب في الوطن العربي في وطن وهبه الله كل الثروات  ،تصوروا مهندسا ، ان وجد وظيفة ، يبدأ براتب لا يتجاوز 3500 دج أي ما يعادل 170 أورو.وأستاذ في التعليم الابتدائي ب 3000 دج أي ما يقابل 150 أورو ، هذه الرواتب التي تمنح لشبابنا اكرمكم الله لا تكفي حتى مصاريف كلب في الضفة الأخرى .ومعذرة على هذه المقارنة المؤلمة .

إن أبشع أنواع البطالة هي البطالة المقنعة وأكثرها حدة في الدولة المتخلفة ذات الأنظمة الاستبدادية الفاسدة الناهبة للمال العام، وتعرف بأنها مقدار قوة العمل التي لا تعمل بشكل فعلي في النشاط المنتج، ويمكن أن نرى ضمن إطار البطالة المقنعة ثلاث نماذج مختلفة وهي :
1- شباب دخلوا مجالات عملهم غير راغبين بها من اجل انقاذ اجسادهم من الزوال، بل مجبرون وذلك بسبب ضيق مساحة الاختيار أمامهم ،

2- شباب أجبروا على القيام بأعمال ليست من اختصاصهم لعدم وجود حاجة لاختصاصاتهم التي تكونوا عليها في الجامعات والمعاهد

3-  شباب دخلوا ميدان أعمال تتوافق مع اختصاصاتهم ، لكنهم لا يقومون بأعمالهم على أكمل وجه والسبب هو الاجر الضعيف ، وهو أخطر الأنواع وأكثرها انتشاراً في القطاعات الإنتاجية العامة في الجزائر كلها.

فإذا كانت البطالة المقنعة هي السبب الرئيسي في تدني الإنتاجية، فهي أيضاً تستنزف قسماً كبيراً من الموارد المالية دون أن تنتج حيث تحول العمل ليس كمقابل للأجر المقبوض لكنها وسيلة سهلة له، مما يساعد بشكل خطير على تراكم الموظفين العاملين والمقنعين لدى الدوائر العامة والحكومية.

عادت بكثرة في الآونة الأخيرة في المجتمع الجزائري ظاهرة الهجرة السرية أو ما يعرف عنها بظاهرة (الحراقـة، هذه الظاهرة التي استطاعت إشعار كل مؤسسات الدولة وأصبحت مشكلة حية وحساسة.هي مشكلة حساسة لكونها تمس جميع شرائح المجتمع بحيث أصبحت الظاهرة لا تمس فئة الشباب وخاصة الذكور، بل تعدت إلى فئة الإناث والأطفال القصر وحتىالشيوخ وأصبح مصطلح (الحرقة) متداولا حتى في الأغاني الشعبية للتعبير عن الظاهرة.

في بداية الحراك الشعبي في 22 فيفري 2019 لم يعد شبابنا يفكرون في مغادرة البلاد، توقفت بشكل كامل رحلات الهجرة السرية، ولم تسجل السلطات أية محاولات للهجرة عبر البحر نحو السواحل الأوروبية من قبل الشباب لفترة طويلة، وهم الذين شاركوا في الحراك ولاح أمل لديهم لإحداث تغيير سياسي في البلاد ينعكس على الواقع الاجتماعي والاقتصادي. لكن بعد عام ونصف العام، عادت الظاهرة بقوة بسبب تبخّر أحلام الشباب وتقلّص آفاق التغيير وعودة الإحباط واليأس السياسي والاجتماعي، إضافة إلى عدم تحسن ظروفهم المعيشية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وغياب حلول سياسية

ووصلت قيمة الهجرة غير الشرعية للشخص الواحد إلى 80 مليون سنتيم عبر قوارب جديدة تسمى القوارب السريعة حيث تقطع المسافة بين الغرب الجزائري وجنوب اسبانيا في 3 ساعات فقط.

هل أصبحت الجزائر بهذا السوء ليهجرها شبابها؟

هل نعالج النتائج ونتغاضى عن معالجة الأسباب؟

يرى الكثير من الشباب الجزائري خصوصاً حملة الشهادات الجامعية ،أن الدولة يسيطر عليها زمرة من الفاسدين على المستوى المركزي وشبكات واسعة من المنتفعين أصحاب المصالح الخاصة والوصوليين على المستوى المحلي والذين يتيحون فرص التوظيف وانشاء المشاريع الاقتصادية الى مقربيهم وذويهم وكل من سار في نهجهم؛ ونتيجة هذا الفساد على مختلف المستويات وبمختلف الأشكال وفي شتى المجالات نمت برجوازية طفيلية تتميز بالاستهلاك المفرط الذي يؤدي في الأخير الى بروز الغيض الشبابي تجاه هؤلاء الذين يُحسبون على السلطة السياسية وأجهزتها على المستوى المركزي والمحلي؛ وبالنسبة للشباب يرون أن هناك تحالفاً بين السلطة السياسية والبرجوازيات الطفيلية التي سيطرت على موارد الدولة (العقارات والأموال) والمناصب الوظيفية دون تأهيل حيث شكلت جداراً اسمنتياً لا يمكن تجاوزه أو زعزعته، ، ومن هنا يأتي التفكير في الهجرة كحل أخير للتخلص من الفضاء الضيق الذي تتحكم فيه البرجوازية الطفيلية الحديثة التي تتميز بالتباهي والتعالي والتي تشكل دافعاً أساسياً للإحباط الشبابي الذي سُدّت كل الأبواب أمامه ولم يجد الا الهجرة بطريقته الخاصة. والشيء الذي يتصوره هؤلاء الشباب أن هذه البورجوازية الطفيلية لها علاقة مباشرة بالجنرالات الذين يشتركون معهم بواسطة أبنائهم واصهارهم في نهب المال العام والتهرب الضريبي وهم فوق المحاسبة والمتابعة.

إذن فالسياسات الاقتصادية غير الناجعة تعتبر كذلك من بين أهم الأسباب السياسية التي حولت الجزائر الى أرض طاردة لشبابها بدل احتوائه ودمجه في عالم الشغل.

فلتكن الجزائر الجديدة، جزائر الاستماع إلى الشباب. ومن دون الاستماع إليهم سنبقى أسرى التخلف والجمود والحروب البائسة والطموحات المفخخة ومصانع الأرامل والأيتام. ليس ضرورياً نسخ التجارب، فلكل بلد خصوصياته. معركة الالتحاق بالعصر والتقدم هي وحدها “أم المعاركّ والامتناع عن خوضها يعني الإصرار على السفر إلى الماضي والانتقال من هاوية إلى أخرى.

يأس الشباب الجزائري ليس قدراً. والانتظار ليس أفضل مستشار. واللعب على الوقت لم يعد نافعا.

بقلم الدكتور عزالدين معزة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى