page contents
أقلام الوطن

اللّعنةُ عَليكُم… مَرّة أخرَى

بقلم الدكتور السعيد بوطاجين

لم أندهش من تصريح الوزير الأول الأسبق أحمد أويحيى، الذي قال إنه باع سبائك الذهب في السوق السّوداء. أصبحت ملقحا، ومع أني لا أثق في كلامه كـ “سوبرمان” يحاول تبرير ثرائه هربا من الأحكام القضائية باتباع مبدأ رُبَّ عذر أقبح من ذنب، فقد بدا لي الأمر أقلّ فداحة من اكتشافات لاحقة، إنّ توفرت السياقات. 35 مليارا ليست قيمة معتبرة، مقارنة بالأرقام الفلكية التي تمّ تحويلها إلى البنوك الأجنبية خلال عقدين وأزيد.

لقد اعترف هذا المنقذ بأنّ زوجته لا تملك سوى 300 مليار عبارة عن هبات مجهولة المصدر، وهذا مبلغ زهيد أيضا. لو أنّ كلّ السُرّاق صرحوا بممتلكاتهم في باريس لحررناها من قبضة فرنسا. لا يجب أن ننسى بأن أغلب الدايات السابقين مقيمون هناك في أفخم الأحياء والشقق!

إن اعترافه في المحكمة، كرجل دولة، بأنه كان يتلقى، رفقة مسؤولين آخرين سبائك من أربعة أمراء خليجيين ويبيعها في السرية، مقابل السماح لهم بصيد الغزلان والحبار في الجنوب كملكية خاصة، وتحت حراسة أمنية مشددة تضمنها الدولة بمال الشعب، يورّط عدة شركاء ومتحكمين في السوق السوداء ووزارات سيادية متواطئة مع المافيا السياسية و”رجال الأعمال” الذين بعثهم النظام من عدم، كما يورط رئاسة الجمهورية التي ظلت تحكم بلدا فاقد السيادة بمنطق الأوليغارشية والعشيرة، وبعقلية العائلة الكبيرة، بتعبير الوزير السابق، المرحوم شريف بلقاسم، ما أدى إلى تدهور البلد الثري، في الوقت الذي ارتقت فيه أمم فقيرة وأصبحت قوة وازنة دوليا.

المسألة لا تتعلق بالرشوة والتزوير فحسب، أو بتدمير الاقتصاد الوطني والمتاجرة غير الشرعية بالأملاك العمومية، بل بانهيار الدولة في ظل تبوأ كائنات ظلت تقوم بما يقوم به رعاة البقر في الأفلام الأمريكية، دون تدخل الأجهزة القضائية والهيئات المعنية بمحاربة الفساد.علما بأن وزارة المالية سنّت قوانين تمنع الحصول على العملة الصعبة إلا بمسوّغات، وقد تمّ تطبيق ذلك على الكتّاب والباحثين الذين يتقاضون بضعة دولارات نظير أتعابهم، كما يحصل مع منحة السياحة التي تقدر بمائة يورو سنويا، أي أقلّ بثلاثين مرة من منحة المواطن في الدول المجاورة. لقد احتكر القادة الكبار الذكاء والدينار والعملة الصعبة والوطنية واتهموا الرعية بتبذير 100 ألف مليار دولار.

حصل ذلك بمباركة النخب المنسحبة، أو المستفيدة من مراكز القرار،وبتزكية المؤسسات الإعلامية التابعة للجماعات الضاغطة بعد أن تخصصت في تلميع صورتها بالتستر على الخراب. هؤلاء صعاليك أيضا، ليس الصعلكة كموقف فكري واجتماعي وفني وطبقي، بل بالمفهوم الدارج.الإعلام المضلل، كما الأحزاب الموالية للأعراق والأوثان، جزء من المأساة التي قوّضت البلد بسوء الائتمان. لقد كذبت الصحافة خوفا وطمعا، كما قدمت لهم خدمات جليلة، وما زالت تفعل ذلك بأريحية بحثا عن السحت لتقوية مواقعها وأرصدتها البنكية. من حسن الحظ أنّ هناك أصواتا في الفايسبوك وفي بعض الجرائد، وهي أكثر جرأة على فضح الحقائق، ولو بمنشورات ساخرة وكاريكاتيرات تعرّي السلاطين المتحكمين في دواليب الدولة.

لم يقم صاحب المهام القذرة سوى بما وجب القيام به كعنصر من النظام الاثني، ولم يتجاوز حدوده ليكون شاذا عن القاعدة. كان نموذجا مثاليا لأنه عكس الصورة الفعلية لمنظومة التسيير في الوطن المختطف، للمسؤول ورجل الدولة في “دولة القانون”، كما يسوّق لذلك التلفزيون والأعيان وسكان محمية نادي الصنوبر الذين يطلقون على الشعب تسمية الصراصير لأنهم ظلوا يصنفونه في خانة الرعاع.قال كارل ماركس: “تكمن مهمة الطاغية في جعلك فقيرا، وتكمن مهمة كاهن الطاغية في جعلك فاقدا للوعي”. لقد لعب المسؤول دور الطاغية الظريف، وقام المثقفون الأعراب والإعلاميون ورجال الدين والنواب بدور الكهنة، إلى أن وصلنا إلى المسغبة، وشوّهت سمعة البلد.

ما حدث ليس مجرد سرقة، بل قلة تربية، وعلّة ترهن مستقبل الوطن اقتصاديا ومؤسساتيا وأخلاقيا. الجزائر هي الرجل المريض، الصفة التي كانت تطلق على الدولة العثمانية المتصدعة. يقول علم النفس إنّ الابن يعتبر الوالد مرجعا، كما يرى التلميذ المعلم نموذجا، و يعتبر المواطن النظام أداة قياس،ولذلك يحذو حذوه. ما يفسر نزوعه نحو الفساد والكذب واختلاس ما أمكن اختلاسه متأثرا بحكومته “الفاضلة”. لم يخطئ الشاعر سبط بن التعاويذي عندما قال: “إذا كان ربّ البيت بالدفّ ضاربا، فشيمة أهل البيت كلّهم الرقص”، وما قاله أبو الشيص، كما ورد في التمثيل والمحاضرة للثعالبي: ” إذا كان الغراب دليل قوم، سيهديهم إلى دار الخراب”، و”يمرّ بهم على جيف الكلاب”.

تتمثل المعضلة التي ستواجه الدولة الجزائرية في كيفية استرجاع ثقة الشعب اليائس من أولياء الأمر والمؤسسات الدستورية، ومن كلّ المجالس المنتخبة التي اشترت مقاعد تمثيلية اقتداء بحكومتها الراشية المرتشية، كما عكست ذلك أقوال الوزراء والولاة ومسؤولي الأحزاب والمتورطين في دكّ البلد وتمريغه في الوحل.

لقد أسهمت أغلب الحكومات المستنسخة في تدمير المُثٌل والمرجعيات وزعزعة القيم والدين والمجتمع والمنظومة التربوية، مدعية أنها ضرورية للمرحلة، وربانية. المافيا، بنزعتها الدموية، أكثر صفاء وأدبا، وأعمق رؤية من كلّ الذين أضعفوا الأمة بالكذب والتجويع والإهانات والنظرة الدونية. المؤكد أنّ المسؤولين النزهاء سيذهبون ضحية أولئكّ الذين قدموا صورة قذرة عن السلطات المتعاقبة، أو كما يقول المثل: “ضاع المسلم بسبب المجرم”، ومن الصعب جدا رأب الصدع الكبير بين الحكام والأمة الجريحة، هذا هو رهان الجزائر الجديدة، إن لم تكن مجرد وهم آخر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى