page contents
أقلام الوطن

المبادرة الإصلاحية الجزائرية خلال الفترة (1987-1991)

الجزء 9

وجدت حكومة الإصلاحيين نفسها أمام تحدي مستجد بعد جوان 1990. بروز هذا الفريق وإستراتيجية العمل ارتبط بالانتهاء من الاشتراكية والمحافظين داخل الحزب الواحد. كانت حوادث أكتوبر 1988 هي وسيلة تحقيق ذلك. بدا أن الطريق صار معبدا بعد وضع دستور فيفري 1989، فاستلم رئاسة الحكومة وهو في ديناميكية تغيير وإبعاد الخصوم. حوصر حزب جبهة التحرير الوطني، وتم إبعاد آخر المحافظين. خاطب مولود حمروش الرئيس الرئيس الشاذلي بن جديد قائلا :” أنتم تدركون سيدي الرئيس أن حزب جبهة التحرير أصبح مكروها وممقوتا من طرف المواطنين··· لقد أصبحت جبهة التحرير رمزا للفساد والتعفن، وأن باروناته لا يشعرون تجاهكم بأي شعور طيب، هم يريدون التخلص منكم.. لذا فالفرصة أصبحت مناسبة للتخلص شيئا فشيئا من حزب جبهة التحرير وباروناته الذين لم يكفوا عن المناورة ضد سياسة الإصلاحات والانفتاح التي تبنيتموها بعد الأحداث الأليمة··· وقال أيضا: ”لقد آن الأوان للذهاب بعيدا في التغييرات” وآن الأوان لأحداث تشبيب داخل السلطة، وما يحدث الآن لحزب جبهة التحرير يساعدنا على تحقيق ما وعدت به”[1].

وكما عرضنا سابقا، سريعا تم تغيير هذه المنهجية، بعد نتائج الانتخابات البلدية. حيث أضحى الحزب وسيلة للمواجهة، سواء لتمرير القوانين داخل البرلمان أو خوض مواجهة محتدمة ضد منتخبي وقيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ. أُحكم الخناق المالي وقامت الإدارة بالتضييق على عملهم، من أجل كشف عجزهم في التسيير وعدم الاستجابة لتطلعات المواطنين.

سنظل نكتب ونكتب عن أسباب التعثر، عن من سمح لحزب ديني بالنشاط السياسي رغم منع القانون، عن غياب الدولة وترك الأمور تسير بدون حسيب ولا رقيب. عن هذه المرحلة الحاسمة في تاريخ بلادنا بما حملته من مآسٍ وتعثر وتضييع فرص التنمية وبناء دولة تستوفي شروط عصرها.

قال مولود حمروش في شهر جويلية 1990 ، يرد على المتخوفين والمنتقدين لنشاط الإسلامية:” سيتكيف الفيس مع الديمقراطية.يجب مساعدة هذا التيار[…] لكي يبقى ضمن أفق الديمقراطية، عن طريق الحوار، مواجهة الأفكار في الميدان”[2]. ولكن وقائع المواجهة والتمزق الذي حصل في النسيج الاجتماعي وهدد وجود الدولة الوطنية ذاتها، كان يدفع إلى مراجعة عمل الحكومة ومؤسسات الدولة كلها ويكيِّفها مع خطاب عدم الاعتراف والرغبة في التخلص منها، وذلك مع تزايد ضغوطات ودعاوى قيام الدولة الإسلامية. كانت التفاؤل بالنصر كبيرا لدى الإنقاذية خاصة مع نجاح عملية كشف موارد القوة لديها، مع المسيرات والتجمعات الجماهيرية الضخمة. السيناريو الإيراني كان قابلا للنجاح في الجزائر. ولهذا كانت الإنقاذية تستحث إجراء انتخابات رئاسية، وكان شعار “مسمار جحا لازم يتنحى” يحضر بقوة في الشعارات والتصريحات.

إن خطاب التهدئة والاحتواء صار يتراجع مع تزايد التصعيد، وحيث أن الحكومة لم تنجح في الحصول على التهدئة وتغليب أسلوب الحوار، فإنها كانت تفقد أهليتها السياسية لصالح المنطق الأمني الذي كان يقدم المؤسسة العسكرية كملاذ للمتخوفين ولأجل التدخل. إذ لم يكن يتأكد من :” إن الإسلامية – بحكم غياب الإكليروس في الإسلام – هي وجهة نظر بين وجهات أخرى، وهذه الوجهة ينبغي الاعتراف بها شرعيا، ما دامت لا تدعو إلى الاستبداد. لأن الإسلامية تتعلق بسلوك الأفراد وليس بالحق العام والحريات. وناهيك بأن الجبهة الإسلامية للإنقاذ كانت قد سلمت بالقاعدة الديمقراطية قبل أن يدفعها عنف الدولة إلى القطيعة. وهذه ثابتة نجدها مكررة في كل العالم الإسلامي: فالإسلامية السياسية لا تقوم ولا تتطور إلا هناك حيث تشعر مجتمعات أو جماعات إسلامية أنها مضطهدة”[3]، كتب غازي حيدوسي يعبر عن موقف الإصلاحيين. أي بقدرة هزمها سياسيا. أما الرئيس فكان يسعى إلى أن يظهر بمظهر الواثق الهادئ، فيصرح أنه :”مستعد للتعايش مع برلمان وحكومة الفيس”[4].

في زمن التشدد والتطرف تنتفي السياسة.

تكشف المناظرة التي جمعت عباسي مدني وعبد الحميد مهري قبيل تنظيم الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في 27 جوان 1991 في حصة “في لقاء الصحافة” التلفزيونية (ماي 1991)، عن طبيعة العلاقة التي تطورت بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ والنظام السياسي القائم. كان هناك منطلق وتعميم بأن جبهة التحرير الوطني هي التي حكمت وتحكم، إن عباسي مدني يتثبت تهمه ويجعل الشرعية هي القضية الأساسية. شرعية الحكم باسم الله، وشرعية العودة إلى الشعب الذي بكل تأكيد سيحكم شرع الله. فيخاطب عبد الحميد مهري (ومن وراءه النظام الحاكم) بلغة اتهامية :” من خول لكم تغيير مجرى القيم من قيم إسلامية لثورة إسلامية وطنية إلى شعارات شيوعية”. وينتقد المادة الثانية من الدستور القاضية بأن الإسلام هو دين الدولة، مصححا بأنه يجب أن تكون الدولة هي دولة الإسلام. ثم يؤكد على سلمية العمل السياسي ومبدأ الحوار الذي تفضله الجبهة الإسلامية :” نحن لا نريد الثورة الدموية”. يدافع عبد الحميد مهري على المشروع الوطني، بأن يسعى إلى سحب شرعية تطبيق الإسلام من الجبهة الإسلامية ومن أنها مجرد حزب سياسي يعمل وفق القانون الذي اعتمدت من خلاله وتعمل وفقه :”الجبهة (ج، ت، و) ملتزمة بالإسلام لكنها لا تدعي أنها المخولة لتطبيق الإسلام”. ويسعى كنقطة ثانية إلى دحض النقد القائل بأن :”الجزائر لم تعمل شيء ولا أقول الجبهة، أحكام تخيف”. ليخلص إلى التحذير من المسار الذي تسير فيه الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي :”لم تحكم وصدرت عنها مخيفة..هذه تصرفاتها وهي في المعارضة فكيف إذا وصلت إلى الحكم”، ومن حيث أنها تتستر على “تجاوزات من فئات معروفة وقليلة” التي :”يغذيها خطابكم المتطرف الذي يدعو إلى الجهاد لأبسط الأشياء”. يذهب عباسي مدني أبعد حينما يتهم النظام السياسي بأنه متآمر مع فرنسا.

كانت قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ جد متلهفة لوضع رزنامة المواعيد الانتخابية، وكانت تضع نصب أعينها تنظيم انتخابات رئاسية. كان الوثوق من فوزها هو الذي يدفعها للضغط المستمر. ولذلك ومن حيث المبدأ كان تنظيم انتخابات تشريعية أمرا مرغوبا فيه من قبلها.

في الثالث من شهر أفريل 1991، حدد رئيس الجمهورية موعد أول انتخابات تشريعية تعددية في 27 جوان 1991. وبادرت الحكومة بعد أيام معدودة بعرض قانون الانتخابات وتقسيم الدوائر الانتخابية، وقانون إبعاد أماكن العبادة عن السياسة. لقد رأت الجبهة إإ أنها المستهدفة في ما عرف بـ”حرب المساجد” من خلال إبعاد أئمة محسوبين عليها، وبالتالي رفضته بشكل قاطع واعتبرته “خيانة عظمى” و”تدخل شيطاني”، كما يدل على دل تصريحات زعمائها (عباسي مدني)النارية. ويهدد علي بلحاج:” سننكث هذه القوانين بأرجلنا”[5]. وأما التعديلات التي أدخلت على قانون الانتخابات، فهي تتعلق بأن يتم التصويت على المرشح الواحد وبالأغلبية وعلى دورتين. ورفع عدد الدوائر الانتخابية من  290 إلى 559 دائرة، أي انتخاب 559  نائبا.

لم يقتصر رد فعل على الجبهة إإ فقط. إذ ظهرت مبادرة رافضة لمجموعة من الأحزاب بما عرف مجموعة “7+1”[6]، التي هددت بشن إضراب عام وشامل من أجل إلغاء قانون تقسيم الدوائر الانتخابية. إن الجبهة لم تكن ضمن هذه المبادرة، لكنها تبنت هذه الفكرة لصالحها وجعلتها موضع تطبيق على الرغم من أنها تقدمت بإيداع ملفات الترشح.

تغلب منطق تحكيم لغة القوة وفشل السياسة. يندد مولود حمروش في شهر ماي 1991:” الفيس يريد تقسيم الأمة. كيف يمكن قبول أن الفيس ينادي، باسم الإسلام، مسلمين للجهاد ضد مسلمين آخرين”. ردا على التوجه إلى الإضراب المفتوح..والعصيان المدني.

انتحار الديمقراطية ، أم وأدها. في تلك الأيام كان التوجه من جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى .. لجنة إنقاذ الجزائر.

يتبع..

بقلم الدكتور عبد السلام فيلالي

[1] – أحميدة عياشي ، الحياة السرية للجنرال العربي بلخير { الحلقة الثانية }. نفس المعطيات السابقة

[2] – Myriam Ait-Aoudia. l’expérience démocratique en Algérie (1988-1992), p 247.

[3] – غازي حيدوسي، مرجع سابق، ص 180.

[4] -Mahfoud Benoune, la montée de la nébuleuse islamiste, El watan vendredi 9.samedi 10 octobre 1998

[5] – Myriam Ait-Aoudia. l’expérience démocratique en Algérie (1988-1992), p 256.

[6] – هي الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر، التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، حركة التجديد الجزائري، حركة النهضة ، حزب العمال إتحاد القوى الشعبية، ثم التحق وٱلتحق بهذه المجموعة من الأحزاب الحركة الجزائرية من أجل العدل والتنمية (مجد).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى