page contents
أقلام الوطن

المبادرة الإصلاحية الجزائرية خلال الفترة (1987 – 1991)

الجزء الثامن

لم يكن ظاهرا دور الجيش في الحياة السياسية إلا من خلال حضور ضباطه في اجتماعات أجهزة الحزب (اللجنة المركزية) أو بجانب الرئيس في هذه المناسبة أو تلك. ويمكن القول أن هذا من ميراث البومدينية، حيث كان رئيس الدولة هو قائد الجيش ويملك كامل السلطة عليه. فلا يبدو أن هذا الوضع المؤسساتي في أعلى هرم منظومة الحكم قد تغير خلال الثمانينات. كان يمكن ملاحظة دور الرئيس دائما، بحيث يعطي الانطباع أنه هو ربان السفينة. ولكن، خلف المشهد كان الرئيس قد تنازل بشكل طوعي لأصحاب الشأن في كل مؤسسة من مؤسسات الدولة وأعطى حرية العمل والتصرف. للوزير الأول عبد الحميد مهري صلاحية إعادة هيكلة الاقتصاد، وللشريف مساعدية صلاحية تسيير الحزب والمنظمات الجماهيرية، وللعربي بلخير صلاحية إعادة تنظيم الجيش وحتى مؤسسة الرئاسة. وقد تجلى دور هذا الأخير في إبعاد العقيد مصطفى بلوصيف وفي إعادة هيكلة جهاز الأمن العسكري (la sécurité militaire).

كان مسار التغيير والإصلاحات بعد أكتوبر 1988 يعطي كثيرا من الأمل والطموح، تبلورا ضغطا كبيرا من أجل المضي بشكل سريع في عملية التحول الديمقراطي والانفتاح وتعزيز الحريات ومحاربة الفساد وفسح مجال أوسع أمام مشاركة المواطنين في تسيير وتوجيه كل ما يخص الشأن العام. إن سنة 1989 هي سنة الاطمئنان والتفاؤل.

كانت علاقة الطبقة السياسية بالجيش من ميراث فترة الحزب الواحد، أي مجرد حضور شكلي. لم تتم مناقشة حيثيات ودوافع حوادث أكتوبر 1988 ، ولم يذهب التحقيق بعيدا في التجاوزات الحاصلة سواء من حيث الضحايا أو ممارسات التعذيب. بشكل ما أُقلبت الصفحة، لأجل التركيز على نصر السياسة وجعل الديمقراطية الوسيلة ومصدر كل سلطة وقرار.

كان موقف الرئيس المنحاز إلى الإصلاحات قد دعم تقدم السياسيين بل يمكن الحكم بأنه سعى إلى التخلص من قبضة العسكريين مثلما تخلص من المحافظين داخل حزب جبهة التحرير الوطني ، حين أجرى تعديلات جراحية في بنية الدولة والدور المحوري للجيش. في البداية حين انسحاب ضباطه من اللجنة المركزية للحزب في شهر مارس 1989، تطبيقا للإصلاحات الدستورية كما وردت في المادة 24 من دستور 1989. نورد ما كتبه أحميدة العياشي :” في حوار سجلته مع أبوبكر بلقايد في العام، 1993 قال لي ”لقد تمكن مولود حمروش من إحراز ثقة الشاذلي بن جديد الذي كان معجبا بذكائه وقدرته الفائقة في العمل” وقد تمكن حمروش من إحداث أول صدع بينه وبين الجنرال العربي بلخير، عندما نبهه أن بلخير تمكن من خلق شبكة كبيرة من الموالين له، سواء داخل مؤسسة الرئاسة أو داخل مؤسسة الجيش، أو داخل المجتمع المدني، وهو بهذا العمل السري والحثيث يسعى إلى جعل الرئيس رهينة له، ولمجموعته القريبة، وعناصرها أغلبهم من الضباط الذين عرفوا ترقيات كبيرة في عهد الشاذلي بن جديد···” ومثل هذا التنبيه ”جعل الشاذلي بن جديد يشعر بعدم الاطمئنان للجنرال العربي بلخير الذي أصبح نفوذه يتصاعد ويتزايد باستمرار”[1].

سنة 1990 كانت سنة القيام بإجراءين جد حاسمين على مسار التحول الديمقراطي، الأول يتمثل في تعيين اللواء خالد نزار وزيرا للدفاع في جويلية 1990، والثاني في سبتمبر 1990 لما تم تجميع أجهزة الاستعلامات في دائرة الاستعلام والأمن DRS، عين على رأسها الجنرال محمد مدين(المدعو توفيق). وزير الدفاع في تصريح له مباشرة بعد تعيينه أكد أن الجيش “يمتنع عن أي كل تدخل في عمل السلطات العمومية، مثلما يحدد القانون ذلك”[2]. ويشرح اللواء خالد نزار مواقف الجيش في مذكراته أنه لم يكن يوجد رفض أو رد لأوامر رئيس الحكومة على الرغم مما تمثله سياسته من خطر، حيث “واصلنا العمل في احترام كامل للمؤسسات”. لكن وفي المقابل كان هناك اتفاق بين العسكريين على عدم موافقتهم على ما يقوم به.

وبالتالي، كان هناك تخوف لدى قادة الجيش من عمل الإصلاحيين. فقد فهموا أنه يراد إبعادهم عن التدخل في “السياسة”. ويقدر خالد نزار هذه الوضعية جيدا، إذ يخاطب زميله العربي بلخير:” حمروش هذا يريد أن يأكل رؤوسنا جميعا وإن بقينا مكتوفي الأيدي، فلا بد أنه سيهدي الحكم لهؤلاء المجانين، ” ثم أضاف وكأنه يتمتم بينه وبين نفسه ”لابد من أن نتحرك، ونقطع الطريق أمام هذا المغامر الذي سيودي بنا جميعا”[3]. بما يؤكد أن جرى ضبط عقارب ساعة الإصلاحات، على متغير “خطر الإسلاميين”.

كان الرد من رئيس الحكومة بزيادة سرعة الإصلاحات وتعزيز ترسانة القوانين ومكانته لدى المجتمع المدني (مثقفون، صحفيون، ضباط سابقين، شخصيات سياسية مرموقة…). فبدا له أن انغلاق دائرة فرض تصوره وخططه تكاد تكتمل، ومن ثم فتح المجال كي يكون خليفة الشاذلي بن جديد بلا منازع. لم يكن هذا التوجه ليخفى عن قادة الجيش الكبار، والنتيجة من يستبق في توجيه الضربة القاصمة.نقرأ عن شكوى رئيس الحكومة في تصريح لمحمد بتشين: ” لحظة الانتشاء تصور مولود حمروش أنه قادر على إبعاد الفاعلين العسكريين من دائرة الحكم بالاتكاء على الشاذلي بن جديد، وقد اشتكى في أحد اجتماعات مجلس الوزراء من العسكريين الذين يقومون بعرقلة حكومته، وأراد من هذه الشكوى أمام رئيس الجمهورية أن يحصد رؤوسهم، وكانت تلك خطاياه الكبرى بالنسبة للنواة الصلبة للحكم”[4]. تجلى هذا الإقدام مثلا في “سحب رجال المخابرات من المؤسسات والوزارات”[5].

طبعا لم يكن من صلاحيات وزير الدفاع التدخل في عمل الحكومة أو تغييرها إلا عبر الرئيس الذي موقفه كان مساندا وداعما لها. فمن أين تمر يد التدخل والتغيير؟.

كانت بداية تدخل الجيش والإعراب عن موقفه عبر مجلة “الجيش”، وعبر توظيف ورقة خطر الإسلاميين على الديمقراطية ليتحول إلى تخويف وتهويل من خطر “الفيس” عبر الصحافة. كان فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ الساحق في الانتخابات المحلية، هو المبرر لمنع انتصار على طريقة “بيروس”. ودائما ما تم استغلال تصريحات وتصرفات قادتها للتضخيم هذا الخطر على منوال ما جرى في إيران.

خلال نهاية سنة 1990 وفي ظل الحراك الكبير والسريع الذي أضفته حكومة مولود حمروش على البلاد، كان كل شيء يوحي بأن السياسة قد فرضت نفسها كوسيلة لتسيير النزعات وعدم اللجوء إلا إلى سلطة القانون. وكان يمكن أن وثيقة تم إعدادها داخل الجيش تبقى كجزء عادي من عمل المؤسسة الأمنية، لولا أن الأحداث الخطيرة والدور الحاسم الذي صار يلعبه الجيش. إنها في نظرنا تمثل ورقة طريق حقيقية، خطة مدروسة، هدفها منع القوى المتطرفة المعادية للديمقراطية التي قد تلجأ إلى الإخلال بالنظام العام أو حتى العصيان المدني، وبالتالي على الجيش أن يستعد. قام بإعدادها كل من الجنرالين محمد تواتي وعبد المجيد تاغيت بناء على توصية من وزير الدفاع الوطني. عنوانها: “مذكرة حول أوضاع البلاد ووجهة نظر الجيش الوطني الشعبي”. يذكر اللواء خالد نزار أنه قام بتسليم هذه الوثيقة إلى عبد الحميد مهري الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، وإلى مولود حمروش رئيس الحكومة، جاء ردهما برفضها. ولذلك حاول أن يكسب دعم الرئيس الشاذلي بن جديد الذي رفضها بدوره.

لقد تناولنا مضمون هذه الوثيقة في عمل آخر. إنه بوسعنا القول أن ما حدث لاحقا، يتوافق مع إستراتيجية مواجهة سيناريو فشل السياسة ولجوء أطراف متشددة من الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى العنف، تحت عنوان الجهاد كسبيل وحيد لمواجهة نظام الحكم وإقامة الدولة الإسلامية. لقد شكل هذا المسلك محكا ومعطفا حاسما للأحزاب السياسية الأخرى ليس فقط ممن اعتبرت ديمقراطية أو وطنية بل وحتى الإسلامية.

الدكتور / عبد السلام فيلالي

[1] – أحميدة عياشي ، الحياة السرية للجنرال العربي بلخير { الحلقة الثانية }

[2]Anouar Koutchoukali, Algérie – La démocratie confisquée – Historique sommaire de la répression d’octobre 1988 et du putsch militaire de janvier 1992. https://blogs.mediapart.fr/anouar-koutchoukali/blog/160213/algerie-la-democratie-confisquee-historique-sommaire-de-la-repression-doctobre-1988-et-du-p

[3] – أحميدة عياشي ، الحياة السرية للجنرال العربي بلخير { الحلقة الثالثة }.

[4] – أحميدة عياشي ، الحياة السرية للجنرال العربي بلخير { الحلقة الخامسة }.

[5] – حاورته آسيا شلابي ، مدير المخابرات الأسبق الجنرال المتقاعد محمد بتشين في حوار لـ”الشروق”: لا نزار ولا توفيق يقدران عليّ.. وحمروش بريء من دم “الفيس”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى