page contents
الحدثملفات

اللّعبُ بالمَحظورِ..!

احتفالات «يْنَايِر» تكشف تجّار السياسة وغُلاة الدّين

أخبار الوطن – تؤكد الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية ارتباط الجزائريين بهويتهم وبأرضهم، لكن هذه المرة تعرضت إلى محاولة تسفيه من قبل حراس معبد التاريخ، الذين استنجدوا بشيخ أفتى بتحريم هذه الاحتفالات في سابقة هي الأولى من نوعها؛ الأمر الذي أثار حفيظة العائلات الجزائرية التي صدمت بهذا الاستفزاز، وهي التي تعودت على الالتفاف حول مائدة الطعام وتقاسم ما لذّ وطاب في أجواء يعمها التسامح والمحبة، لاسيما وأن الاحتفالات ب”يْنَايِر” تجمع بين الجزائريين ولا تفرقهم أبدا.

ملف: أسماء بوصبيع

شيشناق”.. يُشعل مواقع التواصل الاجتماعي!

عاد الجدل مع احتفالات الرأس السنة الأمازيغية “يْنَايِر” بين من يقول إنها خرافة وإنها من صنع مختبر أجنبي، وبين متمسك بها رافضا الخوض في متاهات أزمة الهوية، وبحسب المتتبعين، فإن هذه المناسبات يتم توظيفها سياسيا لتأخذ بذلك أبعادا خطيرة، من طرف “جهات” عمدت إلى ترويج “التطرف” مستغلة بذلك الثغرات التي شغلت هذه المناسبة في ظل شح المعطيات والأبحاث التاريخية لتحاول بكل أوتَت لها من قوة لإخراجها عن السياقات التاريخية والحضارية، وكان هدفهم العبث بالهوية الوطنية والموروث الثقافي، لذلك كان لزاما التعامل معها بأكثر جدية وعلمية،  بحسب دكاترة ومتخصصين في ظل تنامي خطاب الكراهية.

وعليه، أثار تمثال الملك الأمازيغي “شيشناق” الذي يمتد بطول 4.4 (متر)، وتم تنصيبه في مدخل مدينة تيزي وزو، بمناسبة بداية السنة الأمازيغية الجديدة 2971،  جدلا وسط الجزائريين، لاسيما على منصات التواصل الاجتماعي، إذ نالت فكرة تدشين التمثال في إطار إحياء ذكرى “يْنَايِر” استحسانا لدى بعض الجزائريين، الذين دافعوا بشدة على رمزية الاحتفالية، مستنكرين  سلخ وتقزيم تاريخ الأمازيغ والهوية الأمازيغية التي تمتد إلى آلاف السنين”.، بينما أثار ذلك انتقادا لاذعا لدى فئة أخرى، إذ أكدوا أن هذه الشخصية التاريخية لا تعنيهم ولا تمثلهم وهي غريبة عن “الجزائر”، وأن مكانه في مصر الفرعونية وليس في مدينة تيزي وزو”، معتبرين التمثال مجرد صنم لا يجوز وضعه في بلاد مسلمة.

المتخصص في علم الاجتماع يحي شريف:

 هناك أطراف استغلت «يْنَايِر» لترويج التطرف!

  • ينبغي الحذرُ من الحملات المسعورة التي تدعو إلى زرع الفتن

أكد يحي شريف المتخصص في علم الاجتماع أن هناك  أطرافا استغلت مناسبة الاحتفال برأس السنة الأمازيغية لترويج التطرف، وزرع الفتن بين الأفراد، مشيرا إلى أنه ينبغي الحذر من هذه التيارات التي تريد من خلال حملاتها المسعورة زعزعة الاستقرار وتفكيك الأسر وتمزيق النسيج الاجتماعي، ما قد يشكل تهديدا لنماء وتطور البلاد.

وأوضح الباحث يحي شريف خلال اتصال هاتفي ربطه بـ “أخبار الوطن” أن التطرف من أخطر الأمراض التي تفتك بالمجتمعات، وتقتل روح التسامح بين الأفراد، باعتباره آفة فكرية اجتماعية وأخلاقية تشير إلى الخروج عن القيم والأفكار والسلوكيات الإيجابية والعادات المتعارف عليها، وقد يصل الدفاع عنها إلى حد اللجوء إلى العنف مثلما هو معروف، بغرض فرض المبادئ التي يؤمن بها الفكر المتطرف، لذلك يتوجب الحذر من زرع هذه الأفكار في عقول الأفراد والمجتمعات.

رئيس النقابة المستقلة للأئمة، جلول حجيمي:

لا يوجد في الشريعة ما يحرّم مثل هذه المناسبات!

ككل مناسبة تتعالى الأصوات بفتاوى تحريم الاحتفال بالأعياد الوطنية أو الدينية أو المناسباتية على الجزائريين، ومن بين ما صنع الحدث في الأيام الأخيرة فتوى تحريم الاحتفال برأس السنة الأمازيغية.

وعليه، يؤكد رئيس النقابة المستقلة للأئمة، جلول حجيمي، بخصوص الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، على أن هذا الاحتفال حلال وأنه لا يخالف تعاليم ديننا، وذلك بالنظر إلى أبعاده التاريخية والاجتماعية والتربوية، شريطة أن لا يعارض التوحيد والدين، وأن يكون من باب العادة لا العبادة كالتبرك بالأضرحة، فهذا أمر غير جائز – على حد قوله.

وأوضح حجيمي، خلال اتصال هاتفي ربطه بـ “أخبار الوطن” أن الاحتفال بهذه المناسبات يعزز مشاعر الانتماء إلى الوطن، ويحافظ على الموروث الشعبي الذي يؤرخ للعادات والتقاليد المتوارثة، بالنظر إلى القيم الأخلاقية والمظاهر التضامنية التي يخلقها الاحتفال برأس السنة الأمازيغية كالذبائح والمأكولات التي توزع على الفقراء، وهو ما يكسبه رمزية دينية إلى جانب توريث هذا التقليد والمحافظة عليه، أمر يعزز الروح الوطنية.

وأضاف رئيس النقابة المستقلة أن «يْنَايِر» واحد من تلك الأعياد خاصة بعد ترسيمه عيدا وطنيا من قبل رئيس الجمهورية واعتباره يوم عطلة مدفوعة الأجر، وهو مرتبط بالذاكرة التاريخية من جهة، على اعتبار الانتصار التاريخي الذي حققه الملك الأمازيغي شيشناق قبل 2969 عاما على الملك الفرعوني رمسيس الثاني، ليختم الإمام قوله بـ : ” لا يوجد دليل في الشريعة يحرم مثل هذه المناسبات” .

الباحث في علم الاجتماع، قرين مولود:

 ما حصل نقاش عقيم لا طائل منه!

وفي الشق التاريخي، اعتبر قرين مولود الباحث في علم التاريخ الجدل القائم الذي يتكرر كل سنة حول نسب الشخصية التاريخية “شيشنق” نقاشا عقيما لا طائل منه، متسائلا عن علاقة هذه الشخصية بالرأس السنة «يْنَايِر» في شمال إفريقيا، إذ قال في هذا الصدد ” استغرب كيف أقحم قسرا الفرعون المصري في احتفالات رأس السنة الأمازيغية الجزائرية التي ترتبط بيوم 12 جانفي من كل عام، كون هذه الاحتفالات لها علاقة بتيمن الشمال الإفريقي بالخصوبة والعام والوفير”.

واعترف الباحث في علم التاريخ، خلال اتصال هاتفي أجرته معه “أخبار الوطن” بفقر الأبحاث التاريخية والمعطيات بخصوص هذه الرموز التاريخية، التي تتطلب اجتهادا أكثر للبحث عن الحقائق.

ويشير الباحث إلى أن ششنق هو فرعون مصري مؤسس الأسرة 22 حكم نحو 950 سنة قبل الميلاد، وذلك بعد أن تزوج ابنة أحد الفراعنة كما تذكر المصادر التاريخية، والتي تؤكد كذلك أن اعتلاءه العرش الفرعوني كان بطريقة سلمية بدليل تمجيده لأعمال الفراعنة الذين سبقوه خاصة فراعنة الأسرة 21.

الباحث والدّكتور في علم الاجتماع، حسن خلاص:       

الحقائق التاريخية ضاعت بين السياسة والدين!

من جهة أخرى، أكد حسن خلاص الباحث والدكتور في علم الاجتماع،  بخصوص الجدل الحاصل في مسألة الاحتفال برأس السنة «يْنَايِر»، أنه مرتبط بحركية التاريخ التراكمية، إذ إن الموروث سواء كان أسطوريا أو دينيا أو تاريخيا يخضع للتحوير على مر الأزمنة، ومع تطور الاتصال قفزت التحويرات إلى ساحة الجدل العام بعد أن أصبح الجميع يرغب في تملك جزء من الحقيقة قبل أن يحولها إلى حقيقته المطلقة، فيجادل بذلك حقائق أخرى يعتبرها أصحابها مطلقة أيضا.

وأوضح الدكتور أحسن خلاص خلال حديثه مع “أخبار الوطن” أنه في ظل هذا الخضم والجدل الحاصل في هذه الموروثات، يضيع البحث والتقصي الموضوعي والدقيق، فيغرق الجميع في تجنيد الحجج المفتعلة لتأييد موقف مسبق أملته توجهات سياسية ودينية – على حد قوله.

ويضيف محدّث “أخبار الوطن” “توجد قوى فكرية استفزت العمق الأنتربولوجي للمجتمع، وكان هدفها محاربة التنوع باعتباره عامل قوى الشعوب، وعليه يمكن القول إن الفرق بين الشعوب هو في المناعة الفكرية التي تأتي من المعرفة والاطلاع (..) نحن شعب لا يقرأ ولا يبحث لكنه يجادل بغير علم”.

ويواصل حديثه بالقول: “تابعت النقاشات حول رأس سنة شمال إفريقيا وفرحت لذلك بقدر ما حزنت؛ فرحت لأن هناك صحوة وتساؤلات وإحياء للأصول والجذور، وحزنت لأن النقاش أخذ صبغة مرضية ولم يكن صحيا ومنهجيا، لذا ضاعت الحقيقة بين الخطاب السياسي والخطاب الديني والخطاب المحارب للتنوع والاختلاف”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى