page contents
أقلام الوطن

الكَلمةُ والصُّورةُ..!

بقلم الدّكتور السّعيد بوطاجين

بدأت الهجرات ما بين السّرد والصورة مع ظهور السِينما كفنّ اتكأ على السّرد لامتصاص بعض مكوّناته، كما يتجلى في عدة أفلام، من حيث الموضوعات والتقنيات، كما استفاد السرد من السينما وحِيّلها التعبيرية والتركيبية، ومن خدعها البصرية، بصرف النظر عن مستويات الاستقبال. لكنّ هذا التبادل لم يمر دون صدامات، أو دون مراجعات بسبب محطات خلافية.

التأريخ لنشأة العلاقة المتذبذبة ما بين الكلمة والصورة يعود إلى الثلاثينيات مع بداية السينما الناطقة التي اعتُبرت تمردا على النص والمسرح والفيلم الصامت، رغم أنه وظف بعض ما كان من السردي، ومن ذلك الاستعانة بمشاهد ونصوص دخيلة لا علاقة لها بصفاء الصورة، أو باستثمار تقنية الترسل المتعارف عليها في الكلمة كركيزة درامية (بلاكمايل لألفريد هتشكورك 1929)، أو ما سماه “كريستوف وول رومانا”: صناعة سينما الهامش، محاولة منه منح ما هو سردي مظهرا سينمائيا.

اعتبر بعض المعارضين لهذه العلاقة التي انتقلت بالصورة الصافية إلى الصورة الملوثة خرقا للفن السينمائي بالعودة إلى موقفه الذي وضع فاصلا ما بينه وبين الفنون الأخرى، ومنها الكتابة المسرحية. لقد اعتبروا هذه النقلة مؤشرا لموت السينما بالقفز على الأعراف والسنن، قبل أن يعيدوا النظر في مواقفهم، ومن هؤلاء الذي رفضوا المجاورات: “أنتونين أرتو”، “أندري دولون” و”تشارلي شابلين”.

يقول المخرج “فرنسوا بانيو”ل في “سينما باريس” (1967) إنه لقيّ معارضة شديدة من المسرحيين الذين اعتبروه متمردا. لقد عدّ السينمائيون الصورة الناطقة تقنية إضافية لا تشكل امتدادا للمسرح كفنّ مستقل، بينما اعتبر المسرحيون أنّ انتقاله من الكلمة إلى الصورة بمثابة انحراف، وشكلا من أشكال إدماج المسرح في عالم له ضوابطه، ومن ثمّ ظهور خليط فنّي لا شخصية له.

كما رفض “أندري جيد”، صاحب جائزة نوبل، التماسات الجديدة بين الكتابة والصورة. لقد أدان كلّ تقاطع ما بين الفنون. مشيرا، بشكل غير مباشر، إلى نقاش المخرجين والكتّاب والمسرحيين والسينمائيين والمنتجين، ومنتصرا إلى الاستقلالية التي تجعل لكل فنّ عالمه، مع ضرورة وضع فاصل ما بين الأنواع من أجل تفادي تداخل الأجناس: “أعتبر شيئا مشئوما أيّ تعدّ لأيّ فنّ على فنّ آخر، لكلّ فنّ أدواته الخاصة، بلاغته الخاصة، طرق تعبيره الخاصة به (…). لقد تخلصت في كلّ رواياتي تقريبا من كلّ المناظر والشخصيات التي بدت لي من عالم الرسم”.

ويقول “جان بريفوست”، دفاعا عن هوية السينما: إنها، “باستعمال وسائلها الجديدة وإجراءاتها المستحدثة التي لم تكن ملكا لأحد، تجعل المخرج مستقلا بفنه وواعيا به”، وهي الفكرة التي تداولها بعض السينمائيين والروائيين الذين دافعوا عن الفنّ الخالص، مع استحالة تحيين ذلك لعدة اعتبارات. لقد ظل تاريخ السينما متكئا على الأدب، وأغلب أفلام هوليوود تأثرت بكتابات “مارغريت ميتشل” و”جون شتاينبك” و”تينيسي وليامس”، وغيرهم من الكتّاب والمسرحيين.

كانت مسألة إقامة فاصل ما بين السرد والسينما، وبين السينما والمسرح، وبينهما وبين باقي الفنون، مسألة مثالية ذات صلة برفض كلّ ما من شأنه الإسهام في جعل الأشكال هجينة. غير أنّ الكلمة والصورة عمقتا الجدل الذي أسهم فيه روائيون ومسرحيون وكتّاب سيناريو ومخرجون ومقتبسون، إضافة إلى وساطة المنتجين والناشرين كطرف في النقاش الذي دار حول: الكلمة والصورة، التقاطعات، الاختلافات، التقنيات، الاقتباس، الأمانة، الخيانة، التأثيرات، التبادلات، الهجرات، الأسبقية، الجنريك، الملصقات، إلى آخره.

وإذا كان الجدل قد أسس على خلفيات متفاوتة من حيث طبيعة الزاد الثقافي، وعلى رؤى موضوعية أحيانا، وذاتية أحيانا، فإنّه قدّم مقاربات مؤثثة معرفيا وجماليا، بصرف النظر عمّا وسمها من تناقضات، كما ساعد في الكشف عن أهمّ خصوصيات الكلمة والصورة، وعن الممكن والمستحيل في هذه العلاقة المتذبذبة.

لقد استفادت السينما من الرواية والقصة والمسرحية والقصيدة بشكل واضح، ومن ذلك ما تعلق بالمروي، وبمختلف المكونات السردية التي انتقلت إلى الشاشة بطريقة آلية، أو بتحويلات أصبحت موضوعا خلافيا بالنظر إلى ما كان يطرأ على النص من تعديلات.

ومما استفادت منه السينما: الشخصيات، الحكايات، القصائد، الثقافة، الحوار، المدارس الأدبية. في حين، امتصت الآداب من السينما: التوازي، التركيب، الاقتصاد، التقطيع، التدرجات، وغيرها من التقنيات التي ابتكرتها الشاشة في وقت متأخر.

لكنّ، عنصر الاقتباس ظلّ من النقاط الصدامية التي أثارت نزاعات بين الأطراف المعنية بالتبادل. كما شهد رفضا من بعض الكتّاب الذين رأوا أنّ المخرجين يعتدون على نصوصهم، إمّا عن جهل أو عن قراءة قاصرة، أو بسبب التأويل الخاطئ، أو بتصرّف مغال يمنح الكتابة وجها مختلفا عن حقيقتها.

حدث ذلك مثلا بتسبيق الإخراج على السرديات، وحلول المخرج أو كاتب السيناريو محلّ الكاتب، وظهور كتابة مصوّرة لا تقيم علاقة بالنص المكتوب كقاعدة، لا من حيث البناء ولا من حيث الموضوع والخيارات اللغوية والرؤيوية، ما يسهم في تجاوز غير مبرر للكتابة التي بنت على وعي مخصوص، وعلى تخطيط وجماليات شحذتها التجربة.

دفع هذا الموقف ببعض المخرجين إلى البحث عن حلّ توفيقي، كالصيغ الثلاث المعروفة في التعامل مع النصوص أثناء اقتباسها: مقتبس عن “س”، أو مقتبس بحرية عن “س”، أو فكرة “س”. وإذا كان هذا الشكل تأكيدا على التقاطع ما بين الكلمة والصورة، فإنه لم يوفق في الحفاظ على شخصية الأولى، بل أسهم أحيانا في تقويضها، ما يستدعي لقاءات بين المخرج والكاتب قبل أيّ تحويل يمس بجوهر النص، أو معرفة النص كحتمية.

اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. الاستاذ الدكتور سعيد بوطاجين،متعدد المهارات؛ما رايت مقالاته القيمة،المفيدة،الهادفة، في كل صحيفة،الا وهو وجهها الذي يزينها بما ينشره من مقالات مميزّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى