page contents
أقلام الوطن

القبائل.. خرافة تقرير المصير !

أتابعُ بمزيد من الاهتمام الهجمة الإعلامية التي تقودها بعض الأبواق ضد الجزائر، البعض منها شهرت سلاحها من أوروبا، وأخرى اتخذت قاعدة لها في مكان ما من أفريقيا الشمالية المحاذية للمحيط الأطلسي، لم تتأخر في الإعداد لـ”كانون الجمر” على شاكلة ما حدث في المشرق العربي، يبدو أنها وجدت ضالتها الكبرى، فهي تحلم بتفجير الوضع في المغرب العربي كما فجّرته في المشرق .

بمجرد أن وصلت “العروس” الجديدة إلى المنطقة قادمةً من تل أبيب، والاستقبال الأسطوري الذي خُصّت به في مطار أمير المؤمنين، ازدادت دقات الطّبل وتعالت أصوات المغنيين وكثر عدد المعجبين وسالت دموع الفرح في مشهد ميكيافيلي بائس، ثم تطوّر الفيلم الدرامي ليتحوّل إلى ضرب كبير وخطير، تحت الحزام وفوقه، وهذا بكل ردّة وشوفينية، وصل الأمر للتجسس على آلاف المواطنين الجزائريين عبر تكنولوجيا قادمة من تل أبيب !

ظلّ المغرب الشقيق يتكلم لغة غير واضحة منذ بداية الستينات، فقد سارع للاعتداء على جارته الجزائر بمجرد أن خرجت فرنسا الاستعمارية من الجزائر، والحجّة استعادة الأراضي المغربية المحتلة أو ما بات يُعرف في أدبيات بعض السكارى بأراضي الصحراء الشرقية، وهو مصطلح تحرص على رفعه بعض الأبواق الفاسدة التي تسبحُ في المياه القذرة في ظل صمت القصر الملكي.

كانت لكلمة الرئيس بن بلّة الشهيرة “حڤرونا” وقعها الكبير في الشرق والغرب، سارع ناصر وكاسترو وموديبو كيتا وهيلا سيلاسي لاحتواء الأزمة، انتهت المغامرة المغربية بالفشل والهزيمة، اكتشف العالم حينها قَصرَ النظر لدى ساكن العرش الملكي بعد أن وقَع في الخطيئة الكبرى، لقد تاب بعدها وعاد إلى رشده أو هكذا اعتقد الرأي العام العالمي ! أثناء أزمة الصحراء الغربية، استقبل الحسن الثاني في قصره بفاس مبعوث الرئيس الجزائري بومدين، اختتم الملك المغربي حديثه مع الدكتور أحمد طالب بالقول: «اليوم ينبغي أن نخرج من المأزق، أنا أحنّ إلى سنوات التعاون العشر مع الجزائر، والإنسان لا يحنّ إلى لما أحبّه، وعندما ألتقي بالسي بومدين سنرى الحل الذي يمكن تصوره».

فجأة، مرض الرئيس بومدين ثم توفي بعد أشهر قليلة. بوفاة بومدين ومجيء الشاذلي إلى الحكم، شهدت العلاقات مداً وجزراً، توّجت بمشروع بناء المغرب العربي الكبير أو الاتحاد المغاربي. لم يطل الحلم، ابتعد الشاذلي عن الحكم ثم توفي الحسن الثاني. عقب ذلك، ظهر جيل من السياسيين عجز عن استشراف المستقبل، راح البعض يتنكر للثوابت الوطنية والقومية، بينما تاه آخرون في طرق ملتوية بحثاً عن حلّ لأزماتهم النفسية، ففي الوقت الذي سارع فيه المغرب لفرش البساط الأحمر للسفير الصهيوني، راح آخرون ممن أكلوا من صحن الثورة يبصقون فيه غير مبالين بطريق الخيانة الذي سلكوه، بات الوعي والنّصر يُصنعان في مواخير الملوك والأمراء ! بعد سنوات طويلة قضاها في قصر زيغود يوسف كرئيس للمجلس الشعبي الوطني ثم في حيّ حيدرة كأمين عام لحزب جبهة التحرير الوطني، كتب من باريس عمار سعيداني الهارب من العدالة الجزائرية: «أن الصحراء مغربية من الناحية التاريخية» وأنها «اُقتطعت من المغرب في مؤتمر برلين»، مضيفا «رأيي أن الجزائر التي تدفع أموالاً كثيرة للمنظمة التي تسمى البوليساريو منذ أكثر من 50 سنة، دفعت ثمنا غاليا جداً دون أن تقوم المنظمة بشيء أو تخرج من عنق الزجاجة».

وأورد أيضا أن «العلاقة بين المغرب والجزائر أكبر من البوليساريو»، ودعا لـ«إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين». تصريح الرئيس السابق للبرلمان الجزائري والرجل الثالث للدولة، قرأه الكثير من المتابعين أنها رسالة غزل واضحة نحو السلطان المغربي بهدف حمايته من المتابعة القضائية التي أعلنتها وزارة العدل الجزائرية، إذ أكّدت هذه الأخيرة على ضرورة احترام الاتفاقيات الدولية بشأن استرداد الأموال التي جناها أصحابها عن طريق الفساد.

صحيفة Le Soir d’Algérie أكدت أن رئيس الغرفة البرلمانية الثانية السابق مصنف رسميا كـ”هارب”، كونه يتابع منذ 2018 وجرى استدعاؤه مرتين للاستماع إليه في قضية اختلاس، لكنه لم يستجب. في الوقت الذي تطالب فيه الكثير من الأصوات الاحتكام لصوت العقل، والاستجابة لقرارات الهيئات الدولية، راح آخرون يصبون الزيت على النار بهدف بلقنة المنطقة من جديد وتدمير ما بُني من قبل وإعادة العجلة للوراء، لم تتأخر أصواتٌ من المغرب، تُدرج في خانة أشباه السياسيين والمثقفين، على المطالبة بتحرير الصحراء الشرقية، كما راحت تنفخ في ورقة تقرير المصير الخاصة بمنطقة القبائل جرياً وراء سراب آخر، واستجابة لأجندة طُبخت في تل أبيب بعد وصول السفير الصهيوني إلى الرباط وسط ترحيب سياسي من قبل الإسلاميين المتواجدين في قصر الحكومة واليساريين والليبراليين على السواء، لم تتأخر الحكومة المغربية في استقبال أحد المغنيين الذي صار يتعاطى السياسة بأثر رجعي.

المهم بالنسبة لفرحات مهني أن تشير إليه وسائل الإعلام الغربية في نشراتها، لم تتردد هذه الأخيرة في فتح أبوابها له، وهي تدرك أنه ينفخ في جلد مثقوب، بات يعيش على المساعدات الاجتماعية التي تكفلها باريس لكل لاجئ إليها.

المخزن المغربي عبر سفيره في الأمم المتحدة راح يدافع بشراسة عن “منطقة القبائل التي تتعرض لاستعمار بغيض دام قروناً من الزمن” عبر ورقته التي قدّمها منذ أسبوعين. الورقة المغربية المقدمة فسرها الكثيرون أنها محاولة من المخزن لإلهاء الشعب المغربي عما يجري في داخل المملكة من انتكاسات سياسية واقتصادية، تحولت الجارة حسب الكثير من المتابعين إلى سوق للمخدرات والموبقات وتبيض للأموال، وما خُفي أعظم، محاولة المخزن ذكّرت الرأي العام بذلك الأعرابي الذي بال في المسجد وسط ذهول الجميع. بعد سنوات طويلة، وأثناء إقامته في باريس وجنيف كأمين عام للأفافاس، كتب حسين آيت أحمد مذكراته “روح الاستقلال مذكرات مكافح”، استعاد فيها نضاله منذ أن كان شابًا في حزب الشعب ثم حزب الانتصار للحريات والديمقراطية ثم رئيساً للمنظمة الخاصة في أواخر الأربعينات ثم كلمته المدوية في مؤتمر باندونغ عام 1955 مع صديقه محمد يزيد كممثلين لجبهة التحرير الوطني، ثم رحلته إلى السجون الفرنسية عقب اختطاف الطائرة التي تقله مع أحمد بن بلة ومحمد بوضياف ومحمد خيضر بعد أن طارت من الرباط متوجهة إلى تونس، أُنزلت في الجزائر العاصمة تحت الحراسة المشددة للمظليين الفرنسيين، ثم تمرده في منطقة القبائل ضد نظام رفيقه بن بلّة وذكرياته في سجن الحراش والأسئلة التي طُرحت عليه وحكم الإعدام الذي طاله دون أن يُنفّذ، استعاد تلك التصريحات التي أدلى بها في جبال جرجرة بعين الحمام إلى الصحافة الدولية خلال ندوته الصحفية، انتقد فيها نظام بن بلّة ودعا إلى مقاطعة الانتخابات التي قرّرت السلطة تنظيمها آنذاك.

في مذكراته، أكّد أنّ كل ما قاله في تلك الندوة كان صحيحاً وأنه لم يلفظ كلمة واحدة جانبت الحقيقة. في مقابلة صحافية مع “لوموند” الفرنسية، كشف أنّ كلّ ما تنسجه بعض الأبواق من شائعات حول الانفصال والأزمة البربرية هو ببساطة غير صحيح لأن الجزائر وطن واحد يسع كل الجزائريين وكل ما يطالب به الجزائريون من الشرق إلى الغرب هو إقامة نظام ديمقراطي حقيقي بعيداً عن الرّشاش والتدخل الأجنبي.

عقب أحداث الثمانينات والربيع الأمازيغي، كبر حلم بعض الشباب، صار يبحث عن موقع قدم في السياسة، تعرضت جبهة القوى الاشتراكية لانفجار كبير، راحت بعض الأجهزة الاستعمارية القديمة تنسّق مع معارضين جزائريين بغية إثارة القلاقل في الجزائر ووضع العصا في عجلة سلطة بن جديد. في شقته المارسيلية العالية جلس سعيد سعدي أحد تلاميذ الأفافاس، انشق عن آيت أحمد باحثاً عن مغرم آخر، راح يشرب النسكافيه ويأكل الكرواسون الفرنسي المشبّع بالسكر والزبدة، متفرّجاً على الميناء القديم للمدينة أين تتحرك مختلف السّفن تحت سماء زرقاء موشحة ببياض الغيوم.

لم يكن يرى كل هذه الألوان. في تلك الليلة البعيدة من عام 1980، بينما كان سعيد سعدي يقود مظاهرات ما بات يُعرف بالربيع الأمازيغي ضد نظام الشاذلي بن جديد رافعاً لافتة كبرى تدعو للاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، كانت وجهته الحقيقية بعد أحداث أكتوبر، التطلع للمشاركة في الحكم، وجد في الجنرال نزار ورفيقه المخ ورئيسي الحكومة السابقين سيد أحمد غزالي ورضا مالك حلفاء رئيسيين، أرسى تحالفاً استراتيجياً مع بعض القادة الآخرين الذين يفضلون الجلوس وراء الستار بعيدين عن الأنظار، استفاد من مناصب وزارية وبرلمانية كثيرة وشقق كبيرة في أحياء راقية داخل الوطن وخارجه.

قبل هذه الإنجازات، تذكّر سجن تازولت بأعماق الأوراس الذي استقبله في عهد الشاذلي، والشهور المظلمة التي قضاها هناك، فرك عينيه حتى سالت الدموع على خديه. الدموع كانت سوداء، جمعها في حفنة، وأسقطها من باطن كفّه ورآها تهوي في الفضاء. مال بجسمه على النافذة الصغيرة التي تسمح له بالتنفس ورؤية أشعة الشمس، رأى جنوداً وحراساً أمام مدرعات وسيارات سوداء. في لحظة ضعف بشري، وربما في لحظة صفاء مع نفسه، تذكّر أنّه في الأخير سيبحث عن هدفه الشخصي، مثله مثل الآخرين الذين استفادوا من مناصبهم الثورية، فآيت أحمد هُرّب إلى الخارج بتواطؤ من السلطة، وخيضر هرب بأموال الحزب، وسي مبروك واصل عمله كقائد محترف في بيع السّلاح جرّاء علاقاته المتميزة مع دول ومنظمات ثورية. كريم بلقاسم صارح رفيقه أحمد طالب أنه يستطيع الجمع بين الثورة والثروة.

وقف سي أحمد طالب ذات يوم من أيام الاستقلال في موقف الحافلات منتظرا الحافلة كبقية المواطنين، لم يكن للطبيب الجزائري سيارة، كان متوجهاً إلى عمله في مستشفى مصطفى باشا. توقف القيادي في الثورة وأحد السّتة المفجرين لها بسيارته طالباً من رفيقه الركوب إلى جانبه، أخذه في سيارته، وقبل أن يفترقا، لم يتردد قائد الوفد الجزائري في إيفيان ليقول لرفيقه: أليس من الأحسن للمرء أن يجمع بين الإثنين: الثورة والثروة.

تفاجأ الدكتور طالب من مكاشفة رفيقه، علّق قائلاً، أما أنا فقد اخترت مهنة الطّب، وهي مهنة لا ترضى بأي ضرّة.

ما قاله كريم بلقاسم وجد آذاناً صاغية لدى آخرين، فالثورة أكّدت عبر ممارساتها الميكيافيلية أنها مطية نحو الثروة، بلعيد عبريكا قرأ هذه الدردشة التي جرت بين كريم وطالب، قرأها أيضا بتأمل سعيد سعدي، لما لا يستفيد هو أيضاً من هذه الفرصة التي أعلنتها السلطة، كلّ أملاك الدولة الشاغرة ستُباع بالدينار الرمزي، فجأة تذكّر أن الضابط الذي حاوره أمس قد دعاه مباشرة للتعاون معه حين استقبله في مكتبه، الورود في المزهرية على الطاولة كانت سوداء، وورقة الاعترافات بيضاء مغطاة بحروف سوداء تشبه الحشرات، والسقف أبيض والحيطان بيضاء.

بعد التصوير عن بعد أُخرج إلى شرفة فرأى السماء بيضاء، رأى جبال الأوراس سوداء، لونها الأخضر قد زال واندثر تحت ضربات قنابل النابالم التي قذفتها طائرات الحلف الأطلسي بحثاً عن رفاق بن بولعيد، للأسف ما زالت الحرائق تلتهم مئات الهكتارات لحد اللحظة بعدما قرر البورجوازيون الصغار معاقبة الشعب وحرق الوطن.

رأى ضواحي خنشلة وباتنة وأريس وأفق النمامشة، كانت كلها تخبره بأنها متخلفة مقارنة بمنطقته القبائل الكبرى، تساءل حينها كثيراً عن جدوى الحُكم ما دام الفقر ينخر أعماق المجتمع، لم يطل تفكيره الطبيعي، فجأة عاد للعرض الذي قدّمه له الضابط الوسيم الذي يحسن الحديث باللغتين العربية والفرنسية وربما لغة ثالثة زيادة عن أمازيغيته القحة.

كان الضابط يحدّث ضيفه بلطف وبلغة راقية، لم يجد سعدي بدًا من مجاراة محدّثه بنفس اللغة، اعترف في سرّه أن النظام ليس سيئاً بالدرجة التي يتصورها، وأنّ الاشتراكية التي يمقتها قد أعطته الفرصة ليدرس ويتعلم في المدرسة والجامعة، وأنّ النظرية الليبرالية القادمة من الغرب ليست منقذاً للشعب من البؤس الذي عانى منه خلال الاستعمار، كان السجن فرصة له ولرفاقه الآخرين لمراجعة أفكارهم “الثقافية والتقدمية”، استقر تفكير رفيقه فرحات مهني على ضرورة الانتقال من الغناء إلى السياسة والاستنجاد بالأجنبي والمطالبة بتقرير المصير لمنطقة لا يقاسمه سكانها تطلعاته ونزواته، بينما فضّل سعدي التعاون والأكل من الصحن الذي يلعنه في النهار ويأكل منه في الليل.

ما زال مهني يعيش في أحلامه وأوهامه، مع خرافة تقرير المصير، جاءه المدد هذه المرة من المخزن المغربي بعد أن عبّد له الطريقَ الكنيست الصهيوني، متناسياً أن العقيد محند أولحاج قائد الولاية التاريخية الثالثة قد أوقف تمرده العسكري في منطقة القبائل بمجرّد أن سمع صيحة بن بلّة الشهيرة “حقرونا”، انضم بعدها بكل إرادة لصف الثوار والمجاهدين دفاعاً عن الجزائر، فهل حفظ بعض الأغبياء الدرس ؟

د. عمر صافي/ فرنسا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى